بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 541

إذا أنست منهم رشدا أو هديا، وأرضعهم من المؤازرة والمشاورة ثديا، لتمرّنهم على الاعتياد، وتحملهم على الازدياد، ورضهم رياضة الجياد، واحذر عليهم الشهوات فهي داؤهم، وأعداؤك في الحقيقة وأعداؤهم. وتدارك الخلق الذّميمة كلّما نجمت، واقذعها إذا هجمت، قبل أن يظهر تضعيفها، ويقوى ضعيفها، فإن أعجزتك في صغرهم «1» الحيل، عظم الميل: [البسيط]
إنّ الغصون إذا قوّمتها اعتدلت ... ولن تلين إذا قوّمتها الخشب
وإذا قدروا على التدبير، وتشوّفوا للمحلّ الكبير، فلا «2» توطّنهم في مكانك، جهد إمكانك، وفرّقهم في بلدانك، تفريق عبدانك. واستعملهم في بعوث جهادك، والنيابة عنك في سبيل اجتهادك، فإنّ حضرتك تشغلهم بالتّحاسد، والتّباري والتّفاسد. وانظر إليهم بأعين الثّقات، فإنّ عين الثقة، تبصر ما لا تبصر عين المحبّة والمقة.
وأمّا الخدم فإنهم بمنزلة الجوارح التي تفرّق بها وتجمع، وتبصر وتسمع، فرضهم بالصدق والأمانة، وصنهم صون الجمانة «3» ، وخذهم بحسن الانقياد إلى ما آثرته، والتقليل ممّا استكثرته. واحذر منهم من قويت شهواته، وضاقت عن هواه لهواته، فإنّ الشهوات تنازعك في استرقاقه، وتشاركك في استحقاقه. وخيرهم من ستر ذلك عليك «4» بلطف الحيلة، وآداب للفساد مخيلة «5» . وأشرب قلوبهم أنّ الحقّ في كلّ ما حاولته واستنزلته، وأنّ الباطل في كلّ ما جانبته واعتزلته، وأنّ من تصفّح منهم أمورك فقد أذنب، وباين الأدب وتجنّب. وأعط من أكددته، وأضقت منهم ملكه وشددته، روحة يشتغل فيها بما يغنيه «6» ، على حسب صعوبة ما يعانيه، تغبطهم فيها بمسارحهم، وتجمّ كليلة جوارحهم. ولتكن عطاياك فيهم بالمقدار الذي لا يبطر أعلامهم، ولا يؤسف الأصاغر فيفسد أحلامهم، ولا ترم محسنهم بالغاية من إحسانك، واترك لمزيدهم فضلة من رفدك ولسانك. وحذّر عليهم مخالفتك ولو في صلاحك، بحدّ سلاحك. وامنعهم من التّواثب والتّشاجر، ولا تحمد لهم شيم التّقاطع والتّهاجر، واستخلص منهم لسرّك من قلّت في الإفشاء ذنوبه، وكان أصبرهم «7» على ما ينوبه، ولودائعك من كانت رغبته في وظيفة لسانك، أكثر من رغبته في إحسانك،


