بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 128

شرعيّ، بل هو أمر عقلائيّ، يتنجّز به الواقع بعد عدم ردع الشارع عنه.

وأمّا إمضاء الشارع وارتضاؤه لما هو المرتكز بين العقلاء، فليس حكماً شرعيّاً حتّى‌ يستصحب تأمّل‌[1]، بل لايستفاد من الأدلّة إلّاالإرشاد إلى ما هو المرتكز، فليس جعل وتأسيس كما لا يخفى‌.

إن قلت:بناءً عليه ينسدّ باب الاستصحاب في مطلق مؤدّيات الأمارات، فهل فتوى الفقيه إلّاإحداها؟! مع أنّه حقّق في محلّه جريانه في مؤدّياتها[2]، فكما يجري فيها لابدّ وأن يجري في الحكم المستفاد من فتوى الفقيه.

قلت:هذه مغالطة نشأت من خلط الشكّ في بقاء الحكم، والشكّ في بقاء حجّية الحجّة عليه، فإنّ الأوّل مجرى الاستصحاب، دون الثاني، فإذا قامت الأمارة- أيّة أمارة كانت- على حكم، ثمّ شكّ في بقائه لأحد أسباب طروّ الشك، كالشكّ في النسخ، يجري الأصل؛ لما ذكرنا في الاستصحاب: من شمول أدلّته مؤدّيات الأمارات أيضاً[3].

وأمّا إذا شكّ في أمارة- بعد قيامها على حكم وحجّيتها- في بقاء الحجّية لها في زمان الشكّ، فلا يجري فيها؛ لعدم الشكّ في بقاء حكم شرعيّ كما عرفت‌[4]،

[1]وجهه: أنّ استصحاب رضا الشارع بالعمل ممّا لامانع منه؛ فإنّه وإن لم يكن حكماً، لكن مع التعبّد به يحكم العقل بجواز العمل، فهو مثل الحكم في ذلك [منه قدس سره‌].

[2]راجع الاستصحاب، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 81- 83.

[3]راجع الاستصحاب، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 81- 83.

[4]تقدّم في الصفحة 127.


صفحه 129

فقياس الاستصحاب في نفس الأمارة وحكمها، على الاستصحاب في مؤدّاها، مع الفارق؛ فإنّ المستصحب في الثاني هوالحكم الواقعيّ المحرز بالأمارة، دون الأوّل.

إن قلت:بناءً على‌ عدم استتباع قيام الأمارات- فتوى الفقيه كانت أو غيرها- للحكم، يلزم عدم تمكّن المكلّف من الجزم في النيّة، وإتيان كثير من أجزاء العبادات وشرائطها رجاءً، وهو باطل، فلابدّ من الالتزام باستتباعها الحكم؛ لتحصيل الجزم فيها.

قلت أوّلًا:لادليل على‌ لزوم الجزم فيها من إجماع أو غيره، ودعوى الإجماع‌[1]، ممنوعة في هذه المسألة العقليّة.

وثانياً:أنّ الجزم حاصل؛ لما ذكرناه‌[2]: من أنّ احتمال الخلاف في الطرق العقلائيّة، مغفول عنه غالباً، ألا ترى‌ أنّ جميع المعاملات الواقعة من ذوي الأيادي على الأموال، تقع على سبيل الجزم، مع أنّ الطريق إلى ملكيّتهم هو اليد التي تكون طريقاً عقلائيّاً؟! وليس ذلك إلّالعدم انقداح احتمال الخلاف في النفوس تفصيلًا بحسب الغالب.

وثالثاً:أنّ المقلِّدين الآخذين بقول الفقهاء، لا يرون فتاويهم إلّاطريقاً إلى الواقع، فالإتيان على مقتضى‌ فتاويهم، ليس إلّابملاحظة طريقيّتها إلى الواقع، وكاشفيّتها عن أحكام اللَّه الواقعيّة، كعملهم على‌ طبق رأي كلّ خبير فيما يرجع‌

[1]فرائد الاصول: 306 سطر 11، وفيه نفي الخلاف.

[2]تقدّم في الصفحة 82- 83.


صفحه 130

إليه، من دون تفاوت في نظرهم، وليس استتباع فتاويهم للحكم الظاهريّ في ذهنهم بوجه، حتّى‌ يكون الجزم باعتباره.

فالحكم الظاهريّ على فرض وجوده، ليس محصّلًا للجزم؛ ضرورة كون هذا الاستتباع مغفولًا عنه لدى العقلاء، العاملين على قول الفقهاء بما أنّهم عالمون بالأحكام؛ وفتاويهم طريق إلى الواقع.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الاستصحاب غير جارٍ؛ لفقدان المستصحب، أي الحكم، أو الموضوع الذي له حكم.

