إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت ... يطيح خفيف دونها وثقيل
سقى الله ربعا لا تزال تشوقني ... إليه رسوم دونه وطلول
جاد رباه «1» كلما ذرّ شارق ... من الودق هتّان أجشّ هطول
وما لي أستسقي الغمام ومدمعي ... سفوح على تلك العراص «2» همول
وعاذلة ظلّت «3» تلوم على السّرى ... وتكثر من تعذالها وتطيل
تقول: إلى كم ذا فراق وغربة ... ونأي على ما خيّلت ورحيل
ذريني أسعى للتي تكسب العلا ... سناء وتبقي الذّكر وهو جميل
فإمّا تريني من ممارسة الهوى ... نحيلا فحدّ المشرفيّ «4» نحيل
فوق أنابيب اليراعة صفرة «5» ... تزين، وفي قدّ القناة ذبول
ولولا السّرى لم يجتل البدر كاملا ... ولا بات منه للسّعود نزيل
ولولا اغتراب المرء في طلب العلا ... لما كان نحو المجد منه وصول
ولولا نوال «6» ابن الحكيم محمد ... لأصبح ربع المجد وهو محيل
وزير سما فوق السّماك جلالة ... وليس له إلّا النجوم قبيل
من القوم، أمّا في النّديّ «7» فإنهم ... هضاب وأمّا في النّدى فسيول
حووا شرف العلياء إرثا ومكسبا ... وطابت فروع منهم وأصول
وما جونة هطّالة ذات هيدب ... مرتها شمال مرجف وقبول «8»
لها زجل من رعدها ولوامع ... من البرق عنها للعيون كلول
كما هدرت وسط القلاص وأرسلت ... شقاشقها عند الهياج فحول
بأجود من كفّ الوزير محمد ... إذا ما توالت للسّنين محول
ولا «9» روضة بالحسن طيبة الشّذا ... ينمّ عليها إذخر وجليل
وقد أذكيت للزهر فيها مجامر ... تعطّر منها للنسيم ذيول
وفي مقل النّوار للطلّ «1» عبرة ... تردّدها أجفانها وتحيل
بأطيب من أخلاقه الغرّ كلّما ... تفاقم خطب للزمان يهول
حويت أبا عبد الإله مناقبا ... تفوت يدي «2» من رامها وتطول
فغرناطة مصر وأنت خصيبها ... ونائل يمناك الكريمة نيل «3»
فداك رجال حاولوا درك العلا ... ببخل، وهل نال العلاء بخيل؟
تخيّرك المولى وزيرا وناصحا ... فكان له ممّا أراد حصول
وألقى مقاليد الأمور مفوّضا ... إليك فلم يعدم يمينك سول
وقام بحفظ الملك منك مؤيّد ... نهوض بما أعيا سواك كفيل
وساس الرعايا منك أروع «4» باسل ... مبيد العدا للمعتفين منيل
وأبلج وقّاد الجبين كأنما ... على وجنتيه للنّضار مسيل
تهيم به العلياء حتى كأنها ... بثينته في الحبّ وهو جميل
له عزمات لو أعير مضاءها ... حسام لما نالت ظباه فلول
سرى ذكره في الخافقين فأصبحت ... إليه قلوب العالمين تميل
وأعدى قريضي جوده وثناؤه ... فأصبح في أقصى البلاد يجول
إليك أيا فخر الوزارة أرقلت ... برحلي هو جاء النّجاء ذلول
فليت إلى لقياك ناصية الفلا ... بأيدي ركاب سيرهنّ ذميل «5»
تسدّدني سهما لكلّ ثنيّة ... ضوامر أشباه القسيّ نحول
وقد لفظتني الأرض حتى رمت إلى ... ذراك برحلي «6» هوجل وهجول
فقيّدت أفراسي به وركائبي ... ولذّ مقام لي به وحلول
وقد كنت ذا نفس عزوف وهمّة ... عليها لأحداث الزمان ذحول «7»
ويهوى «8» العلا حظّي ويغرى «9» بضدّه ... لذاك اعترته رقّة ونحول
وتأبى لي الأيام إلّا إدالة ... فصونك لي إنّ الزمان مديل
فكلّ خضوع في جنابك عزّة ... وكلّ اعتزاز قد عداك «1» خمول
