البحث الرابع [ «في: تفسير الاجتهاد»]
المجتهد: إذا أدّاه اجتهاده إلى حكم، ثم تغيّر اجتهاده، وجب الرجوع إلى الاجتهاد الثاني.
و يجب على المستفتى العمل بما أدّاه اجتهاده ثانيا.
و إذا أفتى غيره عن اجتهاد، ثم سئل ثانيا عن تلك الحادثة، فله الفتوى بالأول، إن كان ذاكرا للاجتهاد الأول.
و إن كان ناسيا، لزم الاجتهاد ثانيا على إشكال، منشأه غلبة الظن، بأنّ الطريق الّذي أفتى به، صالح لذلك الحكم.
البحث الخامس [ «في: جواز التقليد»]
المسألة: إما أن تكون من باب الأصول أو من باب الفروع فالأوّل: لا يجوز التقليد فيه إجماعا، إذ يلزم من تقليد من اتّفق، اعتقاد النقيضين، أو الترجيح من غير مرجّح، فلا بدّ
من تقليد المصيب، و هو يستلزم النّظر، فيدور [1].
و لأنّ النبي(صلى الله عليه و آله)كان مأمورا بالعلم فيه، لقوله تعالى«فَاعْلَمْ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ»، فيكون واجبا علينا، لقوله تعالى«فَاتَّبِعُوهُ»*.
و الثاني: يجوز التقليد فيه، خلافا المعتزلة بغداد.
و قال الجبائي: يجوز في الاجتهاديّة.
لنا: عدم إنكار العلماء في جميع الأوقات على الاستفتاء.
و لأنّ ذلك حرج و مشقّة، إذ تكليف العوام للاجتهاد في المسائل يقتضي اختلال نظام العالم، و اشتغال كل واحد منهم بالنظر في المسائل عن أمور معاشه.
و لقوله تعالى«فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ»[9- 123]، أوجب النفور على بعض الفرقة، و لو كان الاجتهاد واجبا على الأعيان، لأوجب على كل فرقة النفور.
البحث السادس في: شرائط الاستفتاء
الاتّفاق: على أنّه لا يجوز أن يستفتي، إلاّ من غلب على
[1] وجه الدور: معرفة كون المجتهد مصيبا في رأيه، تتوقّف على علمه بالأصول، و المفروض: أنّ علمه بالأصول، متوقّف على تقليد المجتهد
ظنه، أنّه من أهل الاجتهاد و الورع، بأن يراه منتصبا للفتوى بمشهد من الخلق.
و على أنّه، لا يجوز أن يسأل من يظنه غير عالم و لا متديّن.
و يجب عليه: الاجتهاد في معرفة الأعلم و الأورع، فإن استويا، تخيّر في استفتاء من شاء منهما، و إن ترجّح أحدهما من كلّ وجه، تعيّن العمل بالراجح، و إن ترجّح كلّ منهما على صاحبه بصفة [1]، فالأقوى الأخذ بقول أعلم [2].
البحث السابع [ «في: إفتاء غير المجتهد»]
إذا أفتى غير المجتهد، بما يحكيه عن المجتهد، فإن كان يحكي عن ميت، لم يجز الأخذ بقوله، إذ لا قول للميت، فإنّ الإجماع [3]، لا ينعقد مع خلافه حيا، و ينعقد بعد موته.
[1] كما إذا ترجّح أحدهما بالورع، و الآخر بالعلم.
[2] هكذا في المخطوطة، و إن كان السياق أفضله- كما يبدو-، «الأخذ بقول الأعلم».
[3] دليل على أنّه لا قول للميّت.
توضيح ذلك: يشترط في انعقاد الإجماع، أن لا يكون أحد مخالفا له، و هذا يدلّ على اعتبار قوله، حيث يمنع من انعقاد الإجماع
و إن كان يحكي عن حيّ مجتهد: فإن سمعه مشافهة، فالأقرب جواز العمل به، و إن وجده مكتوبا- و كان موثوقا به- فالأقرب جواز العمل به أيضا، و إلاّ فلا.
البحث الثامن [ «في: من لم يبلغ الاجتهاد»]
العالم الّذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد، إذا وقعت له واقعة، فالأقرب جواز الاستفتاء.
و المجتهد الّذي لم يغلب على ظنّه حكم، فقال محمد بن الحسن [1]: يجوز للعالم تقليد الأعلم.
و قيل يجوز فيما يخصّه، إذا كان بحيث لو اشتغل بالاجتهاد فاته الوقت، و هو جيد، لأنه مأمور بالاجتهاد، و لم يأت
على خلافه.
هذا، بالنسبة للحيّ، و أمّا الميّت فلا يضرّ قوله بالإجماع، لو كان قوله مخالفا للإجماع، و هذا يدلّ على عدم اعتبار قوله، إذ لو لم يكن كذلك، لكان خلافه مضرّا بالإجماع.
[1] محمد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ، مفسّر، نعته السبكي بفقيه الشيعة و مصنفهم. انتقل من خراسان إلى بغداد سنة 408 ه، و أقام أربعين سنة، و رحل إلى الغريّ «بالنجف» فاستقرّ إلى أن توفّي عام 460 ه.
من تصانيفه: العدّة في الأصول. «الأعلام: 6- 315 بتصرف و اختصار»
فكان مأثوما، و إنّما سوغنا له التقليد مع ضيق الوقت للضرورة.