التفصّي عن الإشكال‌

وغاية ما يمكن أن يقال في التفصّي عن هذا الإشكال: أنّ احتياج الفقيه للفتوى‌ بجواز البقاء على تقليد الميّت إلى الاستصحاب، إنّما يكون في مورد اختلاف رأيه مع رأي الميّت.

وأمّا مع توافقهما، فيجوز له الإفتاء بالأخذ برأي الميّت؛ لقيام الدليل عنده عليه، وعدم الموضوعيّة للفتوى‌، والأخذ برأي الحيّ، فلو فرض موافقة رأي فقيه حيّ لجميع ما في رسالة فقيه ميّت، يجوز له الإرجاع إلى رسالته، من غير احتياج إلى الاستصحاب، بل لقيام الأمارة على صحّته، فما يحتاج في الحكم بجواز البقاء إلى الاستصحاب، هو موارد اختلافهما.

فحينئذٍ نقول:لو أدرك مكلّف في زمان بلوغه مجتهدَين حيّين، متساويَين‌


صفحه 131

في العلم، مختلفَين في الفتوى، يكون مخيّراً في الأخذ بأيّهما شاء، وهذا حكم مسلّم بين الفقهاء، وأرسلوه إرسال المسلّمات، من غير احتمال إشكال فيه‌[1]، مع أنّه خلاف القاعدة؛ فإنّها تقتضي تساقطهما.

فالحكم بالتخيير بنحو التسلّم في هذا المورد المخالف للقاعدة، لايكون إلّا بدليل شرعيّ وصل إليهم، أو للسيرة المستمرّة إلى زمن الأئمّة عليهم السلام، كما هي ليست ببعيدة، فإذا مات أحد المجتهدين يستصحب هذا الحكم التخييريّ، وهذا الاستصحاب جارٍ في الابتدائيّ والاستمراريّ.

نعم، جريانه في الابتدائيّ الذي لم يدركه المكلّف حيّاً، محلّ إشكال؛ لعدم دليل يثبت الحكم للعنوان حتّى‌ يستصحب، فما ذكرنا في التفصّي عن الإشكال الأوّل في الباب: من استصحاب الحكم الثابت للعنوان، إنّما هو على فرض ثبوت الحكم له، وهو فرض محض.

فتحصّل ممّا ذكرنا تفصيل آخر:هو التفصيل بين الابتدائيّ الذي لم يدرك المكلّف مجتهده حيّاً حال بلوغه، وبين الابتدائيّ المدرك كذلك والاستمراريّ.

هذا مقتضى الاستصحاب، فلو قام الإجماع على عدم جواز الابتدائيّ مطلقاً، تصير النتيجة التفصيل بين الابتدائيّ والاستمراريّ، هذا كلّه حال الاستصحاب.

[1]مناهج الأحكام والاصول: 300 السطر الأخير، مستمسك العروة الوثقى‌ 1: 61.


صفحه 132

حال بناء العقلاء في تقليد الميّت‌

وأمّا بناء العقلاء، فمحصّل الكلام فيه: أنّه لا إشكال في عدم التفاوت في ارتكاز العقلاء وحكم العقل، بين فتوى الحيّ والميّت؛ ضرورة طريقيّة كلّ منهما إلى الواقع من غير فرق بينهما.

لكن مجرّد ارتكازهم وحكمهم العقليّ بعدم الفرق بينهما، لايكفي في جواز العمل، بل لابدّ من إثبات بنائهم على العمل على‌ طبق فتوى الميّت كالحيّ، وتعارفه لديهم، حتّى‌ يكون عدم ردع الشارع كاشفاً عن إمضائه، وإلّا فلو فرض عدم جريان العمل على طبق فتوى الميّت- وإن لم يتفاوت في ارتكازهم مع الحيّ- لايكون للردع مورد حتّى‌ يكشف عدمُه عن إمضاء الشارع.

والحاصل:أنّ جواز الاتكال على الأمارات العقلائيّة، موقوف على إمضاء الشارع لفظاً، أو كشفه عن عدم الردع، وليس ما يدلّ لفظاً عليه، والكشف عن عدم الردع موقوف على جري العقلاء عملًا على طبق ارتكازهم، ومع عدمه لامعنى لردع الشارع، ولايكون سكوته كاشفاً عن رضاه.

فحينئذٍ نقول:لا إشكال في بناء العقلاء على العمل برأي الحيّ، ويمكن دعوى‌ بنائهم على العمل بما أخذوا من الحيّ في زمان حياته ثمّ مات؛ ضرورة أنّ الجاهل بعد تعلّم مايحتاج إليه من الحيّ، يرى‌ نفسه عالماً، فلا داعي له في الرجوع إلى الآخر.


