بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 106

وتنظّر بعض أهل النظر[1]، في الصغري: بأنّ حجّية الفتوى لأجل كونها من الظنون الخاصّة، لا المطلقة، فمطابقة قول غير الأعلم للأعلم الغير الصالح للحجّية، غير مفيدة، فلاعبرة بقوّته ولا أصله، كالظنّ من الأمارات الغير المعتبرة، والأقوائيّة بمطابقة قوله لسائر المجتهدين الذين مثله غير مسلّمة؛ إذ المطابقة لوحدة الملاك وتقارب الأنظار، فالكلّ في قوّة نظر واحد، ولا يكشف توافق آرائهم عن قوّة مدركهم، وإلّا لزم الخلف؛ لفرض أقوائيّة نظر الأعلم.

ومنه يعلم فساد قياسه بالخبرين المتعارضين، المحكيّ أحدهما بطرق متعدّدة؛ إذ ليست الخطابات بمنزلة حكاية واحدة، فلا محالة توجب كلّ حكاية

[1]هو آية اللَّه الشيخ الفقيه الاصوليّ الأديب، جامع المعقول والمنقول؛ محمّد حسين بن محمّد حسن الأصفهاني الكمپاني. ولد في النجف الأشرف سنة 1296 ه، من أسرة كريمة وثريّة، وتعلّم الخطّ منذ حداثته، فأظهر في جميع أنواعه براعة فائقة، حتّى‌ صار من مشاهير الخطّاطين البارعين. كما طلب العلم في سنّ مبكّرة، فحضر- ولمّا يبلغ العشرين- على المحقّق الخراسانيّ فقهاً واصولًا، واختصّ به، ولازمه مدّة ثلاثة عشر عاماً إلى حين وفاته، وحضر قليلًا على السيّد المحقّق الفشاركي الأصفهاني، وأمّا في الفلسفة فقد تخرّج على الفيلسوف المعروف محمّد باقر الاصطهباناتيّ، ثمّ استقل- بعد وفاة استاذه الآخوند- بالبحث والتدريس، فحضر عليه الكثيرون من مشاهير علماء العصر، وأنهى عدّة دراسات في الفقه والاصول، حتّى‌ وافاه الأجل المحتوم في فجر الخامس من ذي الحجّة عام 1361 ه، أهمّ وأبرز ما خلّفه من تراثه العلميّ حاشيتاه على الكفاية والمكاسب.

انظر مقدّمة المحقّق العلّامة المظفّر لحاشية المترجم له على المكاسب، ونقباء البشر 2: 560- 562.


صفحه 107

ظنّاً بصدور شخص هذا الكلام، من غير لزوم الخلف‌[1]. انتهى‌.

وفيه ما لا يخفى‌؛ إذ المنظور في ردّ الصغرى‌، إنكار كلّية دعوى‌ أقربيّة قول الأعلم، وكذا ردّ التوافق، لا دعوى‌ تقدّم قول غير الأعلم في مقام الاحتجاج، فما ذكره أجنبيّ عن المقام، بل المناقشة فيه منحصرة بإنكار الأقربيّة، وهو مسقط لأصل دعواه في الصغرى‌؛ إذ إنكاره مساوق لإنكار أقربيّة فتوى الأعلم.

وأمّا إنكار الأقربيّة في المثال الأخير فغير وجيه؛ لأنّ أنظار المجتهدين لمّا كانت طريقاً إلى الواقعيّات والحجج، فلا محالة إذا اجتمع جلّ أهل الفنّ على خطأ الأعلم، لا يبقى وثوق بأقربيّة قوله، لو لم نقل: بالوثوق بالخلاف.

وإن شئت قلت:لا تجري أصالة عدم الغفلة والخطأ في اجتهاده، وتوهّم كون أنظارهم بمنزلة نظر واحد- كتوهّم لزوم الخلف- في غاية السقوط.

وعن الكبرى‌:بأنّ تعيّن الرجوع إلى الأقرب، إن كان لأجل إدراك العقل تعيّنه جزماً- بحيث لايمكن للشارع التعبّد بخلافه، ولو ورد دليل صريح على خلافه فلابدّ من طرحه- فهو فاسد؛ لأنّ الشارع إذا رأى‌ مفسدة في تعيّن الرجوع إلى الأعلم، أو مصلحة في التوسعة على المكلّف، فلا محالة يرخّص ذلك من غير الشبهة الموضوعيّة، كتجويز العمل بخبر الثقة وترك الاحتياط.