وهي طويلة. ومن شعره «2» : [السريع]
سقى ثرى سبتة بين البلاد ... وعهدها المحبوب صوب العهاد
وجاد منهل الحيا ربعها ... بوبله تلك الرّبى والوهاد
وكم لنا في طور سينائها ... من رائح للأنس في إثر غاد
وعينها البيضاء كم ليلة ... بيضاء فيها قد خلت لو تعاد
وبالمنارة التي نورها ... لكلّ من ضلّ دليل وهاد
نروح منها مثلما نغتدي ... للأنس والأفراح ذات ازدياد
في فتية مثل نجوم الدّجى ... ما منهم إلّا كريم جواد
ارتشفوا كأس الصفا بينهم ... وارتضعوا أخلاف محض الوداد
ويالأيام ببنيولش «3» ... لقد عدت عنها صروف العوادي
أدركت من لبنى بها كلّما ... لبانة وساعدتني سعاد
ونلت من لذّات دهري الذي ... قد شئته وللأماني انقياد
منازل ما إن على مبدل ... هاء مكان اللام فيها انتقاد
سلوتها مذ ضمّني بعدها ... نادي الوزير ابن الحكيم الجواد
ومن المقطوعات قوله «4» : [المتقارب]
أبت همّتي أن يراني امرؤ ... على الدهر يوما له ذا خضوع
وما ذاك إلّا لأني اتّقيت ... بعزّ القناعة ذلّ القنوع «5»
ومن ذلك في المشط والنشفة من آلات الحمّام: [الكامل]
إني حسدت المشط والنّشف الذي ... لهما مزايا القرب دوني مخلصه
فأنامل من ذا تباشر صدغه ... ومراشف من ذا تقبّل أخمصه «6»
نثره: وقع هنا بياض مقدار وجهة في أصل الشيخ.
مولده: ولد ببلده سبتة في عام ستة وسبعين وستمائة.
وفاته: وتوفي بتونس في الثاني عشر لشوال من عام تسعة وأربعين وسبعمائة في وقيعة الطاعون العام، بعد أن أصابته نبوة من مخدومه السلطان أبي الحسن «1» ، ثم استعتبه وتلطف له. وكانت جنازته مشهورة، ودفن بالزّلاج من جبانات خارج تونس، رحمه الله.
عبد المهيمن بن محمد الأشجعي البلّذوذي
نزيل مراكش.
حاله: من كتاب «المؤتمن» «2» ، قال: كان شاعرا مكثرا، سهل الشعر، سريعه، كثيرا ما يستجدي به، وكان يتقلّد مذهب أبي محمد علي بن حزم، الفقيه الظاهري، ويصول بلسانه على من نافره. دخل الأندلس وجال في بلادها بعد دخوله مراكش.
وكان أصله من بلّذوذ. ورد مالقة أيام قضاء أبي جعفر بن مسعدة، وأطال بها لسانه، فحمل عليه هنالك حملا أذاه، إلى أن كان مآل أمره ما أخبرني به شيوخ مالقة، وأنسيته الآن، فتوصّل إلى مآل أمره من جهة من بقي بها الآن من الشيوخ، نقلت اسمه ونسبه من خطّه.
شعره: [مجزوء الرجز]
أما على ذي شرك ... في صيدنا من درك؟
تصيدنا لواحظ ... وما لها من حرك
والبدر إن غاب فمن ... يجلو ظلام الحلك؟
قد تاب للقلب «3» فما ... يدري إن لم تدركي «4»
عدا السقام أو عدا ... وعد الذي لم يأفك
أو لم «5» يكن حلّ دمي ... فلتبطلي «6» أو أترك
حاربت من لا قدرة ... لديه في المعترك
يفلّ غرب سيفه ... سيف لحاظ فتّك
يا لفتى يا قبلتي ... يا حجّتي يا نسكي «1»
إن عظم الحزن فما ... أرجل حسن الفلك «2»
أو أهديت الحيّ ... فلابن عبد الملك «3»
خطيب ومران للّذي ... سلك على سلك «4»
ركن التّقى محمد ... ذو النّبل والطبع الزكي «5»
منفرد في جوده ... بماله المشترك
يا نوق، هذا بابه ... فهو أجلّ مبرك
وأنت يا حادية، ... قربت، ما أسعدك!
