فكتب إليهما:
(فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، وكلّ كثير القدم في أمرنا؛ فإنّهما كافوكما إن شاء اللَّه)[1]
.وفيه:- بعد ضعف السند- أنّ الظاهر من سؤاله أنّ الرجوع إلى العالم كان مرتكزاً في ذهنه، وإنّما أراد تعيين الإمام شخصَه، فلا يستفاد منه التعبّد، كما أنّ الأمر كذلك في كثير من الروايات، بل قاطبتها على الظاهر.
ومنها:روايات كثيرة عن الكشّي وغيره، فيها الصحيحة وغيرها، تدلّ على إرجاع الأئمّة إلى أشخاص من فقهاء أصحابهم، يظهر منها أنّ الرجوع إليهم كان متعارفاً، ومع وجود الأفقه كانوا يراجعون غيره، كصحيحة ابن أبي يعفور: قال
[1]رجال الكشّي 1: 15، وسائل الشيعة 18: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 45.
قلت لأبي عبد اللَّه: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا، فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه.
فقال:
(ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفيّ؛ فإنّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً)[1].
وكرواية عليّ بن المسيّب المتقدّمة[2]، حيث أرجعه الرضا عليه السلام إلى زكريّا ابن آدم[3]... إلى غير ذلك[4].
ويستفاد منها:أنّ أخذ معالم الدين- الذي هو عبارة اخرى عن التقليد- كان مرتكزاً في ذهنهم، ومتعارفاً في عصرهم.
ويستفاد من صحيحة ابن أبي يعفور، تعارف رجوع الشيعة إلى الفقهاء من أصحاب الأئمّة، مع وجود الأفقه بينهم، وجواز رجوع الفقيه إلى الأفقه إذا لم يكن له طريق إلى الواقع.
وهذا ليس منافياً لما ذكرنا في أوّل الرسالة: من أنّ موضوع عدم جواز
[1]رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.
[2]تقدّمت في الصفحة 80.
[3]رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.
[4]راجع وسائل الشيعة 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4، 5، 15، 19، 24، 30، 33، 34، 35، 42، 46، 47، وانظر ما قرّره في مطارح الأنظار: 300 السطر ما قبل الأخير.
الرجوع إلى الغير نفس قوّة الاستنباط[1]؛ وذلك لأنّ ما ذكرنا هناك إنّما هو فيمن له طريق إلى الاستنباط مثل زماننا، فإنّ الكتب الراجعة إليه مدوّنة مكتوبة بين أيدينا، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، كعصر محمّد بن مسلم؛ حيث إنّ الأحاديث فيه كانت مضبوطة عنده وعند نظرائه، ولم يكن للجاهل طريق إليها إلّابالرجوع إليهم.
مع إمكان أن يقال:إنّ إرجاع مثل ابن أبي يعفور، إنّما هو في سماع الحديث، ثمّ استنباطه منه حسب اجتهاده، ولا إشكال في استفادة جواز الرجوع إلى الفقهاء- بل إلى الفقيه مع الأفقه- من تلك الروايات.
لكن استفادة ذلك مع العلم الإجماليّ أو التفصيليّ بمخالفة آرائهما مشكلة؛ لعدم العلم بذلك في تلك الأعصار، خصوصاً من مثل اولئك الفقهاء والمحدّثين الذين كانوا من بطانة الأئمّة، فالاتكال على مثل تلك الأدلّة في جواز تقليد المفضول مشكل، بل غير ممكن.
[1]تقدّم في الصفحة 6.
فيما استدلّ به على ترجيح قول الأفضل
واستدلّ على ترجيح قول الأفضل لدى العلم بالمخالفة:
تارة:بالإجماعات المنقولة[1]، وهو كما ترى في مثل المسألة العقليّة مع تراكم الأدلّة.
واخرى:بالأخبار كالمقبولة وغيرها[2]؛ بأن يقال: إنّ الشبهة فرضت حكميّة في المقبولة، فنفوذ حكمه تعييناً، ملازم لنفوذ فتواه كذلك في تلك المسألة، فنتعدّى إلى غيرها بإلغاء الخصوصيّة، أو القطع بالملاك، [ولا] سيّما مع تناسب الأفقهيّة والأصدقيّة في الحديث لذلك.
