سَماعة[1]، عن أبي عبد اللَّه
قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر، كلاهما يرويه؛ أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع؟
قال: (يرجئه حتّى يلقى من يخبره، فهو في سعة حتّى يلقاه)[2].
تقريبه: أنّ التخالف بينهما لايتحقّق بصرف نقل الرواية مع عدم الجزم بمضمونها، ومعه مساوق للفتوى، فاختلاف الرجلين إنّما هو في الفتوى.
ويشهد له قوله:«أحدهما يأمر بأخذه، والآخر ينهاه» وهذا لاينبطق على صرف الرواية والحكاية، فلابدّ من الحمل على الفتوى.
فأجاب عليه السلام: بأنّه في سعة ومخيّر في الأخذ بأحدهما.
بل يمكن التمسّك بسائر أخبار التخيير في الحديثين المختلفين؛ بإلغاء الخصوصية، فإنّ الفقيه أيضاً تكون فتواه محصّل الأخبار بحسب الجمع والترجيح، فاختلاف الفتوى يرجع إلى اختلاف الرواية.
هذا وفيه ما لا يخفى:
[1]سَماعة: هو الشيخ العالم الفقيه، الثقة الثقة؛ أبو ناشرة سَماعة بن مِهْران الحضرميّ. كان من أصحاب الاصول المدوّنة، والمصنّفات المشهورة، ومن الأعلام الرؤساء، المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، وكان يتّجر بالقزّ، وسكن الكوفة، روى عن الصادق والكاظم عليهما السلام، وروى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، والحسن بن محبوب، ومحمّد بن أبي عمير.
انظر رجال النجّاشي: 193/ 517، وقاموس الرجال 5: 302/ 3420.
[2]الكافي 1: 53/ 7، وسائل الشيعة 18: 77، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 5.
أمّا التمسّك بموثّقة سماعة، ففيه أنّ قوله:
(يرجئه حتّى يلقى من يخبره)
معناه: يؤخّره ولا يعمل بواحد منهما، كما صرّح به في روايته الاخرى[1]، والمظنون أنّهما رواية واحدة، ومعنى «الإرجاء» لغة[2]وعرفاً هو تأخير الشيء، فقوله بعد ذلك:
(فهو في سعة)
ليس معناه أنّه في سعة في الأخذ بأيّهما شاء، كما أفاده المستدلّ، بل المراد أنّه في سعة بالنسبة إلى نفس الواقعة.
ومحصّله:أنّ الروايتين أو الفتويين ليستا بحجّة، فلا تعمل بواحدة منهما، ولكنّه في سعة في الواقعة، فله العمل على طبق الاصول، فهي على خلاف المطلوب أدلّ.
وأمّا دعوى إلغاء الخصوصيّة، وفهم التخيير من الأخبار الواردة في الخبرين المتعارضين.
ففيه:- مع الغضّ عن فقدان رواية دالّة على التخيير جامعة للحجّية، كما مرّ في باب التعارض[3]- أنّ إلغاء الخصوصيّة عرفاً ممنوع؛ ضرورة تحقّق الفرق الواضح بين اختلاف الأخبار واختلاف الآراء الاجتهاديّة، فما أفاده: من شمول روايات العلاج لاختلاف الفتاوى، محلّ منع، مع أنّ لازمه إعمال مرجّحات باب التعارض فيهما، وهو كما ترى.
[1]حيث قال عليه السلام: (لاتعمل بواحد منهما حتّى تلقى صاحبك فتسأل عنه). راجع الاحتجاج: 357، وسائل الشيعة 18: 88، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 42.
[2]النهاية الأثيريّة 2: 206، المصباح المنير: 263.
[3]التعادل والترجيح، العلّامة الإمام الخمينيّ قدس سره: 119- 126، 211.
فتحصّل ممّا ذكرناه:أنّه ليس في أخبار الباب ما يستفاد منه ترجيح قول الأعلم عند التعارض لغيره، ولا التخيير في الأخذ بأحد المتساويين، فلا محيص إلّا العمل بالاصول الأوّلية، لولا تسالم الأصحاب على عدم وجوب الاحتياط[1]، ومع هذا التسالم لامحيص عن الأخذ بقول الأعلم؛ لدوران الأمر بين التعيين والتخيير، مع كون وجوبه أيضاً مورد تسالمهم[2].
كما أنّ الظاهر، تسالمهم على التخيير في الأخذ بفتوى أحد المتساويين، وعدم وجوب الاحتياط، أو الأخذ بأحوط القولين[3]
[1]مطارح الأنظار: 300 سطر 18، مستمسك العروة الوثقى 1: 29.
[2]راجع مفاتيح الاصول: 626 سطر 12، مطارح الأنظار: 298 سطر 20.
[3]مناهج الأحكام والاصول: 300 السطر الأخير، مستمسك العروة الوثقى 1: 61.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الفصل الثاني في أ نّه هل تشترط الحياة في المفتي أم لا؟
اختلفوا في اشتراط الحياة في المفتي على أقوال[1]، ثالثها: التفصيل بين البدويّ والاستمراريّ[2].
لا إشكال في أنّ الأصل الأوّلي حرمة العمل بما وراء العلم، خرج عنه العمل بفتوى الحيّ، وبقي غيره، فلابدّ من الخروج عنه من دليل التمسك بالاستصحاب لإثبات الجواز. ولمّا كان عمدة ما يمكن أن يعوّل عليه هو الاستصحاب، فلابدّ من تقريره وتحقيقه.
[1]راجع الوافية في اصول الفقه: 299- 308، مفاتيح الاصول: 618- 619.