صفحه 542

وضبطه لما تقلّده «1» من وديعتك، أحبّ إليه من حسن صنيعتك. وللسّفارة عنك من حلا الصدق في فمه، وآثره ولو بإخطار دمه، واستوفى لك وعليك فهم ما تحمّله، وعني بلفظه حتى لا يهمله، ولمن تودعه أعداء دولتك من كان مقصور الأمل، قليل القول صادق العمل، ومن كانت قسوته زائدة على رحمته، وعظمه في مرضاتك آثر من شحمته، ورأيه في الحذر سديد، وتحرّزه من الحيل شديد. ولخدمتك في ليلك ونهارك من لانت طباعه، وامتدّ في حسن السّجية باعه، وآمن كيده وغدره، وسلم من الحقد صدره، ورأى المطامع فما طمع، واستثقل إعادة ما سمع، وكان بريئا من الملال، والبشر عليه أغلب الخلال. ولا تؤنسهم منك بقبيح فعل ولا قول، ولا تؤيسهم من طول «2» . ومكّن في نفوسهم أنّ أقوى شفعائهم، وأقرب إلى الإجابة من دعائهم، إصابة الغرض فيما به وكلوا، وعليه شكّلوا، فإنّك لا تعدم بهم انتفاعا، ولا يعدمون لديك ارتفاعا.
وأمّا الحرم فهنّ «3» مغارس الولد، ورياحين الخلد، وراحة القلب الذي أجهدته الأفكار، والنّفس التي تقسّمها الإحماد إلى المساعي والإنكار «4» ، فاطلب منهنّ من غلب عليهنّ من حسن الشّيم، المترفّعة عن القيم، ما لا يسوءك في خلدك، أن يكون في ولدك، واحذر أن تجعل لفكر بشر دون بصر إليهنّ سبيلا، وانصب دون ذلك عذابا وبيلا «5» ، وأرعهنّ من النّساء العجز من فاقت «6» في الدّيانة والأمانة سبله «7» ، وقويت غيرته ونبله، وخذهنّ بسلامة النّيّات، والشيم السّنيّات، وحسن الاسترسال، والخلق السّلسال. وحظّر «8» عليهنّ التّغامز والتّغاير، والتّنافس والتّخاير، وآس «9» بينهنّ في الأغراض، والتّصامم عن الإعراض، والمحاباة بالأعراض. وأقلل من مخالطتهنّ فهو أبقى لهمّتك، وأسبل لحرمتك، ولتكن عشرتك لهنّ عند الكلال والملال، وضيق الاحتمال، بكثرة الأعمال، وعند الغضب والنّوم، والفراغ من نصب اليوم. واجعل مبيتك بينهنّ تنم بركاتك، وتستتر حركاتك، وافصل من ولدت منهنّ إلى مسكن يختبر فيه استقلالها، وتعتبر «10» بالتفرّد خلالها. ولا تطلق لحرمة شفاعة ولا تدبيرا، ولا تنط بها من الأمر صغيرا ولا كبيرا، واحذر أن يظهر على خدمهنّ في خروجهنّ عن القصور، وبروزهن من


صفحه 543

أجمة الأسد الهصور «1» ، زيّ مفارع «2» ، ولا طيب للأنوف مسارع، واخصص بذلك من طعن في السّن، ويئس من الإنس والجنّ، ومن توفّر النزوع إلى الخيرات قبله، وقصر عن جمال الصورة ووسم «3» بالبله.
ثم لمّا بلغ إلى هذا الحدّ، حمي وطيس استجفاره، وختم حزبه باستغفاره، ثم صمت مليّا، واستعاد كلاما أوّليا. ثم قال: واعلم يا أمير المؤمنين، سدّد الله سهمك لأغراض خلافته، وعصمك من الزمان وآفته، أنك في مجلس الفصل، ومباشرة الفرع من ملكك والأصل، في طائفة من عزّ الله تذبّ عنك حماتها، وتدافع عن حوزتك كماتها، فاحذر أن يعدل بك غضبك عن عدل تزري منه ببضاعة، أو يهجم بك رضاك على إضاعة. ولتكن قدرتك وقفا على الاتصاف، بالعدل والإنصاف، واحكم بالسّويّة، واجنح بتدبيرك إلى حسن الرّويّة. وخف أن تقعد بك أناتك عن حزم تعيّن، أو تستفزّك العجلة في أمر لم يتبيّن. وأطع الحجّة ما توجّهت عليك «4» ، ولا تحفل بها إذا كانت إليك «5» ، فانقيادك إليها أحسن من ظفرك، والحقّ أجدى من نفرك. ولا تردّنّ النصيحة في وجه، ولا تقابل عليها بنجه، فتمنعها إذا استدعيتها، وتحجب عنك إذا استوعيتها، ولا تستدعها من غير أهلها، فيشغبك أولو الأغراض بجهلها. واحرص على أن لا ينقضي مجلس جلسته، أو زمن اختلسته، إلّا وقد أحرزت فضيلة زائدة، أو وثقت منه في معادك بفائدة، ولا يزهدنّك في المال كثرته، فتقلّ في نفسك أثرته.
وقس الشّاهد بالغائب، واذكر وقوع ما لا يحتسب من النوائب، فالمال المصون، أمنع الحصون. ومن قلّ ماله قصرت آماله، وتهاون بيمينه شماله، والملك إذا فقد خزينه، أنحى «6» على أهل الجدة التي تزينه، وعاد على رعيّته بالإجحاف، وعلى جبايته بالإلحاف، وساء معتاد عيشه، وصغر في عيون جيشه، ومنّوا عليه بنصره، وأنفوا من الاقتصار على قصره. وفي المال قوّة سماوية تصرف الناس لصاحبه، وتربط آمال أهل السّلاح به. والمال نعمة الله تعالى فلا تجعله ذريعة إلى خلافه، فتجمع بالشّهوات بين إتلافك وإتلافه. واستأنس بحسن جوارها، واصرف في حقوق الله بعض أطوارها، فإن فضل المال عن الأجل فأجلّ «7» ، ولم يضر ما تلف «8» منه بين يدي الله عزّ وجلّ. وما ينفق في سبيل الشّريعة، وسدّ الذريعة، مأمول خلفه،


صفحه 544

وما سواه فمستيقن «1» تلفه. واستخلص لحضور «2» نواديك الغاصّة، ومجالسك العامّة والخاصّة، من يليق بولوج عتبها، والعروج «3» لرتبها. أما العاميّة فمن عظم عند الناس قدره، وانشرح بالعلم صدره، أو ظهر يساره، وكان لله إخباته وانكساره، ومن كان للفتيا منتصبا، وبتاج المشورة معتصبا. وأما الخاصّيّة فمن رقّت طباعه، وامتدّ فيما يليق بتلك المجالس باعه، ومن تبحّر في سير الحكماء، وأخلاق الكرماء، ومن له فضل سافر، وطبع للدّنيّة منافر، ولديه من كل ما تستتر به الملوك عن العوام حظّ وافر. وصف ألبابهم بمحصول خيرك، وسكّن قلوبهم بيمن طيرك، وأغنهم ما قدرت عن غيرك.
واعلم بأنّ مواقع العلماء من ملكك مواقع المشاعل المتألّقة، والمصابيح المتعلّقة، وعلى قدر تعاهدها تبذل من الضّياء، وتجلو بنورها صور الأشياء، وفرّعها «4» لتحبير ما يزيّن مدتك، ويحسّن من بعد البلاء جدّتك. وبعناية الأواخر، ذكرت الأول «5» ، وإذا محيت المفاخر، خربت الدّول. واعلم أنّ بقاء الذّكر مشروط بعمارة البلدان، وتخليد الآثار الباقية في القاصي منها والدّان، فاحرص على ما يوضّح في الدهر سبلك، ويحوز «6» المزيّة لك على من قبلك، وأنّ خير الملوك من ينطق بالحجّة وهو قادر على القهر، ويبذل الإنصاف في السّر والجهر، مع التمكّن من المال والظّهر. ويسار الرعية جمال للملك وشرف، وفاقتهم من ذلك طرف، فغلّب أينق «7» الحالين بمحلّك، وأولاهما بظعنك «8» وحلّك. واعلم أنّ كرامة الجور دائرة، وكرامة العدل مكاثرة «9» ، والغلبة بالخير سيادة، وبالشّرّ هوادة.
واعلم أنّ حسن القيام بالشّريعة يحسم عنك نكاية الخوارج، ويسمو بك إلى المعارج، فإنها تقصد أنواع الخدع، وتوري بتغيير البدع. وأطلق على عدوّك أيدي الأقوياء من الأكفاء، وألسنة اللّفيف من الضّعفاء، واستشعر عند نكثه شعار الوفاء.
ولتكن ثقتك بالله أكثر من ثقتك بقوة تجدها، وكتيبة تنجدها، فإنّ الإخلاص يمنحك قوى لا تكتسب، ويهديك «10» مع الأوقات نصرا لا يحتسب. والتمس سلم «11» من


صفحه 545

سالمك، بنفيس «1» ما في يدك. وفضّل حاصل يومك على منتظر غدك، فإن أبى وضحت محجّتك، وقامت عليه للناس «2» حجّتك، فللنفوس على الباغين ميل، ولها من جانبه نيل، واستمدّ «3» كل يوم سيرة من يناويك، واجتهد أن لا يباريك «4» في خير ولا يساويك، وأكذب بالخير ما يشنّعه «5» من مساويك، ولا تقبل من الإطراء إلّا ما كان فيك، فضل عن إطالته، وجدّ يزري ببطالته «6» . ولا تلق المذنب بحميّتك وسبّك، واذكر عند حميّة «7» الغضب ذنوبك إلى ربّك. ولا تنس أنّ ذنب «8» المذنب أجلسك مجلس الفصل، وجعل من «9» قبضتك رياش النّصل. وتشاغل في هدنة الأيام بالاستعداد، واعلم أنّ التّراخي منذر بالاشتداد. ولا تهمل عرض ديوانك، واختبار أعوانك، وتحصين معاقلك وقلاعك، وعمّ إيالتك «10» بحسن اضطلاعك. ولا تشغل زمن الهدنة بلذّاتك، فتجني في الشّدة على ذاتك. ولا تطلق في دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف، ومطاردة الآمال العجاف «11» ، فإنه يبعث سوء القول، ويفتح باب الغول «12» . وحذّر على المدرّسين والمعلّمين «13» ، والعلماء والمتكلّمين، حمل الأحداث على الشّكوك الخالجة، والزلّات «14» الوالجة، فإنه يفسد طباعهم، ويغري سباعهم، ويمدّ في مخالفة الملّة باعهم. وسدّ سبل «15» الشّفاعات فإنها تفسد عليك حسن الاختيار، ونفوس الخيار. وابذل في الأسرى من حسن ملكتك ما يرضي من ملّكك رقابها، وقلّدك ثوابها وعقابها. وتلقّ بدء نهارك بذكر الله في ترفّعك وابتذالك، واختم اليوم بمثل ذلك. واعلم أنك مع كثرة حجّابك، وكثافة حجابك، بمنزلة الظّاهر للعيون، المطالب بالدّيون، لشدّة البحث عن أمورك، وتعرّف السّرّ الخفيّ بين آمرك ومأمورك، فاعمل في سرّك ما لا تستقبح أن يكون ظاهرا، ولا تأنف أن تكون به مجاهرا، وأحكم بريك في الله ونحتك، وخف من فوقك يخفك «16» من تحتك.


صفحه 546

واعلم أنّ عدوّك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه، أو زادت مؤونته على نصيبه منك وفرضه. فأصمت الحجج «1» ، وتوقّ اللّجج «2» ، واسترب بالأمل، ولا يحملنك انتظام الأمور على الاستهانة بالعمل. ولا تحقّرنّ صغير الفساد، فيأخذ في الاستئساد. واحبس الألسنة عن التّحالي «3» باغتيابك، والتّشبّث بأذيال ثيابك، فإنّ سوء الطّاعة ينتقل من الأعين الباصرة، إلى الألسن القاصرة، ثم إلى الأيدي المتناصرة. ولا تثق بنفسك في قتال عدوّ ناواك «4» ، حتى تظفر بعدوّ غضبك وهواك. وليكن خوفك من سوء تدبيرك، أكثر من عدوّك السّاعي في تتبيرك «5» . وإذا استنزلت ناجما «6» ، أو أمنت ثائرا هاجما، فلا تقلّده البلد الذي فيه نجم، وهمى عارضه «7» فيه وانسجم، يعظّم عليك القدح في اختيارك، والغضّ «8» من إيثارك، واحترز من كيده في حوزك «9» ومأمّك، فإنّك أكبر همّه وليس بأكبر همّك. وجمّل المملكة بتأمين الفلوات، وتسهيل الأقوات، وتجويد «10» ما يتعامل به من الصّرف في البياعات، وإجراء العوائد مع الأيام والسّاعات، ولا تبخس عيار قيم البضاعات، ولتكن يدك عن أموال الناس محجورة، وفي احترامها إلّا عن الثّلاثة مأجورة: مال من عدا طوره وطور «11» أهله، وتجاوز «12» في الملابس والزّينة، وفضول المدينة، يروم معارضتك بحمله «13» ، ومن باطن أعداك، وأمن اعتداك، ومن أساء جوار رعيّتك بإخساره، وبذل الأذاية فيهم بيمينه ويساره. وأضرّ ما منيت به التّعادي بين عبدانك، أو في بلد من بلدانك، فسدّ فيه الباب، واسأل عن الأسباب، وانقلهم بوساطة أولي الألباب، إلى حالة الأحباب. ولا تطوّق الأعلام أطواق المنون، بهواجس الظّنون، فهو أمر لا يقف عند حدّ، ولا ينتهي إلى عدّ. واجعل ولدك في احتراسك، [وصدق مراسك] «14» ، حتى لا يطمع في افتراسك.