نعم، لو علمنا وجداناً: بأنّ الشارع لايرضى‌ بترك الواقعيّات، فلا يمكن معه احتمال تجويز العمل بقول العالم، ولا بقول الأعلم، بل يحكم العقل بوجوب‌

[1]نهاية الدراية 6: 412- 413، الاجتهاد والتقليد، ضمن بحوث في الاصول: 53- 54.


صفحه 108

الاحتياط ولو مع اختلال النظام، فضلًا عن لزوم الحرج.

لكنّه خلاف الواقع، وخلاف المفروض في المقام، ولهذا لا أظنّ بأحد ردّ دليل معتبر قام على جواز الرجوع لغير الأعلم، فعليه كيف يمكن دعوى‌ القطع بلزوم تعيّن الأقرب، مع احتمال تعبّد في المقام ولو ضعيفاً؟!

وممّا ذكرنايظهر النظر في كلام بعض أهل النظر، حيث قال ما ملخّصه: أنّ القرب إلى الواقع إن لم يلحظ أصلًا، فهو منافٍ للطريقيّة، وإن كان بعض الملاك، وهناك خصوصيّة اخرى‌ تعبّدية، فهو غير ضائر بالمقصود؛ لأنّ فتوى الأعلم حينئذٍ مساوية لغيرها في جميع الخصوصيّات، وتزيد عليها بالقرب، سواء كانت تلك الخصوصيّة التعبّدية جزءَ المقتضي، أو شرطَ جعله أمارة، فتكون فتوى الأعلم متعيّنة؛ لترجيحه على غيره بالملاك الذي هو ملاك الحجّية.

ولهذا فقياسها على البصر والكتابة مع الفارق؛ لكونهما غير دخيلين في ذلك الملاك، لأنّ معنى «الأعلميّة» ليس الأقوائيّة بحسب المعرفة؛ بحيث لاتزول بتشكيك، حتّى‌ تقاس عليهما، بل بمعنى أحسنيّة الاستنباط وأجوديّته في تحصيل الحكم من المدارك، فيكون أكثر إحاطة بالجهات الدخيلة فيه المغفولة عن نظر غيره، فمرجع التسوية بينهما إلى التسوية بين العالم والجاهل.

وهذا وجه آخر لتعيّن الأعلم ولو لم نقل: بأقربيّة رأيه، أو كون الأقربيّة ملاك التقديم؛ لأنّ العقل يذعن بأنّ رأيه أوفق بمقتضيات الحجج، وهو المتعيّن في‌


صفحه 109

مقام إبراء الذمّة، ويذعن بأنّ التسوية بينهما كالتسوية بين العالم والجاهل‌[1]. انتهى‌.

وفيه مواقع للنظر:

منها:أنّ الخصوصيّة التعبّدية لايلزم أن تكون جزء المقتضي، ولا شرط التأثير، بل يمكن أن تكون مانعة عن تعيّن الأعلم، كالخصوصيّة المانعة عن الإلزام بالاحتياط الموجبة لجعل الأمارات والاصول، من غير لزوم الموضوعيّة.

ومنها:أنّ أحسنيّة الاستنباط، وكون الأعلم أقوى نظراً في تحصيل الحكم من المدارك، عبارة أخرى عن أقربيّة رأيه إلى الواقع، فلا يخلو كلامه من التناقض والتنافي.

ومنها:أنّ إذعان العقل بما ذكره، مستلزم لامتناع تجويز العمل على طبق رأي غير الأعلم؛ لقبح التسوية بين العالم والجاهل، بل امتناعه، وهو كما ترى، ولا أظنّ التزام أحد به.

والتحقيق:أنّ تجويز العمل بقول غيره ليس لأجل التسوية بينهما، بل لمفسدة التضييق، أو مصلحة التوسعة، ونحوهما ممّا لا تنافي الطريقيّة، كما قلنا في محلّه‌[2].