[2]الفصول الغرويّة: 422 سطر 28، العروة الوثقى 1: 10 مسألة 9.
التمسّك بالاستصحاب على الجواز
فنقول:قد قرّر الأصل بوجوه:
منها:أنّ المجتهد الفلانيّ، كان جائز التقليد لكلّ مكلّف عامّي في زمان حياته، فيستصحب إلى ما بعد موته.
ومنها:أنّ الأخذ بفتوى المجتهد الفلانيّ، كان جائزاً في زمان حياته فيستصحب.
ومنها:أنّ لكلّ مقلِّد جواز الرجوع إليه في زمان حياته، وبعدها كما كان.
إلى غير ذلك من الوجوه المتقاربة[1].
وقد يستشكل:بأنّ جواز التقليد لكلّ بالغ عاقل، إن كان بنحو القضيّة الخارجيّة؛ بمعنى أنّ كلّ مكلّف كان موجوداً في زمانه جاز له الرجوع إليه، فلا يفيد بالنسبة إلى الموجودين بعد حياته في الأعصار المتأخّرة، وبعبارة اخرى:
الدليل أخصّ من المدّعى.
وإن كان بنحو القضيّة الحقيقيّة؛ أي «كلّ من وجد في الخارج، وكان مكلّفاً في كلّ زمان، كان له تقليد المجتهد الفلاني» فإن اريد إجراء الاستصحاب التنجيزيّ فلا يمكن؛ لعدم إدراك المتأخّرين زمان حياته، فلا يقين بالنسبة إليهم.
[1]راجع الفصول الغرويّة: 422 سطر 30، مفاتيح الاصول: 624 سطر 15، مطارح الأنظار: 259 سطر 15، درر الفوائد: 704، مقالات الاصول 2: 208 سطر 12، رسالة الاجتهاد والتقليد، المحقّق الأصفهاني، ضمن بحوث في الاصول: 21، مستمسك العروة الوثقى 1: 15.
وإن كان بنحو التعليق، فإجراء الاستصحاب التعليقيّ بهذا النحو محلّ منع.
وفيه:أنّ جعل الأحكام للعناوين على نحو القضيّة الحقيقيّة، ليس معناه أنّ لكلّ فرد من مصاديق العنوان، حكماً مجعولًا برأسه، ومعنى الانحلال إلى الأحكام ليس ذلك، بل لايكون في القضايا الحقيقيّة إلّاجعل واحد لعنوان واحد، لا جعلات كثيرة بعدد أنفاس المكلّفين، لكن ذاك الجعل الواحد يكون حجّة- بحكم العقل والعقلاء- على كلّ من كان مصداقاً للعنوان.
مثلًا قوله تعالى:«وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»[1]، ليس إلّاجعلًا واحداً لعنوان واحد هو«مَنِ اسْتَطاعَ»ولكنّه حجّة على كلّ مكلّف مستطيع، فحينئذٍ لو علمنا بأنّ الحجّ كان واجباً علىمَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وشككنا في بقائه؛ من أجل طروّ النسخ مثلًا، فلا إشكال في جريان استصحاب الحكم المتعلّق بالعنوان لنفس ذلك العنوان، فيصير- بحكم الاستصحاب- حجّةً على كلّ من كان مصداقه.
ولهذا لايستشكل أحد في استصحاب عدم النسخ، مع ورود هذا الإشكال بعينه عليه، بل على جميع الاستصحابات الحكميّة.
والسّر فيه ما ذكرنا:من أنّ الحكم على العنوان، حجّة على المعنونات، فاستصحاب وجوب الحجّ على عنوان «المستطيع» جارٍ بلا إشكال، كاستصحاب جواز رجوع كلّ مقلِّد إلى المجتهد الفلانيّ، وسيأتي كلام في هذا الاستصحاب
[1]آل عمران (3): 97.
فانتظر[1].
إشكال عدم بقاء موضوع الاستصحاب والجواب عنه
فالعمدة في المقام هو الإشكال المعروف؛ أي عدم بقاء الموضوع.
وتقريره:أنّه لابدّ في الاستصحاب من وحدة القضيّة المتيقّنة والمشكوك فيها، و موضوع القضيّة هو «رأي المجتهد وفتواه» وهو أمر قائم بنفس الحيّ، وبعد موته لايتّصف- بحسب نظر العرف المعتبر في المقام- بعلم ولا ظنّ، ولا رأي له بحسبه ولا فتوى.
ولا أقلّ من الشكّ في ذلك، ومعه أيضاً لا مجال للاستصحاب؛ لأنّ إحراز الموضوع شرط في جريانه، ولا إشكال في أنّ مدار الفتوى هو الظنّ الاجتهاديّ، ولهذا يقع المظنون- بما هو كذلك- وسطاً في قياس الاستنباط، ولا إشكال في عدم إحراز الموضوع، بل في عدم بقائه[2].
وفيه:أنّ مناط عمل العقلاء على رأي كلّ ذي صنعة في صنعته، هو أماريّته وطريقيّته إلى الواقع، وهو المناط في فتوى الفقهاء، سواءً أكان دليل اعتباره بناء العقلاء الممضى، أو الأدلّة اللّفظية؛ فإنّ مفادها أيضاً كذلك، ففتوى الفقيه بأنّ صلاة الجمعة واجبة، طريق إلى الحكم الشرعيّ وحجّة عليه، وإنّما تتقوّم طريقيّتها وطريقيّة كلّ رأي خبير إلى الواقع، إذا أفتى وأخبر بنحو الجزم.
[1]يأتي في الصفحة 126- 130.
[2]مطارح الأنظار: 259- 260.