صفحه 547

ثم لمّا رأى الليل قد كاد ينتصف، وعموده يريد أن ينقصف، ومجال الوصايا أكثر ممّا يصف، قال: يا أمير المؤمنين، بحر السّياسة زاخر، وعمر التّمتّع «1» بناديك العزيز «2» مستأخر، فإن أذنت في فنّ من فنون الأنس يجذب بالمقاد، إلى راحة الرّقاد، ويعتق النّفس بقدرة ذي الجلال، من ملكة الكلال «3» . فقال: أما والله قد استحسنّا ما سردت، فشأنك وما أردت. فاستدعى عودا فأصلحه حتى أحمده «4» ، وأبعد في اختياره أمده. ثم حرّك فمه «5» ، وأطال الحسن ثمّه، ثم تغنّى بصوت يستدعي الإنصات، ويصدع الحصاة «6» ، ويستفزّ الحليم عن وقاره، ويستوقف الطّير ورزق بنيه في منقاره، وقال: [الخفيف]
صاح، ما أعطر القبول بنمّه ... أتراها أطالت اللبث «7» ثمّه؟
هي دار الهوى منى النّفس فيها ... أبد الدّهر والأمانيّ جمّه
إن يكن ما تأرّج الجوّ منها ... واستفاد الشّذا وإلّا فممّه
من بطرفي «8» بنظرة ولأنفي ... في رباها وفي ثراها بشمّه
ذكر العهد فانتفضت كأنّي ... طرقتني من الملائك لمّه
وطن قد نضيت فيه شبابا ... لم تدنّس منه البرود مذمّه
بنت عنه والنفس من أجل من قد «9» ... خلّفته خلاله «10» مغتمّه
كان حلما فويح من أمّل الدّه ... ر وأعماه جهله وأصمّه
تأمل العيش بعد أن أخلق «11» الجس ... م وبنيانه عسير المرمّه
وغدت وفرة الشّبيبة بالشّي ... ب على رغم أنفها معتمّه
فلقد فاز مالك «12» جعل اللّ ... هـ إلى الله قصده ومأمّه
من يبت من غرور دنيا بهمّ ... يلدغ القلب أكثر الله همّه


صفحه 548

ثم أحال اللّحن إلى لون التّنويم، فأخذ كلّ في النّعاس والتّهويم، وأطال الجسّ في الثّقيل، عاكفا عكوف الضّاحي في المقيل، فخاط عيون القوم، بخيوط النّوم، وعمر بهم المراقد، كأنّما أدار عليهم الفراقد، ثم انصرف، فما علم به أحد ولا عرف. ولمّا أفاق الرشيد جدّ في طلبه، فلم يعلم بمنقلبه فأسف للفراق، وأمر بتخليد حكمه في بطون الأوراق. فهي إلى اليوم تروى «1» وتنقل، وتجلى القلوب بها وتصقل، والحمد لله ربّ العالمين.
هذا «2» ما حضرني «3» من المنثور والمنظوم «4» ، وحظّه عندي في الإفادة «5» حظّ ضعيف، وغرضه، كما شاء الله تعالى «6» ، سخيف، لكن الله سبحانه «7» بعباده لطيف، [سبحانه لا إله إلّا هو] «8» .
مولدي: في الخامس والعشرين لرجب عام ثلاثة عشر وسبعمائة «9» ، وكم بالحيّ ممّن ذكرته ألحق بالميت، وبالقبر قد استبدل من البيت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قلت «10» : هنا انتهى هذا التأليف المسمّى ب «الإحاطة في تاريخ غرناطة» بالاختصار، وتحصل منه ما أردناه من هذا المقدار، ووهبناه للناظر فيه هبة ليست بهبة اعتصار، بل هي لتحصيله ذات انتصار. ولمّا لم يمكنه أن يعرّف بمحنته ووفاته، رأيت أنا بعده أن أعرّف بذلك في مختصري هذا على مهيعه، وعادته، فأقول:
محنته ووفاته: رأيت تعليقا بخط بعض العدول المعاصرين، الأذكياء المحاضرين، الأدباء المجيدين، الطرفاء المقيدين، وهو صاحبنا أبو عبد الله ... «11» الوادي آشي، حفظه الله، طرفة زمان، وحفظة أوان، وهو ما نصّه