وليعلم:أنّ هذا الدليل الأخير، غير أصالة التعيين في دوران الأمر بين التخيير والتعيين، وغير بناء العقلاء على تعيّن الأعلم في مورد الاختلاف، فلا تخلط بينه وبينهما، وتدبّر جيّداً.

[1]نهاية الدراية 6: 413- 414.

[2]أنوار الهداية 1: 192- 193، تهذيب الاصول 2: 62- 63.


صفحه 110

فالإنصاف:أنّه لا دليل على ترجيح قول الأعلم إلّاالأصل، بعد ثبوت كون الاحتياط مرغوباً عنه، وثبوت حجّية قول الفقهاء في الجملة، كما أنّ الأمر كذلك.

وفي الأصل أيضاً إشكال؛ لأنّ فتوى غير الأعلم إذا طابقت الأعلم من أعلم الأموات، أو في المثالين المتقدّمين‌[1]، يصير المقام من دوران الأمر بين التخيير والتعيين، لا تعيّن الأعلم، والأصل فيه التخيير.

إلّا أن يقال:إنّ تعيّن غير الأعلم حتّى‌ في مورد الأمثلة، مخالف لتسالم الأصحاب واجماعهم‌[2]فدار الأمر بين التعيين والتخيير في مورد الأمثلة أيضاً، وهو الوجه في بنائنا على الأخذ بقول الأعلم احتياطاً، وأمّا بناء العقلاء فلم يحرز في مورد الأمثلة المتقدّمة.

هذا فيما إذا علم اختلافهما تفصيلًا، بل أو إجمالًا أيضاً بنحو ما مرّ.

وأمّا مع احتماله، فلا يبعد القول: بجواز الأخذ من غيره أيضاً؛ لإمكان استفادة ذلك من الأخبار، بل لاتبعد دعوى السيرة عليه هذا كلّه في المتفاضلين.

[1]وذلك في الصفحة 105 بقوله قدس سره: أو الأحياء إذا لم يجز تقليدهم لجهة، بل ....

[2]راجع مفاتيح الاصول: 626 سطر 12، مطارح الأنظار: 298 سطر 20.


صفحه 111

في حال المجتهدين المتساويين مع اختلاف فتواهما

وأمّا في المتساويين، فالقاعدة وإن اقتضت تساقطهما مع التعارض، والرجوع إلى الاحتياط لو أمكن، وإلى غيره من القواعد مع عدمه، لكن الظاهر أنّ الاحتياط مرغوب عنه، وأنّ المسلّم عندهم حجّية قولهما في حال التعارض‌[1]، فلابدّ من الأخذ بأحدهما؛ والقول بحجّيته التخييريّة.

وقد يقال:بدلالة قوله في مثل رواية أحمد بن حاتم بن ماهويه:

(فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبنّا)[2]

- وغيرها من الروايات العامّة[3]- على المطلوب؛ فإنّ إطلاقها شامل لحال التعارض.

والفرق بينهما وبين أدلّة حجيّة خبر الثقة- حيث أنكرنا إطلاقها لحال التعارض‌[4]- أنّ الطبيعة في حجّية خبر الثقة اخذت بنحو الوجود الساري، فكلّ فرد من الأخبار مشمول لأدلّة الحجّية تعييناً، فلا يعقل جعل الحجّية التعيينيّة في‌

[1]مناهج الأحكام والاصول المحقّق النراقيّ: 300 السطر الأخير، مستمسك العروة الوثقى 1: 61.

[2]رجال الكشّي 1: 15، وسائل الشيعة 18: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 45.

[3]كصدر مقبولة ابن حنظلة، ومشهورة أبي خديجة، والتوقيع الشريف، وخبر تفسير العسكريّ عليه السلام، وقد تقدّمت في الصفحة 95- 99.

[4]درر الفوائد: 648.


صفحه 112

المتعارضين، ولا جعل الحجّية التعيينيّة في غيرهما والتخييريّة فيهما بدليل واحد، فلامناص إلّامن القول: بعدم الإطلاق لحال التعارض.