فبرّكي وكبّري ... وأبركي «6» وبرّك
فقد أتينا بشرا ... له صفات الملك
كفّك يهمي ملكت ... كأنّها لم تملك
قصيدتي لو لم تنل ... منك حلّى لم تسبك
أبكيت ديمة النّدى ... فزهرها ذو ضحك
لكنني يا سيدي ... من فاقتي في شرك
وشعره على هذه الوتيرة. حدّثني أبي، قال: رأيته رجلا طوالا، شديد الأدمة، حليق الرأس، دمينه، عاريه، كثير الاستجداء والتّهاتر مع المحابين من أدباء وقته، يناضل عن مذهب الظاهرية بجهده.
وفاته: من خط الشيخ أبي بكر بن شبرين: وفي عام سبعة وتسعين وستمائة توفي بفاس الأديب عبد المهيمن المكناسي، المكتنى بأبي الجيوش البلّذوذي، وكان ذا هذر وخرق، طوّافا على البلاد، ينظم شعرا ضعيفا يستمنح به الناس، وآلت حاله إلى أن سعي به لأبي فارس عزّوز الملزوزي الشاعر، شاعر السلطان أبي يعقوب وخديمه، وذكر له أنه هجاه، فألقى إلى السلطان ما أوجب سجنه، ثم ضربت عنقه صبرا، نفعه الله.
عبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد الملزوزي
من أهل العدوة الغربية، يكنى أبا فارس، ويعرف بعزّوز.
حاله: كان شاعرا مكثرا سيّال القريحة، منحطّ الطبقة، متجنّدا، عظيم الكفاية والجرأة، جسورا على الأمراء، علق بخدمة الملوك من آل عبد الحق وأبنائهم، ووقف أشعاره عليهم، وأكثر النظم في وقائعهم وحروبهم، وخلط المعرّب باللّسان الزناتي في مخاطباتهم، فعرف بهم، ونال عريضا من دنياهم، وجمّا من تقريبهم. واحتلّ بظاهر غرناطة في جملة السلطان أمير المسلمين أبي يعقوب، وأمير المسلمين أبيه، واستحقّ الذكر بذلك.
شعره: من ذلك أرجوزة نظمها بالخضراء في شوال سنة أربع وثمانين وستمائة، ورفعها إلى السلطان أمير المسلمين أبي يوسف بن عبد الحق، سماها ب «نظم السلوك، في الأنبياء والخلفاء والملوك» لم يقصر فيها عن إجادة.
ومن شعره، قال مخبرا عن الأمير أبي مالك عبد الواحد ابن أمير المسلمين أبي يوسف:
دعاني يوما والسما قد ارتدت بالسحائب ... والغيث يبكي بالدموع السّواكب
كأنه عاشق صدّ عنه حبيبه ... ففاضت دموعه عليه وكثر نحيبه
ولم يرق له مدمع ... كأنه لم يبق له فيه مطمع
فكان الوعد حسرته ... والبرق لو عته وزفرته
فقال لي: ما أحسن هذا اليوم ... لو كان في غير شهر الصوم
فاقترح غاية الاقتراح عليّ ... وقال: قل فيه شعرا بين يديّ
فأنشدته هذه الأبيات: [الكامل]
اليوم يوم نزهة وعقار ... وتقرّب الآمال والأوطار
أو ما ترى شمس النهار قد اختفت ... وتستّرت عن أعين النظّار
والغيث سحّ غمامه فكأنّه ... دنف بكى من شدّة التذكار
والبرق لاح من السماء كأنه ... سيف تألّق في سماء غبار
لا شيء أحسن فيه من نيل المنى ... بمدامة «1» تبدو كشعلة نار
لولا صيام عاقني عن شربها ... لخلعت في هذا النهار عذاري «1»
لو كان يمكن أن يعار أعرته ... وأصوم شهرا في مكان نهار
لكن تركت سروره ومدامه ... حتى أكون لديه ذا أفكار
ونديرها في الكأس بين نواهد ... تجلو الهموم بنغمة الأوتار
فجفونها تغنيك عن أكواسها ... وخدودها تغنيك عن أزهار
