حصورا، لكنه نجد تألّق بكل ثنيّة، ومكارم رمت عن كلّ حنيّة، ومجد سبق إلى كل أمنيّة، وأياد ببلوغ غايات الكمال معنيّة. فحسبي الإلقاء باليد لغلبة تلك الأيادي، وإسلام قيادي، إلى ذلك المجد السّيادي، وإعفاء يراعي ومدادي. فإذا كانت الغاية لا تدرك، فالأولى أن يلقى الكدّ ويترك، ولا يعرّج على الادّعاء، ويصرف القول من باب الخبر إلى باب الدّعاء. وقد وصل كتاب سيّدي مختصر الحجم، جامعا بين النّجم والنّجم، قريب عهد من يمينه بمجاورة المطر السّجم، فقلت: اللهمّ كلّف سيدي وأجزه، ومدّ يده بالضّر فاخزه. ولله درّ المثل، أشبه امرؤ بعض برّه كمال واختصار، وريحان أنوف وإثمد أبصار. أعلق بالرّعي الذي لا يقرّ بعد الدار من شيمته، ولا يقدح اختلاف العروض والأقطار في ديمته. إنما نفسه الكريمة والله يقيها، وإلى معارج السعادة يرقّيها، قانون يلحق أدنى الفضائل بأقصاها، وكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها. وإني وإن عجزت عما خصّني من عمومها، وأحسّني من جموعها، لمخلّد ذكر يبقى وتذهب اللها، ويعلى مباني المجد تجاوز ذوابها السّها، ويذيع بمخايل الملك فما دونها، ممادح يهوى المسك أن يكونها، ويقطف له الروض المجود غصونها، وتكحل به الحور العين عيونها، وتؤدي منه الأيام المتهرّبة ديونها. وإن تشوّف سيدي، بعد حمده وشكره، واستنفاد الوسع في إطالة حمده، وإطابة ذكره، إلى الحال، ففلان حفظه الله يشرح منها المجمل، ويبيّن من عواملها الملغى والمعمل. وإما اعتناء سيدي بالولد المكفّن بحرمته، فليس ببدع في بعد صيته، وعلوّ همّته، على من تمسّك بأذمّته، وفضله أكبر من أن يقيّد بقصّة، وبدر كماله أجلّ من أن يعدّل بوسط أو حصّة. والله تعالى يحفظ منه في الولاء وليّ القبلة، ووليّ المكارم بالكسب والجبلّة، ويجعل جيش ثنائه لا يؤتى من القلّة، بفضله وكرمه، والسلام الكريم عليه، ورحمة الله وبركاته. وكتب في كذا.
ومن تشوف إلى الإكثار من هذا الفن، فعليه بكتابنا المسمى ب «ريحانة الكتّاب، ونجعة المنتاب» «1» .
رسالة السياسة
قال ابن الخطيب: ولنختم هذا الغرض ببعض ما صدر عني في السّياسة وكان إملاؤها في ليلة واحدة «2» :
حدّث من امتاز باعتبار الأخبار، وحاز درجة الاشتهار، بنقل حوادث الليل والنهار، وولج بين الكمائم والأزهار، وتلطّف لخجل الورد من تبسّم البهار، قال:
سهر الرشيد ليلة «1» ، وقد مال في هجر النبيذ ميلة «2» ، وجهد ندماؤه في جلب راحته، وإلمام النوم بساحته، فشحّت عهادهم «3» ، ولم يغن اجتهادهم. فقال: اذهبوا إلى طرق سمّاها ورسمها، وأمهات قسمها، فمن عثرتم عليه من طارق ليل، أو غثاء سيل، أو ساحب ذيل، فبلّغوه، والأمنة سوّغوه، واستدعوه، ولا تدعوه. فطاروا عجالى، وتفرّقوا ركبانا ورجالا، فلم يكن إلّا ارتداد طرف، أو فواق حرف «4» ، وأتوا بالغنيمة التي اكتسحوها، والبضاعة التي ربحوها، يتوسّطهم الأشعث الأغبر، واللّجّ الذي لا يعبر، شيخ طويل القامة، ظاهر الاستقامة، سبلته مشمطّة، وعلى أنفه من القبح «5» مطّة، وعليه ثوب مرقوع، لطير الخرق «6» عليه وقوع، يهينم بذكر مسموع، وينبئ عن وقت مجموع. فلما مثل سلّم، وما نبس بعدها ولا تكلّم.