وفيه:- مضافاً إلى أنّ ظاهر المقبولة، أنّ الأوصاف الأربعة مجتمعة توجب التقديم؛ بمقتضى العطف ب «الواو» وفرض الراوي صورة التساوي، لا يكشف عن كون المراد وجود أحدها- أنّه يمنع التلازم هاهنا؛ لأنّ الملازمة إنّما تكون في صورة إثبات النفوذ، لاسلبه؛ لأنّ سلب المركّب أو ما بحكمه بسلب أحد أجزائه، فسلب نفوذ حكمه كما يمكن أن يكون لسلب حجّية فتواه، يمكن أن يكون لسلب
[1]الاجتهاد والتقليد، الشيخ الأعظم، ضمن مجموعة رسائل: 71، مطارح الأنظار: 298 سطر 23 و 303 سطر 20.
[2]مجموعة رسائل: 71، مطارح الأنظار: 303 سطر 21، درر الفوائد: 711- 713. وقد تقدّم تخريج المقبولة والمشهورة أخيراً في الصفحة 97، 98.
صلاحية حكمه للفصل.
وعدم جواز الأخذ بالفتوى في المقام، ليس لعدم صلاحيتها للحجّية، بل لعدم كونها فاصلًا، بل فتوى الأعلم أيضاً ليست بفاصل، والتناسب بين الأفقهيّة وذلك لم يصل إلى حدّ كشف العلّية التامّة.
هذا كلّه مع أنّ إلغاء الخصوصيّة عرفاً، أو القطع بالملاك، ممّا لا وجه لهما بعد وضوح الفرق بين المقامين. ولعلّ الشارع لاحظ جانب الاحتياط في حقوق الناس، فجعل حكم الأعلم فاصلًا؛ لأقربيّته إلى الواقع بنظره، ولم يلاحظه في أحكامه؛ توسعةً على الناس. فدعوى إلغاء الخصوصيّة مجازفة، ودعوى القطع أشدّ مجازفة.
وثالثة:بأنّ فتوى الأعلم أقرب إلى الصواب؛ لأنّ نظره طريق محض إلى الواقع كنظر غيره، سواء الأوّليات منه، أو الثانويّات، أو الأعذار الشرعيّة والعقليّة، فحينئذٍ تلازم الأعلميّة الأقربيّة، وهو المتعيّن في مقام الإسقاط والإعذار، وجواز الرجوع إلى غيره يساوق الموضوعيّة[1].
والجواب عن الصغرى:بمنع كلّيتها؛ لأنّ رأي غير الأعلم قد يوافق رأي الأعلم من الأموات أو الأحياء، إذا لم يجز تقليدهم لجهة، بل إذا كان رأي غير الأعلم موافقاً لجميع الفقهاء، ويكون الأعلم منفرداً في الأحياء في الفتوى، مع كون مخالفيه كثيرين جدّاً.
[1]انظر الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 801، ومعالم الدين: 241 السطر الأوّل.
وتنظّر بعض أهل النظر[1]، في الصغري: بأنّ حجّية الفتوى لأجل كونها من الظنون الخاصّة، لا المطلقة، فمطابقة قول غير الأعلم للأعلم الغير الصالح للحجّية، غير مفيدة، فلاعبرة بقوّته ولا أصله، كالظنّ من الأمارات الغير المعتبرة، والأقوائيّة بمطابقة قوله لسائر المجتهدين الذين مثله غير مسلّمة؛ إذ المطابقة لوحدة الملاك وتقارب الأنظار، فالكلّ في قوّة نظر واحد، ولا يكشف توافق آرائهم عن قوّة مدركهم، وإلّا لزم الخلف؛ لفرض أقوائيّة نظر الأعلم.
ومنه يعلم فساد قياسه بالخبرين المتعارضين، المحكيّ أحدهما بطرق متعدّدة؛ إذ ليست الخطابات بمنزلة حكاية واحدة، فلا محالة توجب كلّ حكاية
[1]هو آية اللَّه الشيخ الفقيه الاصوليّ الأديب، جامع المعقول والمنقول؛ محمّد حسين بن محمّد حسن الأصفهاني الكمپاني. ولد في النجف الأشرف سنة 1296 ه، من أسرة كريمة وثريّة، وتعلّم الخطّ منذ حداثته، فأظهر في جميع أنواعه براعة فائقة، حتّى صار من مشاهير الخطّاطين البارعين. كما طلب العلم في سنّ مبكّرة، فحضر- ولمّا يبلغ العشرين- على المحقّق الخراسانيّ فقهاً واصولًا، واختصّ به، ولازمه مدّة ثلاثة عشر عاماً إلى حين وفاته، وحضر قليلًا على السيّد المحقّق الفشاركي الأصفهاني، وأمّا في الفلسفة فقد تخرّج على الفيلسوف المعروف محمّد باقر الاصطهباناتيّ، ثمّ استقل- بعد وفاة استاذه الآخوند- بالبحث والتدريس، فحضر عليه الكثيرون من مشاهير علماء العصر، وأنهى عدّة دراسات في الفقه والاصول، حتّى وافاه الأجل المحتوم في فجر الخامس من ذي الحجّة عام 1361 ه، أهمّ وأبرز ما خلّفه من تراثه العلميّ حاشيتاه على الكفاية والمكاسب.
