بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 96

الفارسي، وكتاب سيبويه. وسمع جمل الزجّاجي، وغير ذلك من كتب العربية، ممن كان يقرأ في المجلس، وقرأ عليه طائفة كبيرة من تذكرة الفارسي مما يتعلّق بمسائل الكتاب، بعد أن جرّدها من التذكرة. وبلغ الغاية في الفن النحوي، وفاق أصحاب أبي علي بأسرهم.
وفاته: توفي، رحمه الله، في شهر ربيع الآخر «1» من سنة ثمانين وستمائة، وقد قارب التسعين «2» . [قلت: العجب من الشيخ الخطيب، رحمه الله، كيف لا يذكر للمترجم به، رحمه الله، شرحه لجمل الزجّاجي، بل شرحه الصغير والكبير؟ ولم يكن اليوم على الزجّاجي أجدى منها، ولا أنفع، ولا أقلّ فضولا، ولا أفصح عبارة، ولا أوجز خطابة، ولا أجمل إنصافا، ولا أجود نظرا «3» ] .
الكتاب والشعراء وأولا الأصليون منهم
علي بن محمد بن عبد الحق بن الصباغ العقيلي «4»
يكنى أبا الحسن، من أهل غرناطة.
حاله: صاحبنا أبو الحسن، من «5» أهل الفضل والسّراوة والرّجولة والجزالة. فذ في الكفاية، ظاهر السذاجة والسلامة، مصعب لأضداده، شديد العصبة «6» لأولي ودّه، في أخلاقه حدّة، وفي لسانه نبالة، أخلّا به، مشتمل على خلال من خطّ بارع، وكتابة حسنة، وشعر جيد، ومشاركة في فقه وأدب ووثيقة، ومحاضرة ممتعة. ناب عن بعض القضاة، وكتب الشروط، وارتسم في ديوان الجند، وكتب عن شيخ الغزاة أبي زكريا يحيى «7» بن عمر على عهده. ثم انصرف إلى العدوة سابع عشر جمادى الأولى من عام ثلاثة «8» وخمسين وسبعمائة، فارتسم في الكتابة السلطانية منوّها به، مستعملا في خدم مجدية، بان غناؤه فيها، وظهرت كفايته.


صفحه 97

وجرى ذكره في كتاب التّاج بما نصّه «1» : اللّسن العارف، والنّاقد «2» الجواهر المعاني كما يفعل بالسّكة الصّيارف، الأديب المجيد، الذي تحلّى به للعصر «3» النّحر والجيد، إن أجال جياد براعته فضح فرسان المهارق، وأخجل بين بياض طرسه وسواد نقسه «4» الطّرر تحت المفارق. وإن جلا أبكار أفكاره، وأثار طير البيان «5» من أوكاره، وسلب الرّحيق المفدّم «6» فضل أبكاره «7» ، إلى نفس لا يفارقها ظرف، وهمّة لا يرتدّ إليها طرف، وإباية «8» لا يفلّ لها غرب ولا حرف. وله أدب غضّ، زهره عن «9» مجتنيه مرفضّ «10» . كتبت إليه أنتجز «11» وعده في الالتحاف «12» برائقه، والإمتاع بزهر هواتفه «13» ، وهو قولي «14» : [الكامل]
عندي لموعدك افتقار محوج «15» ... وعهودك افتقرت إلى إنجازها
والله يعلم فيك صدق مودّتي ... وحقيقة الأشياء غير مجازها
فأجابني بقوله: [الكامل]
يا مهدي الدّرّ الثمين منظّما ... كلما حلال السّحر في إيجازها
أدركت حلبات الأوائل وانيا ... ورددت أولاها على أعجازها
أحرزت في المضمار خصل سباقها ... ولأنت أسبقهم إلى إحرازها
حلّيت بالسّمطين مني عاطلا ... وبعثت من فكري متات 1» مفازها
فلأنجزنّ مواعدي مستعطفا ... فاسمح وبالإغضاء منك مجازها
ومن مقطوعاته قوله «17» : [المديد]
ليت شعري والهوى أمل ... وأماني الصّبّ لا تقف