فأشار إليه الملك «7» فقعد، بعد أن انشمر وابتعد، وجلس، فما استرقّ النظر ولا اختلس، إنما حركة فكره، معقودة بزمام ذكره، ولحظات اعتباره، في تفاصيل أخباره. فابتدره الرشيد سائلا، وانحرف إليه مائلا، وقال: ممن الرجل؟ فقال:
فارسيّ الأصل، أعجميّ الجنس عربيّ الفصل، قال: بلدك، وأهلك وولدك؟ قال:
أمّا الولد فولد الدّيوان، وأمّا البلد فمدينة الإيوان. قال: النّحلة، وما أعملت إليه الرّحلة؟ قال: أمّا الرّحلة فالاعتبار، وأمّا النّحلة فالأمور الكبار، قال: فنّك، الذي اشتمل علية دنّك؟ فقال: الحكمة فنيّ الذي جعلته أثيرا، وأضجعت منه فراشا وثيرا، وسبحان الذي يقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
«8» . وما سوى ذلك فتبيع «9» ، ولي فيه مصطاف وتربيع «10» . قال: فتعاضد جذل الرشيد وتوفّر، وكأنما «11» غشي وجهه قطعة من الصبح إذا أسفر، وقال: ما رأيت كاللّيلة أجمع لأمل شارد، وأنعم بمؤانسة وارد. يا هذا، إني سائلك، ولن تخيب بعد وسائلك، فأخبرني
بما «1» عندك في هذا الأمر الذي بلينا بحمل أعبائه، ومنينا بمراوضة إبائه «2» ، فقال:
هذا الأمر قلادة ثقيلة، ومن خطّة العجز مستقيلة، ومفتقرة لسعة الذّرع، وربط السياسة المدنية بالشّرع، يفسدها «3» الحلم «4» في غير محلّه، ويكون ذريعة إلى حلّه، ويصلحها «5» مقابلة الشكل بشكله: [المتقارب]
ومن لم يكن سبعا آكلا ... تداعت سباع إلى أكله
فقال الملك: أجملت ففصّل، وبريت فنصّل، وكلت فأوصل، وانثر الحبّ لمن يحوصل، واقسم السياسة فنونا، واجعل لكلّ لقب قانونا، وابدأ بالرّعيّة، وشروطها المرعيّة. فقال: رعيّتك ودائع الله «6» قبلك، ومرآة العدل الذي عليه جبلك، ولا تصل إلى ضبطهم إلّا بإعانته «7» التي وهب لك. وأفضل ما استدعيت به عونك «8» فيهم، وكفايته التي تكفيهم، تقويم نفسك عند قصد تقويمهم، ورضاك بالسّهر لتنويمهم، وحراسة كهلهم ورضيعهم، والترفّع عن تضييعهم، وأخذ كل طبقة بما عليها وما لها، أخذا يحوط مالها، ويحفظ عليها كمالها، ويقصّر عن غير الواجب آمالها، حتى تستشعر عليتها «9» رأفتك وحنانك، وتعرف أوساطها في النّصب امتنانك، وتحذر سفلتها سنانك، وحظّر على كلّ طبقة منها أن تتعدّى طورها، أو تخالف دورها، أو تجاوز بأمر طاعتك فورها. وسدّ فيها سبل الذريعة، وأقصر جميعها على «10» خدمة الملك بموجب الشّريعة، وامنع أغنياءها من البطر والبطالة، والنظر في شبهات الدين بالتّمشدق والإطالة، وليقلّ فيما شجر بين السلف «11» كلامها، وترفض «12» ما ينبز به أعلامها، فإنّ ذلك يسقط الحقوق، ويرتّب العقوق. وامنعهم من فحش الحرص والشّره، وتعاهدهم بالمواعظ التي تجلو البصائر من المره «13» ، واحملهم من الاجتهاد في العمارة على أحسن المذاهب، وانهم عن التحاسد على المواهب، ورضهم على الإنفاق بقدر الحال، والتعزّي عن الفائت فردّه من المحال. وحذّر «14» البخل على «15»
أهل اليسار، والسّخاء على أولي الإعسار. وخذهم من الشّريعة بالواضح الظاهر، وامنعهم من تأويلها منع القاهر. ولا تطلق لهم التّجمّع على من أنكروا أمره في نواديهم، وكفّ عنهم أكفّ تعدّيهم، ولا تبح لهم تغيير ما كرهوه بأيديهم. ولتكن غايتهم، فيما توجّهت إليه إبايتهم، ونكصت عن الموافقة عليه رايتهم، إنهاؤه «1» إلى من وكلته بمصالحهم من ثقاتك، المحافظين على أوقاتك. وقدّم منهم من أمنت عليهم مكره، وحمدت على الإنصاف شكره، ومن كثر حياؤه مع التّأنيب، وقابل الهفوة باستقالة «2» المنيب، ومن لا يتخطّى عندك «3» محلّه، الذي حلّه، فربما عمد إلى المبرم فحلّه. وحسّن النّية لهم بجهد الاستطاعة، واغتفر المكاره في جنب حسن الطاعة. وإن ثار جرادهم، واختلف في طاعتك مرادهم، فتحصّن لثورتهم، واثبت لفورتهم، فإذا سألوا وسلّوا، وتفرّقوا وانسلّوا، فاحتقر كثرتهم، ولا تقل عثرتهم «4» ، واجعلهم لما بين أيديهم وما خلفهم نكالا، ولا تترك لهم على حلمك اتّكالا.