انظر مقدّمة المحقّق العلّامة المظفّر لحاشية المترجم له على المكاسب، ونقباء البشر 2: 560- 562.
ظنّاً بصدور شخص هذا الكلام، من غير لزوم الخلف[1]. انتهى.
وفيه ما لا يخفى؛ إذ المنظور في ردّ الصغرى، إنكار كلّية دعوى أقربيّة قول الأعلم، وكذا ردّ التوافق، لا دعوى تقدّم قول غير الأعلم في مقام الاحتجاج، فما ذكره أجنبيّ عن المقام، بل المناقشة فيه منحصرة بإنكار الأقربيّة، وهو مسقط لأصل دعواه في الصغرى؛ إذ إنكاره مساوق لإنكار أقربيّة فتوى الأعلم.
وأمّا إنكار الأقربيّة في المثال الأخير فغير وجيه؛ لأنّ أنظار المجتهدين لمّا كانت طريقاً إلى الواقعيّات والحجج، فلا محالة إذا اجتمع جلّ أهل الفنّ على خطأ الأعلم، لا يبقى وثوق بأقربيّة قوله، لو لم نقل: بالوثوق بالخلاف.
وإن شئت قلت:لا تجري أصالة عدم الغفلة والخطأ في اجتهاده، وتوهّم كون أنظارهم بمنزلة نظر واحد- كتوهّم لزوم الخلف- في غاية السقوط.
وعن الكبرى:بأنّ تعيّن الرجوع إلى الأقرب، إن كان لأجل إدراك العقل تعيّنه جزماً- بحيث لايمكن للشارع التعبّد بخلافه، ولو ورد دليل صريح على خلافه فلابدّ من طرحه- فهو فاسد؛ لأنّ الشارع إذا رأى مفسدة في تعيّن الرجوع إلى الأعلم، أو مصلحة في التوسعة على المكلّف، فلا محالة يرخّص ذلك من غير الشبهة الموضوعيّة، كتجويز العمل بخبر الثقة وترك الاحتياط.
نعم، لو علمنا وجداناً: بأنّ الشارع لايرضى بترك الواقعيّات، فلا يمكن معه احتمال تجويز العمل بقول العالم، ولا بقول الأعلم، بل يحكم العقل بوجوب
[1]نهاية الدراية 6: 412- 413، الاجتهاد والتقليد، ضمن بحوث في الاصول: 53- 54.
الاحتياط ولو مع اختلال النظام، فضلًا عن لزوم الحرج.
لكنّه خلاف الواقع، وخلاف المفروض في المقام، ولهذا لا أظنّ بأحد ردّ دليل معتبر قام على جواز الرجوع لغير الأعلم، فعليه كيف يمكن دعوى القطع بلزوم تعيّن الأقرب، مع احتمال تعبّد في المقام ولو ضعيفاً؟!
وممّا ذكرنايظهر النظر في كلام بعض أهل النظر، حيث قال ما ملخّصه: أنّ القرب إلى الواقع إن لم يلحظ أصلًا، فهو منافٍ للطريقيّة، وإن كان بعض الملاك، وهناك خصوصيّة اخرى تعبّدية، فهو غير ضائر بالمقصود؛ لأنّ فتوى الأعلم حينئذٍ مساوية لغيرها في جميع الخصوصيّات، وتزيد عليها بالقرب، سواء كانت تلك الخصوصيّة التعبّدية جزءَ المقتضي، أو شرطَ جعله أمارة، فتكون فتوى الأعلم متعيّنة؛ لترجيحه على غيره بالملاك الذي هو ملاك الحجّية.
ولهذا فقياسها على البصر والكتابة مع الفارق؛ لكونهما غير دخيلين في ذلك الملاك، لأنّ معنى «الأعلميّة» ليس الأقوائيّة بحسب المعرفة؛ بحيث لاتزول بتشكيك، حتّى تقاس عليهما، بل بمعنى أحسنيّة الاستنباط وأجوديّته في تحصيل الحكم من المدارك، فيكون أكثر إحاطة بالجهات الدخيلة فيه المغفولة عن نظر غيره، فمرجع التسوية بينهما إلى التسوية بين العالم والجاهل.
وهذا وجه آخر لتعيّن الأعلم ولو لم نقل: بأقربيّة رأيه، أو كون الأقربيّة ملاك التقديم؛ لأنّ العقل يذعن بأنّ رأيه أوفق بمقتضيات الحجج، وهو المتعيّن في