فشكره لمّا سمعه غاية الشكر، وقال: أسكرتنا بشعرك من غير سكر. قال:
وأتيته بهذه الأبيات: [الكامل]
أعلمت بعدك زفرتي وأنيني ... وصبابتي يوم النّوى وشجوني «2» ؟
أودعت إذ ودّعت وجدا في الحشا ... ما إن تزال سهامه تصميني «3»
ورقيب شوقك حاضر مترقّب ... إن رمت صبرا بالأسى يغريني
من بعد بعدك ما ركنت لراحة ... يوما ولا غاضت عليك شؤوني
قد كنت أبكي الدمع أبيض ناصعا ... فاليوم تبكي بالدّماء جفوني
قل للذين قد ادّعوا فرط الهوى ... إن شئتم علم الهوى فسلوني
إنّي أخذت كثيره عن عروة ... ورويت سائره عن المجنون
هذي روايتنا عن اشياخ «4» الهوى ... فإن ادّعيتم غيرها فأروني
يا ساكني أكناف رملة عالج ... ظفرت بظبيكم الغرير يميني
كم بات في جنح الظلام معانقي ... ومجنت في صفر «5» إلى مجنون
في روضة نمّ النسيم بعرفها ... وكذاك عرف الرّوض غير مصون
والورق «6» من فوق الغصون ترنّمت ... فتريك بالألحان أيّ فنون
تصغي الغصون لما تقول فتنثني ... طربا لها فاعجب لميل غصون
والأرض قد لبست غلائل سندس ... قد كلّلت باللؤلؤ المكنون
تاهت على زهر السماء بزهرها ... وعلى البدور بوجهها الميمون
قال أبو فارس: وكان أمير المسلمين أبو يوسف سار إلى مدينة سلا، فبويع بها ولده أبو يعقوب، وذلك في اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام أحد وسبعين وستمائة، يوم مولد النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنشدته يوم بيعته هذه القصيدة ورفعتها إليه:
[الكامل]
يا ظبية الوعساء، قد برح الخفا ... إنّي صبرت على غرامك ما كفى
كم قد عصيت على هواك عواذلي ... وأناب بالتّبعيد منك وبالجفا
حمّلتني ما لا أطيق من الهوى ... وسقيتني من غنج لحظك قرقفا «1»
وكسوتني ثوب النحول فمنظري ... للناظرين عن البيان قد اختفى
هذا قتيلك فارحميه فإنه ... قد صار من فرط النحول على شفا
لهفي على زمن تقضّى بالحمى ... وعلى محلّ بالأجيرع قد عفا
أترى يعود الشّمل كيف عهدته ... ويصير بعد فراقه متألّقا؟
لله درّك يا سلا من بلدة ... من لم يعاين مثل حسنك ما اشتفا
قد حزت برّا ثم بحرا طاميا ... وبذاك زدت ملاحة وتزخرفا
فإذا رأيت بها القطائع خلتها ... طيرا يحوم على الورود مرفرفا
والجاذفين على الرّكيم كأنهم ... قوم قد اتخذوا إماما مسرفا
جعل الصّلاة لهم ركوعا كلها ... وأتى ليشرع في السجود مخفّفا
والموج يأتي كالجبال عبابه ... فتظنّه فوق المنازل مشرفا
حتى إذا ما الموج أبصر حدّه ... غضّ العنان عن السّرى وتوقّفا
فكأنّه جيش تعاظم كثرة ... قد جاء مزدحما يبايع يوسفا
ملك به ترضى الخلافة والعلا ... وبه تجدّد في الرّئاسة ما عفا
من لم يزل يسبي الفوارس في الوغى ... إن سلّ في يوم الكريهة مرهفا
ألفت محبّته القلوب لأنه ... ملك لنا بالجود أضحى متحفا
ألقى إليه الأمر والده الذي ... عن كل خطب في الورى ما استنكفا
يعقوب الملك الهمام المجتبى ... الماجد الأوفى الرحيم الأرأفا
يهواه من دون البنين كأنما ... يعقوب يعقوب ويوسف يوسفا