ثم قال: والوزير الصالح أفضل عددك، وأوصل مددك، فهو الذي يصونك عن الابتذال، ومباشرة الأنذال، ويثب لك على الفرصة، وينوب في تجرّع الغصّة، واستجلاء القصّة، ويستحضر ما نسيته من أمورك، ويغلّب فيه الرأي بموافقة مأمورك، ولا يسعه ما تمكنك المسامحة فيه، حتى يستوفيه. واحذر مصادمة تيّاره، والتجوّز في اختياره، وقدّم استخارة الله في إيثاره، وأرسل عيون الملاحظة في «5» آثاره، وليكن معروف «6» الإخلاص لدولتك، معقود الرّضا والغضب برضاك وصولتك، زاهدا عمّا في يديك، مؤثرا كلّ «7» ما يزلف لديك، بعيد الهمّة، راعيا للأذمّة «8» ، كامل الآلة، محيطا بالإيالة، رحب «9» الصّدر، رفيع القدر، معروف البيت، نبيه الحيّ والميت، مؤثرا للعدل والإصلاح، دريّا «10» بحمل السّلاح، ذا خبرة بدخل المملكة وخرجها، وظهرها وسرجها، صحيح العقد، متحرّزا من النّقد، جادّا عند لهوك، متيقّظا في حال سهوك، يلين عند غضبك، ويصل الإسهاب بمقتضبك «11» ، قلقا من شكره دونك
وحمده، ناسبا لك الأصالة «1» بعمده. وإن أعيا عليك وجود أكثر هذه الخلال، وسبق إلى نقيضها «2» شيء من الاختلال، فاطلب منه سكون النّفس وهدونها «3» ، وأن لا يرى منك رتبة إلّا رأى قدره دونها، وتقوى الله تفضل شرف الانتساب، وهي للفضائل فذلكة الحساب. وساو في حفظ غيبه بين قربه ونأيه، واجعل حظّه من نعمتك موازيا لحظّك من حسن رأيه، واجتنب منهم من يرى في نفسه إلى الملك سبيلا، أو يقود من عيصه للاستظهار عليك قبيلا، أو من كاثر مالك ماله، أو من تقدم لعدوّك استعماله، أو من سمت لسواك آماله، أو من يعظم عليه إعراض وجهك، ويهمّه نادرة «4» نهجك «5» ، أو من يداخل غير أحبابك، أو من ينافس أحدا ببابك.