صفحه 98

هل لذاك الوصل مرتجع ... أو لهذا الهجر «1» منصرف؟
ومن ذلك: [الطويل]
وظبي سبى «2» بالطّرف والعطف والجيد «3» ... وما حاز من غنج ولين ومن غيد
أتيت «4» إليه بالدّنوّ مداعبا ... فقال: أيدنو الظّبي من غابة الأسد؟
وقال من مبدإ قصيدة مطولة فيما يظهر منها «5» : [الطويل]
حديث المغاني بعدهنّ شجون ... وأوجه أيام التباعد جون «6»
لحا الله أيام الفراق فكم شجت ... وغادرت الجذلان وهو حزين
وحيّا ديارا في ربى أغرناطة ... وإنّي بذاك القرب فيه «7» ضنين
ليالي أنفقت الشباب مطاوعا ... وعمري لدى البيض الحسان ثمين «8»
فأرخصت «9» فيها من شبابي ما غلا ... وغرمي «10» على مال العفاف أمين
خليليّ، لا أمر، بأربعها قفا ... فعندي إلى تلك الرّبوع حنين
ألم ترياني كلّما ذرّ شارق ... تضاعف عندي عبرة وأنين؟
إذا لم يساعدني أخ منكما فلا ... حدت نحو «11» قرن بعد ذاك أمون
أليس عجيبا في البريّة من لنا ... إلى عهد إخوان الزمان «12» ركون؟
فلا تثقن من ذي «13» وفاء بعهده ... فقد أجن السّلسال وهو معين
لقلبي «14» عذر في فراق ضلوعه ... وللدمع في ترك الشؤون شؤون
ومن ترك الحزم المعين فإنه ... لعان بأيدي الحادثات رهين
رعى الله أيامي الوثيق ذمامها ... فإنّ مكاني في الوفاء مكين


صفحه 99

ولم أر مثل الدهر أمّا عدوّه ... فخبّ وأمّا خلّه فخؤون
ولولا أبو عمرو وجود يمينه «1» ... لما كان في عهد الزمان معين
ومن شعره قوله «2» : [الكامل]
زار الخيال ويا لها من لذّة ... لكنّ لذّات «3» الخيال منام
ما زلت ألثم مبسما منظومه ... درّ «4» ومورده الشّهيّ مدام
وأضمّ غصن البان من أعطافه ... فأشمّ «5» مسكا فضّ عنه ختام
مولده: عام ستة وسبعمائة.
وفاته: وتوفي بمدينة فاس، وقد تخلّفه السلطان كاتب ولده، عند وجهته إلى إفريقية، في شوال عام ثمانية وخمسين وسبعمائة، فتوفي في العشرين لرمضان منه.
علي بن محمد بن سليمان بن علي بن سليمان ابن حسن الأنصاري «6»
من أهل غرناطة، يكنى أبا الحسن، ويعرف بابن الجيّاب، شيخنا ورئيسنا العلّامة البليغ.
حاله: من عائد الصّلة: كان، رحمه الله، على ما كان عليه من التفنّن، والإمامة في البلاغة، والأخذ بأطراف الطلب، والاستيلاء على غاية الأدب، صاحب مجاهدة، وملازمة عبادة، على طريقة مثلى من الانقباض والنزاهة، وإيثار التقشف، محبّا في أهل الخير والصلاح، منحاشا إليهم، منافرا عن أضدادهم، شيخ طلبة الأندلس، رواية وتحقيقا، ومشاركة في كثير العلوم، قائما على العربية واللغة، إماما في الفرائض والحساب، عارفا بالقراءات والحديث، متبحرا في الأدب والتاريخ، مشاركا في علم التصوّف، فذّا في المسائل الأدبية البيانية، حامل راية المنظوم والمنثور، والإكثار من ذلك، والاقتدار عليه، جلدا على الخدمة، مغتبطا بالولاية، محافظا على الرّتبة، مراقبا