صفحه 133

بل يمكن إثبات ذلك من الروايات، كرواية عليّ بن المسيّب المتقدّمة[1].

فإنّ إرجاعه إلى زكريّا بن آدم- من غير ذكر حال حياته؛ وأنّ ما يأخذه منه في حال الحياة، لايجوز العمل به بعد موته، مع أنّ في ارتكازه وارتكاز كلّ عاقل عدمَ الفرق بينهما- دلالةٌ على جواز العمل بما تعلّم منه مطلقاً؛ فإنّ كون شقّته بعيدة، بحيث أنّه بعد رجوعه إلى شقّته، كان يصير منقطعاً عن الإمام عليه السلام في مثل تلك الأزمنة، كان يوجب عليه بيان الاشتراط لو كانت الحياة شرطاً.

واحتمال أنّ رجوع عليّ بن المسيّب إليه كان في نقل الرواية، يدفعه ظهور الرواية، ومثلها مكاتبة أحمد بن حاتم وأخيه‌[2].

وبالجملة:إرجاع الأئمّة عليهم السلام في الروايات الكثيرة، شيعتهم إلى العلماء عموماً وخصوصاً- مع خلوّها عن اشتراط الحياة- كاشف عن ارتضائهم بذلك.

نعم لايكشف عن الأخذ الابتدائيّ بفتوى الميّت؛ فإنّ الدواعيّ منصرفة عن الرجوع إلى الميّت مع وجود الحيّ، ولم يكن في تلك الأزمنة تدوين الكتب الفتوائيّة متعارفاً، حتّى‌ يقال: إنّهم كانوا يراجعون الكتب؛ فإنّ الكتب الموجودة في تلك الأزمنة كانت منحصرة بكتب الأحاديث، ثمّ بعد أزمنة متطاولة صار بناؤهم على تدوين كتب نحو متون الأخبار، ككتب الصدوقين، ومن في طبقتهما، أو

[1]تقدّمت في الصفحة 80، راجع رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.

[2]تقدّمت في الصفحة 100، راجع رجال الكشّي 1: 15، وسائل الشيعة 18: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 45.


صفحه 134

قريب العصر بهما[1].

ثمّ بعد مرور الأزمنة، جرت عادتهم على تدوين الكتب التفريعيّة والاستدلاليّة، فلم يكن الأخذ من الأموات ابتداءً، ممكناً في الصدر الأوّل، ولا متعارفاً أصلًا.

نعم، من أخذ فتوى حيّ في زمان حياته، فقد كان يعمل بها على الظاهر؛ ضرورة عدم الفرق في ارتكازه بين الحيّ والميّت، ولم يرد ردع عن ارتكازهم وبنائهم العمليّ، بل إطلاق الأدلّة يقتضي الجواز أيضاً.

فتحصّل ممّا ذكرناه:أنّه لو كان مبنى‌ جواز البقاء على تقليد الميّت، هو بناء العقلاء، فلابدّ من التفصيل بين ما إذا أخذ فتوى الميّت في زمان حياته وغيره.

والإنصاف:أنّ جواز البقاء على فتوى الميّت بعد الأخذ منه في الجملة، هو الأقوى، وأمّا الأخذ الابتدائيّ ففيه إشكال، بل الأقوى عدم جوازه.

وأمّا التمسّك بالأدلّة اللّفظية كالكتاب والسنّة[2]، فقد عرفت في المبحث السالف؛ عدم دلالتهما على تأسيس حكم شرعيّ في هذا الباب، فراجع‌[3]

[1]كمحمّد بن الحسن بن الوليد، وجعفر بن محمّد بن قولويه، والشيخ المفيد وغيره.

[2]الفصول الغرويّة: 422 سطر 31.

[3]راجع الصفحة 127.


صفحه 135

الفصل الثالث في تبدّل الاجتهاد

تكليف المجتهد عند تبدّل رأيه‌

إذا اضمحلّ الاجتهاد السابق، وتبدلّ رأي المجتهد، فلايخلو إمّا أن يتبدلّ من القطع إلى القطع، أو إلى الظنّ المعتبر، أو من الظنّ المعتبر إلى القطع، أو إلى الظنّ المعتبر.

حال الفتوى المستندة إلى القطع‌

فإن تبدّل من القطع إلى غيره، فلا مجال للقول بالإجزاء؛ ضرورة أنّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه بحسب العلم والجهل، فإذا قطع بعدم كون السورة جزءً للصلاة، ثمّ قطع بجزئيّتها، أو قامت الأمارة عليها، أو تبدلّ قطعه، يتبيّن له في الحال الثاني- وجداناً أو تعبّداً- عدم كون المأتيّ به مصداق المأموربه، ومعه‌