وأمّا الجند فاصرف التّقويم «6» منهم للمقاتلة، والمكايدة المخاتلة «7» ، واستوف عليهم شرائط الخدمة، وخذهم بالثّبات للصّدمة، ووفّ ما أوجبت لهم من الجراية والنّعمة، وتعاهدهم عند الغناء بالعلف «8» والطّعمة، ولا تكرّم منهم إلّا من أكرمه غناؤه، وطاب في الذّبّ عن ملّتك «9» ثناؤه، وولّ «10» عليهم النّبهاء من خيارهم، واجتهد في صرفهم عن الافتنان بأهلهم «11» وديارهم، ولا توطّئهم الدّعة مهادا، وقدّمهم على حفظك «12» وبعوثك متى «13» أردت جهادا، ولا تلن «14» لهم في الإغماض عن حسن طاعتك قيادا، وعوّدهم حسن المواساة بأنفسهم اعتيادا، ولا تسمح لأحد منهم في إغفال شيء من سلاح استظهاره، أو عدّة اشتهاره، وليكن ما فضل عن «15» شبعهم وريّهم، مصروفا إلى سلاحهم وزيّهم، والتّزيّد في مراكبهم وغلمانهم، من غير اعتبار لأثمانهم. وامنعهم من المستغلّات والمتاجر، وما يتكسّب منه غير المشاجر، وليكن من الغزو اكتسابهم، وعلى المغانم حسابهم، كالجوارح التي تفسد باعتيادها، أن تطعم من غير اصطيادها. واعلم أنها لا تبذل نفوسها من عالم الإنسان، إلّا لمن يملك قلوبها بالإحسان وفضل اللّسان، ويملك حركاتها بالتّقويم، ورتبها بالميزان القويم، ومن تثق بإشفاقها «16» على أولادها،
وتشتري «1» رضا الله بصبرها «2» على طاعته وجلادها. فإذا استشعرت لها هذه الخلال تقدمتك إلى مواقف التّلف، مطيعة دواعي الكلف، واثقة منك بحسن الخلف. واستبق إلى تمييزهم استباقا، وطبّقهم طباقا، أعلاها من تأمّلت منه في المحاربة عنك إحظارا «3» ، وأبعدهم في مرضاتك مطارا «4» ، وأضبطهم لما تحت يدك «5» من رجالك حزما ووقارا، واستهانة بالعظائم واحتقارا، وأحسنهم لمن تقلّده أمرك من الرعيّة جوارا، إذا أجدت اختيارا، وأشدّهم على مماطلة من مارسه من الخوارج عليك اصطبارا. ومن بلا «6» في الذبّ عنك «7» إحلاء وإمرارا، ولحقه الضّرّ في معارك «8» الدفاع عنك مرارا. وبعده من كانت محبّته لك أكثر «9» من نجدته، وموقع رأيه أصدق «10» من موقع صعدته «11» . وبعده «12» من حسن انقياده لأمرائك، وإحماده لآرائك، ومن جعل نفسه من الأمر حيث جعله «13» ، وكان صبره على ما عراه أكثر من اعتداده بما فعله. واحذر منهم من كان عند نفسه أكبر من موقعه في الانتفاع، ولم يستح «14» من التزيّد بأضعاف ما بذله من الدّفاع، وشكا البخس فيما تعذّر عليه من فوائدك، وقاس بين عوائد «15» عدوّك وعوائدك، وتوعّد بانتقاله عنك وارتحاله، وأظهر الكراهية لحاله.
وأما العمّال فإنهم ينبئون «16» عن مذهبك، وحالهم في الغالب شديدة الشّبه بك، فعرّفهم في أمانتك السّعادة، وألزمهم في رعيّتك العادة، وأنزلهم من كرامتك بحسب منازلهم في الاتّصاف، بالعدل والإنصاف، وأحلّهم من الحفاية، بنسبة مراتبهم من الأمانة والكفاية، وقفهم عند تقليد الأرجاء، مواقف الخوف والرّجاء، وقرّر في نفوسهم أنّ أعظم ما به إليك تقرّبوا، وفيه تدرّبوا، وفي سبيله أعجموا وأعربوا، إقامة حقّ ودحض باطل «17» ، حتى لا يشكو غريم مطل ماطل، وهو آثر لديك من كل رباب «18» هاطل. وكفّهم من الرّزق الموافق، عن التصدّي لدنيء المرافق. واصطنع منهم من تيسّرت كلفته، وقويت للرعايا ألفته، ومن زاد على تأميله صبره، وأربى على
خبره خبره، وكانت رغبته في حسن الذّكر، تشفّ «1» على غيرها من بنات الفكر، واجتنب منهم من غلب «2» عليه التّخرّق في الإنفاق، وعدم الإشفاق، والتنافس في الاكتساب، وسهل عليه سوء الحساب، وكانت ذريعته المصانعة بالنّفاية، دون التّقصّي والكفاية، ومن كان منشؤه خاملا، ولأعباء الدّناءة حاملا، وابغ من يكون الاعتذار في أعماله، أوضح من الاعتذار في أقواله، ولا يفتننّك من «3» قلّدته اجتلاب الحظّ المطمع «4» ، والتّنفّق بالسّعي المسمع، ومخالفة السّنن المرعيّة وإتباعه رضاك بسخط الرعيّة، فإنه قد غشّك، من حيث بلّك ورشّك، وجعل من يمينك في شمالك، حاضر مالك. ولا تضمّن عاملا مال عمله، وحل بينه فيه وبين أمله، فإنّك تميت رسومك بمحيّاه، وتخرجه من خدمتك فيه إلّا أن تملّكه إيّاه. ولا تجمع له في «5» الأعمال فيسقط استظهارك ببلد على بلد، والاحتجاج على والد بولد، واحرص على أن يكون في الولاية غريبا، ومتنقّله منك قريبا، ورهينة لا يزال معها مريبا، ولا تقبل مصالحته على شيء اختانه، ولو برغيبة فتّانه، فتقبل المصانعة في أمانتك، وتكون مشاركا له «6» في خيانتك، ولا تطل مدّة العمل، وتعاهد كشف الأمور ممّن يرعى الهمل، ويبلغ الأمل.
