اخْتِلَاف الْمعَانِي تبعا لاخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِي الأحرف السَّبْعَة
48 - وَأما على كم معنى يشْتَمل اخْتِلَاف هَذِه السَّبْعَة أحرف فَإِنَّهُ يشْتَمل على ثَلَاثَة معَان يُحِيط بهَا كلهَا
أَحدهَا اخْتِلَاف اللَّفْظ وَالْمعْنَى الْوَاحِد
وَالثَّانِي اخْتِلَاف اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا مَعَ جَوَاز أَن يجتمعا فِي شَيْء وَاحِد لعدم تضَاد اجْتِمَاعهمَا فِيهِ
وَالثَّالِث اخْتِلَاف اللَّفْظ وَالْمعْنَى مَعَ امْتنَاع جَوَاز أَن يجتمعا فِي شَيْء وَاحِد لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاعهمَا فِيهِ وَنحن نبين ذَلِك إِن شَاءَ الله
49 - فَأَما اخْتِلَاف اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَاحِد فنحو قَوْله / السراط / بِالسِّين و {الصِّرَاط} بالصَّاد و / الزراط / بالزاي و {عَلَيْهِم} و {إِلَيْهِم} و {لديهم} بِضَم الْهَاء مَعَ إسكان الْمِيم وبكسر الْهَاء مَعَ ضم الْمِيم وإسكانها و {فِيهِ هدى} و {عَلَيْهِ كنز} و / مِنْهُ ءايت / و {عَنهُ مَاله} بصلَة الْهَاء وَبِغير صلتها و {يؤده إِلَيْك} و {نؤته مِنْهَا}
و {فألقه إِلَيْهِم} بِإِسْكَان الْهَاء وبكسرها مَعَ صلتها واختلاسها و {أكلهَا} و {فِي الْأكل} بِإِسْكَان الْكَاف وَبِضَمِّهَا و {إِلَى ميسرَة} بِضَم السِّين وَبِفَتْحِهَا و {يعرشون} بِكَسْر الرَّاء وَبِضَمِّهَا وَكَذَلِكَ مَا أشبهه وَنَحْو ذَلِك الْبَيَان والإدغام وَالْمدّ وَالْقصر وَالْفَتْح والإمالة وَتَحْقِيق الْهَمْز وتخفيفه وَشبهه مِمَّا يُطلق عَلَيْهِ أَنه لُغَات فَقَط
50 - وَأما اخْتِلَاف اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا مَعَ جَوَاز اجْتِمَاع الْقِرَاءَتَيْن فِي شَيْء وَاحِد من أجل عدم تضَاد اجْتِمَاعهمَا فِيهِ فنحو قَوْله تَعَالَى / ملك يَوْم الدّين / بِأَلف و {ملك} بِغَيْر ألف لِأَن المُرَاد بِهَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْن جَمِيعًا هُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَذَلِكَ أَنه تَعَالَى مَالك يَوْم الدّين وَملكه فقد اجْتمع لَهُ الوصفان جَمِيعًا فَأخْبر تَعَالَى بذلك فِي الْقِرَاءَتَيْن
51 - وَكَذَا {بِمَا كَانُوا يكذبُون} بتَخْفِيف الذَّال وبتشديدها لِأَن المُرَاد بِهَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْن جَمِيعًا هم المُنَافِقُونَ وَذَلِكَ أَنهم كَانُوا يكذبُون فِي
إخبارهم ويكذبون النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِيمَا جَاءَ بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى فالأمران جَمِيعًا مجتمعان لَهُم فَأخْبر الله تَعَالَى بذلك عَنْهُم وَأَعْلَمنَا أَنه معذبهم بهما
52 - وَكَذَا قَوْله تَعَالَى / كَيفَ ننشرها / بالراء وبالزاي لِأَن المُرَاد بِهَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْن جَمِيعًا هِيَ الْعِظَام وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أنشرها أَي أَحْيَاهَا وأنشزها أَي رفع بَعْضهَا إِلَى بعض حَتَّى التأمت فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه جمع لَهَا هذَيْن الْأَمريْنِ من إحيائها بعد الْمَمَات وَرفع بَعْضهَا إِلَى بعض لتلتئم فضمن تَعَالَى الْمَعْنيين فِي الْقِرَاءَتَيْن تَنْبِيها على عَظِيم قدرته