صفحه 100

لو ظائف الأبواب السلطانية، متوقد الذهن، ذلق الجوانب، مشغوفا بالأنس والمفاوضة في الأدب، محسنا للنادرة الظريفة، مليح الدّعابة، غزير الحفظ، غيورا على الخطّة، كثير النشاط إلى المذاكرة، مع استغراق الكلف، وعلو السن. طال به المرض حتى أذهب جواهر بدنه، وعلى ذلك فما اختلّ تميّزه، ولا تغيّر إدراكه.
بعثت إليه باكور رمّان، فقال لي من الغد، نعم بالهدنة زمانك، يعني نعمت الهدية رمّانك. فعجب الناس من اجتماع نفسه، وحضور فكره. وهو شيخي الذي نشأت بين يديه وتأدبت به، وورثت خطّته عن رضى منه. كتب عن الدول النصرية نحوا من خمسين سنة أو ما ينيف عليها، متين الجاه، رفيع المكانة، بعيد الصيت، وسفر إلى الملوك، واشتهر بالخير، والحمل على أهل الظلم، وجرى ذكره في التاج بما نصّه «1» :
صدر الصّدور الجلّة، وعلم أعلام هذه الملّة، وشيخ الكتابة وبانيها «2» ، وهاصر أفنان البدائع وجانيها، اعتمدته الرياسة، فناء «3» بها على حبل ذراعه، واستعانت به السياسة، فدارت أفلاكها على قطب من شباة يراعه «4» ، فتفيّأ للعناية ظلّا ظليلا، وتعاقبت «5» الدول فلم تر به بديلا، من ندب على علوّه متواضع، وحبر لثدي المعارف راضع، لا تمرّ «6» مذاكرة في فنّ إلّا وله فيه التّبريز، ولا تعرض جواهر الكلام على محاكاة «7» الأفهام إلّا وكلامه الإبريز، حتى أصبح الدهر راويا لإحسانه، وناطقا بلسانه، وغرّب ذكره وشرّق، فأشام «8» وأعرق، وتجاوز البحر الأخضر والخليج الأزرق، إلى نفس هذّبت الآداب شمائلها، وجادت الرياض خمائلها، ومراقبة لربّه، واستباق لروح الله من مهبّه، ودين لا يعجم عوده، ولا تخلف وعوده. وكلّ ما ظهر علينا- معشر «9» بنيه- من شارة تجلى «10» بها العين،


صفحه 101

أو إشارة كما سبك»
اللّجين، فهي إليه منسوبة، وفي حسناته محسوبة، فإنما هي أنفس راضها بآدابه، وأعلقها بأهدابه، وهذّب طباعها، كالشمس تلقي على النجوم شعاعها، والصور الجميلة تترك في الأجسام الصقيلة انطباعها، وما عسى أن أقول «2» في إمام الأئمة، ونور الدياجي المدلهمّة، والمثل السائر في بعد الصيت وعلوّ الهمّة.
مشيخته: نقلت من خطه، في بعض ما كتب به إلى من الأشياخ الذين لقيتهم وأجازوني عامة؛ الشيخ الفقيه الخطيب الصالح الصوفي المحقق صاحب الكرامات والمقامات، نسيج وحده، أبو الحسن فضل بن محمد بن علي ابن فضيلة المعافري، قرأت عليه كذا. ومنهم الشيخ الفقيه الأستاذ العالم العلم الكبير، خاتمة المسندين بالمغرب، أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي، نشأت بين يديه، وقرأت عليه كثيرا وسمعت، وأجازني. ومنهم الشيخ الفقيه الخطيب الأستاذ أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد الخشني البلّوطي، قرأت عليه القرآن العزيز بالقراءات السبع وغير ذلك. ومنهم الشيخ الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن عياش الخزرجي القرطبي، لقيته بمالقة. ومنهم الشيخ أبو محمد عبد الله بن علي الغساني السعدي الخطيب الصالح، قرأت عليه وسمعت. ومنهم الشيخ العدل أبو الحسن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن مستقور الطائي. ومنهم قاضي الجماعة الشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد العنسي. ومنهم الشيخ الفقيه الخطيب المحدّث الإمام أبو عبد الله محمد بن عمر بن رشيد. ومنهم الشيخ الخطيب أبو جعفر أحمد بن علي الأنصاري الكحيلي. ومنهم الشيخ الخطيب الأستاذ الصالح أبو محمد عبد الواحد بن محمد بن أبي السّداد الأموي الباهلي. ومنهم الشيخ الوزير الحسيب أبو عبد الله محمد بن يحيى بن ربيع الأشعري، والشيخ الخطيب الأستاذ النظار أبو القاسم بن الشّاط، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن مالك بن المرحّل، والشيخ المبارك أبو محمد عبد المولى بن عبد المولى الخولاني. هؤلاء كلهم لقيتهم، وأجازوني إجازة عامة، وأما من أجازني ولم ألقه، فعالم كثير من أهل المغرب والمشرق، منهم أبو العباس بن الغمّاز، قاضي الجماعة بتونس، وأبو عبد الله بن صالح الكناني، خطيب بجاية، والشريف أبو علي الحسن بن طاهر بن أبي الشرف بن رفيع الحسني، وأبو فارس عبد العزيز الهواري، وأبو محمد بن هارون القرطبي، وأبو علي ناصر الدين المشدالي، وغيرهم.


صفحه 102

شعره: وشعره كثير مدوّن، جمعته ودونته، يشتمل على الأغراض المتعددة من المعشّرات النبويّات، والقصائد السلطانيات، والإخوانيات، والمقطوعات الأدبيات، والألغاز والأحجيات.
فمن ذلك من المعشّرات في حرف الجيم على وجه التبرك «1» : [الطويل]
جريئا على الزلّات غير مفكّر ... جبانا على الطاعات غير معرّج
جمعت لما يفنى اغترارا بجمعه ... وضيّعت ما يبقى سجيّة أهوج
جنونا بدار لا يدوم سرورها ... فدعها سدى ليست بعشّك فادرج «2»
جيادك في شأو الضلال سوابق ... تفوت مدّى بين «3» الوجيه وأعوج «4»
جهلت سبيل الرشد فاقصد دليله ... تجد دار سعد بابها غير مرتج
جناب رسول ساد أولاد آدم ... وقرّب في السّبع الطّباق بمعرج
جمال أنار الأرض شرقا ومغربا ... فكلّ سنى من نوره المتبلّج
جلا صدأ المرتاب أن سبّح الحصا ... لديه بنطق ليس بالمتلجلج
جعلت امتداحي والصلاة عليه لي ... وسائل تحظيني بما أنا أرتج «5»
ومن الأغراض الصوفية السلطانية قوله «6» : [الكامل]
هات اسقني صرفا بغير مزاج ... واحي «7» التي هي راحتي وعلاجي
إن صبّ منها في الزجاجة قطرة ... شفّ الزجاج عن السّنى الوهّاج
فإذا «8» الخليع أصاب منها شربة ... حاجاه بالسّرّ المصون محاجي
وإذا المريد أصاب منها جرعة ... ناجاه بالحقّ المبين مناج
تاهت به في مهمه لا يهتدى ... فيه لتأديب «9» ولا إدلاج
يرتاح من طرب بها فكأنها «10» ... غنّته بالأرمال والأهزاج


صفحه 103

هبّت عليه نفحة قدسيّة ... في فتح «1» باب دائم الإرتاج
فإذا انتشى يوما وفيه بقيّة ... سارت به قصدا على المنهاج
وإذا تمكّن منه سكر معربد ... فليبصرنّ «2» لمصرع الحلّاج
قصرت عبارة فيه عن وجدانه ... فغدا يفيض بمنطق لجلاج
أعشاه نور للحقيقة باهر ... فتراه يهبط «3» في الظلام الدّاجي
رام الصعود بها لمركز أصله ... فرمت به في بحرها الموّاج
فلئن أمدّ برحمة وسعادة ... فليخلصن من بعد طول هياج
وليرجعنّ بغنيمة موفورة ... ما شيب عذب شرابها بأجاج «4»
ولئن تخطّاه القبول لما جنى ... فليرجعن نكسا على الأدراج
ما أنت إلّا درّة مكنونة ... قد أودعت في نطفة أمشاج «5»
فاجهد على تخليصها من طبعها ... تعرّج بها في أرفع المعراج
واشدد يديك معا على حبل التّقى ... فإن اعتصمت به فأنت النّاجي
ولدى العزيز ابسط بساط تذلّل ... وإلى الغنيّ امدد يد المحتاج
هذا الطريق له مقدّمتان صا ... دقتان أنتجتا أصحّ نتاج
فاجمع إلى ترك الهوى حمل الأذى ... واقنع من الإسهاب بالإدماج
حرفان قد جمعا الذي قد سطروا ... من بسط أقوال وطول حجاج
والمشرب الأصفى الذي من ذاقه ... فقد اهتدى منه بنور سراج
ألا ترى إلّا الحقيقة وحدها ... والكلّ مضطرّ إليها لاجي
هذي بدائع حكمة أنشأتها ... بإشارة المولى أبي الحجّاج
وسع الأنام بفضله وبعدله ... وبحلمه وبجوده الثّجّاج
من آل نصر نخبة الملك الرّضا ... أمن المروّع هم وغيث اللّاجي «6»
من آل قيلة ناصري خير الورى ... والخلق بين تخاذل ولجاج «7»