وأما الولد فأحسن آدابهم، واجعل الخير دابهم «7» ، وخف عليهم من إشفاقك وحنانك، أكثر من غلظة جنانك، واكتم عنهم ميلك، وأفض عليهم جودك ونيلك، ولا تستغرق بالكلف بهم يومك ولا ليلك، وأثبهم على حسن الجواب، وسبّق إليهم «8» خوف الجزاء على رجاء الثواب، وعلّمهم الصّبر على الضّرائر، والمهلة عند استخفاف الجرائر، وخذهم «9» بحسن السّرائر، وحبّب إليهم مراس الأمور «10» الصعبة المراس، وحصّن «11» الاصطناع والاغتراس، والاستكثار من أولي المراتب والعلوم، والسياسات والحلوم، والمقام المعلوم، وكرّه إليهم مجالسة الملهين، ومصاحبة السّاهين، وجاهد أهواءهم عن عقولهم، واحذر «12» الكذب على مقولهم، ورشّحهم
إذا أنست منهم رشدا أو هديا، وأرضعهم من المؤازرة والمشاورة ثديا، لتمرّنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الجياد، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم. وتدارك الخلق الذّميمة كلّما نجمت، واقذعها إذا هجمت، قبل أن يظهر تضعيفها، ويقوى ضعيفها، فإن أعجزتك في صغرهم «1» الحيل، عظم الميل: [البسيط]
إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوّمتها الخشب
وإذا قدروا على التدبير، وتشوّفوا للمحلّ الكبير، فلا «2» توطّنهم في مكانك، جهد إمكانك، وفرّقهم في بلدانك، تفريق عبدانك. واستعملهم في بعوث جهادك، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك، فإنّ حضرتك تشغلهم بالتّحاسد، والتّباري والتّفاسد. وانظر إليهم بأعين الثّقات، فإنّ عين الثقة، تبصر ما لا تبصر عين المحبّة والمقة.
وأمّا الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرّق بها وتجمع، وتبصر وتسمع، فرضهم بالصدق والأمانة، وصنهم صون الجمانة «3» ، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته، والتقليل ممّا استكثرته. واحذر منهم من قويت شهواته، وضاقت عن هواه لهواته، فإنّ الشهوات تنازعك في استرقاقه، وتشاركك في استحقاقه. وخيرهم من ستر ذلك عليك «4» بلطف الحيلة، وآداب للفساد مخيلة «5» . وأشرب قلوبهم أنّ الحقّ في كلّ ما حاولته واستنزلته، وأنّ الباطل في كلّ ما جانبته واعتزلته، وأنّ من تصفّح منهم أمورك فقد أذنب، وباين الأدب وتجنّب. وأعط من أكددته، وأضقت منهم ملكه وشددته، روحة يشتغل فيها بما يغنيه «6» ، على حسب صعوبة ما يعانيه، تغبطهم فيها بمسارحهم، وتجمّ كليلة جوارحهم. ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم، ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم، ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك. وحذّر عليهم مخالفتك ولو في صلاحك، بحدّ سلاحك. وامنعهم من التّواثب والتّشاجر، ولا تحمد لهم شيم التّقاطع والتّهاجر، واستخلص منهم لسرّك من قلّت في الإفشاء ذنوبه، وكان أصبرهم «7» على ما ينوبه، ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك، أكثر من رغبته في إحسانك،