53 - وَكَذَا قَوْله {وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى} بِكَسْر الْخَاء على الْأَمر وَبِفَتْحِهَا على الْخَبَر لِأَن المُرَاد بالقراءتين جَمِيعًا هم الْمُسلمُونَ وَذَلِكَ أَن الله تَعَالَى أَمرهم باتخاذهم مقَام إِبْرَاهِيم مصلى فَلَمَّا امتثلوا ذَلِك وفعلوه أخبر بِهِ عَنْهُم فَجَاءَت الْقِرَاءَة بالأمرين جَمِيعًا للدلالة على اجْتِمَاعهمَا لَهُم فهما صَحِيحَانِ غير متضادين وَلَا متنافيين
54 - وَكَذَا قَوْله / وَمَا هُوَ على الْغَيْب بظنين / بالظاء و {بضنين} بالضاد لِأَن المُرَاد بِهَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْن جَمِيعًا هُوَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذَلِكَ أَنه كَانَ غير ظنين على الْغَيْب أَي غير مُتَّهم فِيمَا أخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى وَغير ضنين بِهِ أَي غير بخيل بتعليم مَا علمه الله وأنزله إِلَيْهِ فقد انْتَفَى عَنهُ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا فَأخْبر الله تَعَالَى عَنهُ بهما فِي الْقِرَاءَتَيْن وَكَذَا مَا أشبهه
55 - وَأما اخْتِلَاف اللَّفْظ وَالْمعْنَى جَمِيعًا مَعَ امْتنَاع جَوَاز اجْتِمَاعهمَا فِي شَيْء وَاحِد لِاسْتِحَالَة اجْتِمَاعهمَا فِيهِ فكقراءة من قَرَأَ {وظنوا أَنهم قد كذبُوا} بِالتَّشْدِيدِ لِأَن الْمَعْنى وتيقن الرُّسُل أَن قَومهمْ قد كذبوهم وَقِرَاءَة من قَرَأَ {قد كذبُوا} بِالتَّخْفِيفِ لِأَن الْمَعْنى وتوهم الْمُرْسل إِلَيْهِم أَن الرُّسُل قد كذبوهم فِيمَا أخبروهم بِهِ من أَنهم إِن لم يُؤمنُوا بهم نزل الْعَذَاب بهم فالظن فِي الْقِرَاءَة الأولى يَقِين وَالضَّمِير الأول للرسل وَالثَّانِي للمرسل إِلَيْهِم وَالظَّن فِي الْقِرَاءَة الثَّانِيَة شكّ وَالضَّمِير الأول للمرسل إِلَيْهِم وَالثَّانِي للرسل
56 - وَكَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ / لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السموت وَالْأَرْض بصائر / بِضَم التَّاء وَذَلِكَ أَنه أسْند هَذَا الْعلم إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حَدِيثا مِنْهُ لفرعون حَيْثُ قَالَ {إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون} فَقَالَ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عِنْد ذَلِك {لقد علمت مَا أنزل هَؤُلَاءِ إِلَّا رب السَّمَاوَات وَالْأَرْض بصائر} فَأخْبر عَلَيْهِ السَّلَام عَن نَفسه بِالْعلمِ بذلك أَي لَيْسَ بمجنون وَقِرَاءَة من قَرَأَ {لقد علمت} بِفَتْح التَّاء وَذَلِكَ أَنه أسْند هَذَا الْعلم إِلَى فِرْعَوْن مُخَاطبَة من مُوسَى لَهُ بذلك على وَجه التقريع والتوبيخ لَهُ على شدَّة معاندته للحق وجحوده لَهُ بعد علمه وَلذَلِك
أخبر تبَارك وَتَعَالَى عَنهُ وَعَن قومه فَقَالَ {فَلَمَّا جَاءَتْهُم آيَاتنَا مبصرة قَالُوا هَذَا سحر مُبين وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} الْآيَة