وأمّا الطبيعة في حجّية قول الفقهاء، فاخذت على نحو صِرْف الوجود؛ ضرورة عدم معنى لجعل حجّية قول كلّ عالم بنحو الطبيعة السارية والوجوب التعيينيّ، حتّى‌ يكون المكلّف في كلّ واقعة مأموراً بأخذ قول جميع العلماء؛ فإنّه واضح البطلان، فالمأموربه هو الوجود الصرف، فإذا اخذ بقول واحد منهم فقد أطاع، فلا مانع حينئذٍ من إطلاق دليل الحجّية لحال التعارض.

فقوله:

(و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا)

مفاده جعل حجّية قول العالم على نحو البدليّة أو صرف الوجود، كان مخالفاً لقول غيره أو لا، يعلم تفصيلًا مخالفته له أو لا[1].

هذا ما أفاده شيخنا العلّامة[2]، على ما في تقريرات بعض فضلاء بحثه.

[1]الاجتهاد والتقليد، آية اللَّه العظمى الأراكي، ضمن كتاب البيع 2: 467- 468.

[2]هو آية اللَّه العظمى المحقّق، الزاهد العابد الشيخ عبد الكريم الحائريّ اليزديّ. ولد في قرية مهرجرد سنة 1276 ه، وكان مبدأ تحصيله في يزد، ثمّ هاجر إلى العراق فتلمّذ في المتون على العلّامتين الميرزا إبراهيم الشيرواني، والشيخ فضل اللَّه النوري، وفي الأبحاث الخارجة على المحقّقين السيّد الفشاركيّ والآخوند الخراساني. وكان له مقام سام ودرجة رفيعة عند الميرزا محمّد تقيّ الشيرازي، لذا أرجع الميرزا مقلّديه إليه في موارد الاحتياط من فتاواه، فحاز بذلك ثقة العامّة من الناس. هاجر إلى إيران أثناء الحرب العالميّة الاولى‌، فسكن مدينة أراك مدّة، ثمّ استقرّ به المقام في مدينة قم المشرّفة، فتقاطر إليه العلماء الفضلاء من كلّ صوب وحدب، وغصّت المدارس بهم، وقام بأعباء تعليمهم وإعاشتهم، وقرّر الامتحان السنويّ والإشراف على التعليم، ويعدّ إمامنا الراحل الخميني العظيم طاب ثراه من أكابر تلاميذه والمتخرّجين به ومنهم أيضاً آية اللَّه العظمى الأراكي وآية اللَّه الثقفيّ وغيرهم كثيرون. وكانت له خدمات جليلة للإسلام والمسلمين، ومآثر خالدة، وصفات حميدة. التحق بالرفيق الأعلى سنة 1355 ه. له درر الفوائد، وكتاب الصلاة، وتقرير أبحاث استاذه السيّد الفشاركيّ.خمينى، روح‌الله، رهبر انقلاب و بنيانگذار جمهورى اسلامى ايران، الإجتهاد و التقليد(الإمام الخميني(س))، 1جلد، موسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخمينى (قدس سره) - ايران، چاپ: 2، 1426 ه.ق.

انظر أعيان الشيعة 8: 42، ومعارف الرجال 2: 65- 67.


صفحه 113

وأنت خبير:بأنّ هذا بيان لإمكان الإطلاق، على فرض وجود دليل مطلق يمكن الاتكال عليه، ونحن بعد الفحص الأكيد، لم نجد دليلًا يسلم دلالة وسنداً عن الخدشة.

مثلًا:قوله في الرواية المتقدمة:

(فاصمدا في دينكما ...)

إلى‌ آخره، بمناسبة صدرها وهو قوله: «عمّن آخذ معالم ديني» لا يستفاد منه التعبّد، بل الظاهر منه هو الإرجاع إلى الأمر الارتكازيّ؛ فإنّ السائل بعد مفروغيّة جواز الرجوع إلى العلماء، سأل عن الشخص الذي يجوز التعويل على قوله، ولعلّه أراد أن يعيّن الإمام له شخصاً معيّناً- كما عيّن الرضا عليه السلام زكريّا بن آدم‌[1]، والصادق عليه السلام الأسديّ‌[2]، والثقفيّ‌[3]،

[1]رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.

[2]رجال الكشّي 1: 400، وسائل الشيعة 18: 103، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 15.

[3]رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.