57 - وَكَذَلِكَ مَا ورد من هَذَا النَّوْع من اخْتِلَاف الْقِرَاءَتَيْن الَّتِي لَا يَصح أَن يجتمعا فِي شَيْء وَاحِد هَذِه سَبيله لِأَن كل قِرَاءَة مِنْهُمَا بمنزل آيَة قَائِمَة بِنَفسِهَا لَا يَصح أَن تَجْتَمِع مَعَ آيَة أُخْرَى تخالفها فِي شَيْء وَاحِد لتضادهما وتنافيهما
الأحرف السَّبْعَة لَا تجمعها رِوَايَة وَلَا قِرَاءَة وَاحِدَة
58 - وَأما هَذِه السَّبْعَة الأحرف فَإِنَّهَا لَيست مُتَفَرِّقَة فِي الْقُرْآن كلهَا وَلَا مَوْجُودَة فِيهِ فِي ختمة وَاحِدَة بل بَعْضهَا فَإِذا قَرَأَ الْقَارئ بِقِرَاءَة من قراءات الْأَئِمَّة وبرواية من رواياتهم فَإِنَّمَا قَرَأَ بِبَعْضِهَا لَا بكلها وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنا قد أوضحنا قبل أَن المُرَاد بالسبعة الأحرف سَبْعَة أوجه من اللُّغَات كنحو اخْتِلَاف الْإِعْرَاب والحركات والسكون والإظهار والإدغام وَالْمدّ وَالْقصر وَالْفَتْح والإمالة وَالزِّيَادَة للحرف ونقصانه والتقديم وَالتَّأْخِير وَغير ذَلِك مِمَّا شرحناه ممثلا قبل وَإِذا كَانَ هَذَا هَكَذَا فمعلوم أَن من قَرَأَ بِوَجْه من هَذِه الْأَوْجه وَقِرَاءَة من الْقرَاءَات وَرِوَايَة من الرِّوَايَات أَنه لَا يُمكنهُ أَن يُحَرك الْحَرْف ويسكنه فِي حَالَة وَاحِدَة أَو يقدمهُ ويؤخره أَو يظهره ويدغمه أَو يمده ويقصره أَو يَفْتَحهُ ويميله إِلَى مَا أشبه هَذَا من اخْتِلَاف تِلْكَ الْأَوْجه والقراءات وَالرِّوَايَات فِي حَالَة وَاحِدَة فَدلَّ على صِحَة مَا قُلْنَاهُ
الأحرف السَّبْعَة كلهَا صَوَاب
59 - وَهَذِه الْقرَاءَات كلهَا وَالْأَوْجه بأسرها من اللُّغَات هِيَ الَّتِي أنزل الْقُرْآن عَلَيْهَا وَقَرَأَ بهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وأقرا بهَا وأباح الله تَعَالَى لنَبيه الْقِرَاءَة بجميعها وَصوب الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَرَأَ بِبَعْضِهَا دون بعض كَمَا تقدم فِي حَدِيث عمر رَضِي الله عَنهُ وَفِي حَدِيث أبي بن كَعْب وَعَمْرو بن الْعَاصِ وَغَيرهم
60 - وكما حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الْفَرَائِضِي قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عمر قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا أَبُو الْوَلِيد قَالَ حَدثنَا شُعْبَة قَالَ أَخْبرنِي عبد الْملك بن ميسرَة قَالَ سَمِعت النزال بن سُبْرَة قَالَ سَمِعت عبد الله قَالَ سَمِعت رجلا قَرَأَ آيَة سَمِعت من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خلَافهَا فَأخذت بِيَدِهِ فَأتيت بِهِ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ كلاكما محسن
61 - وَحدثنَا الخاقاني قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا عَليّ قَالَ حَدثنَا الْقَاسِم قَالَ حَدثنَا حجاج عَن شُعْبَة عَن عبد الْملك بن ميسرَة عَن النزال بن سُبْرَة عَن ابْن مَسْعُود قَالَ سَمِعت رجلا يقْرَأ آيَة وَسمعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خلَافهَا فَأتيت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَذكرت ذَلِك لَهُ فَعرفت فِي وَجهه الْغَضَب ثمَّ قَالَ كلاكما محسن إِن من قبلكُمْ اخْتلفُوا فأهلكهم ذَلِك
62 - وَحدثنَا طَاهِر بن غلبون قَالَ حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا