بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 130

إليه، من دون تفاوت في نظرهم، وليس استتباع فتاويهم للحكم الظاهريّ في ذهنهم بوجه، حتّى‌ يكون الجزم باعتباره.

فالحكم الظاهريّ على فرض وجوده، ليس محصّلًا للجزم؛ ضرورة كون هذا الاستتباع مغفولًا عنه لدى العقلاء، العاملين على قول الفقهاء بما أنّهم عالمون بالأحكام؛ وفتاويهم طريق إلى الواقع.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا:أنّ الاستصحاب غير جارٍ؛ لفقدان المستصحب، أي الحكم، أو الموضوع الذي له حكم.

التفصّي عن الإشكال‌

وغاية ما يمكن أن يقال في التفصّي عن هذا الإشكال: أنّ احتياج الفقيه للفتوى‌ بجواز البقاء على تقليد الميّت إلى الاستصحاب، إنّما يكون في مورد اختلاف رأيه مع رأي الميّت.

وأمّا مع توافقهما، فيجوز له الإفتاء بالأخذ برأي الميّت؛ لقيام الدليل عنده عليه، وعدم الموضوعيّة للفتوى‌، والأخذ برأي الحيّ، فلو فرض موافقة رأي فقيه حيّ لجميع ما في رسالة فقيه ميّت، يجوز له الإرجاع إلى رسالته، من غير احتياج إلى الاستصحاب، بل لقيام الأمارة على صحّته، فما يحتاج في الحكم بجواز البقاء إلى الاستصحاب، هو موارد اختلافهما.

فحينئذٍ نقول:لو أدرك مكلّف في زمان بلوغه مجتهدَين حيّين، متساويَين‌


صفحه 131

في العلم، مختلفَين في الفتوى، يكون مخيّراً في الأخذ بأيّهما شاء، وهذا حكم مسلّم بين الفقهاء، وأرسلوه إرسال المسلّمات، من غير احتمال إشكال فيه‌[1]، مع أنّه خلاف القاعدة؛ فإنّها تقتضي تساقطهما.

فالحكم بالتخيير بنحو التسلّم في هذا المورد المخالف للقاعدة، لايكون إلّا بدليل شرعيّ وصل إليهم، أو للسيرة المستمرّة إلى زمن الأئمّة عليهم السلام، كما هي ليست ببعيدة، فإذا مات أحد المجتهدين يستصحب هذا الحكم التخييريّ، وهذا الاستصحاب جارٍ في الابتدائيّ والاستمراريّ.

نعم، جريانه في الابتدائيّ الذي لم يدركه المكلّف حيّاً، محلّ إشكال؛ لعدم دليل يثبت الحكم للعنوان حتّى‌ يستصحب، فما ذكرنا في التفصّي عن الإشكال الأوّل في الباب: من استصحاب الحكم الثابت للعنوان، إنّما هو على فرض ثبوت الحكم له، وهو فرض محض.

فتحصّل ممّا ذكرنا تفصيل آخر:هو التفصيل بين الابتدائيّ الذي لم يدرك المكلّف مجتهده حيّاً حال بلوغه، وبين الابتدائيّ المدرك كذلك والاستمراريّ.

هذا مقتضى الاستصحاب، فلو قام الإجماع على عدم جواز الابتدائيّ مطلقاً، تصير النتيجة التفصيل بين الابتدائيّ والاستمراريّ، هذا كلّه حال الاستصحاب.

[1]مناهج الأحكام والاصول: 300 السطر الأخير، مستمسك العروة الوثقى‌ 1: 61.


صفحه 132

حال بناء العقلاء في تقليد الميّت‌

وأمّا بناء العقلاء، فمحصّل الكلام فيه: أنّه لا إشكال في عدم التفاوت في ارتكاز العقلاء وحكم العقل، بين فتوى الحيّ والميّت؛ ضرورة طريقيّة كلّ منهما إلى الواقع من غير فرق بينهما.

لكن مجرّد ارتكازهم وحكمهم العقليّ بعدم الفرق بينهما، لايكفي في جواز العمل، بل لابدّ من إثبات بنائهم على العمل على‌ طبق فتوى الميّت كالحيّ، وتعارفه لديهم، حتّى‌ يكون عدم ردع الشارع كاشفاً عن إمضائه، وإلّا فلو فرض عدم جريان العمل على طبق فتوى الميّت- وإن لم يتفاوت في ارتكازهم مع الحيّ- لايكون للردع مورد حتّى‌ يكشف عدمُه عن إمضاء الشارع.

والحاصل:أنّ جواز الاتكال على الأمارات العقلائيّة، موقوف على إمضاء الشارع لفظاً، أو كشفه عن عدم الردع، وليس ما يدلّ لفظاً عليه، والكشف عن عدم الردع موقوف على جري العقلاء عملًا على طبق ارتكازهم، ومع عدمه لامعنى لردع الشارع، ولايكون سكوته كاشفاً عن رضاه.

فحينئذٍ نقول:لا إشكال في بناء العقلاء على العمل برأي الحيّ، ويمكن دعوى‌ بنائهم على العمل بما أخذوا من الحيّ في زمان حياته ثمّ مات؛ ضرورة أنّ الجاهل بعد تعلّم مايحتاج إليه من الحيّ، يرى‌ نفسه عالماً، فلا داعي له في الرجوع إلى الآخر.


صفحه 133

بل يمكن إثبات ذلك من الروايات، كرواية عليّ بن المسيّب المتقدّمة[1].

فإنّ إرجاعه إلى زكريّا بن آدم- من غير ذكر حال حياته؛ وأنّ ما يأخذه منه في حال الحياة، لايجوز العمل به بعد موته، مع أنّ في ارتكازه وارتكاز كلّ عاقل عدمَ الفرق بينهما- دلالةٌ على جواز العمل بما تعلّم منه مطلقاً؛ فإنّ كون شقّته بعيدة، بحيث أنّه بعد رجوعه إلى شقّته، كان يصير منقطعاً عن الإمام عليه السلام في مثل تلك الأزمنة، كان يوجب عليه بيان الاشتراط لو كانت الحياة شرطاً.

واحتمال أنّ رجوع عليّ بن المسيّب إليه كان في نقل الرواية، يدفعه ظهور الرواية، ومثلها مكاتبة أحمد بن حاتم وأخيه‌[2].

وبالجملة:إرجاع الأئمّة عليهم السلام في الروايات الكثيرة، شيعتهم إلى العلماء عموماً وخصوصاً- مع خلوّها عن اشتراط الحياة- كاشف عن ارتضائهم بذلك.

نعم لايكشف عن الأخذ الابتدائيّ بفتوى الميّت؛ فإنّ الدواعيّ منصرفة عن الرجوع إلى الميّت مع وجود الحيّ، ولم يكن في تلك الأزمنة تدوين الكتب الفتوائيّة متعارفاً، حتّى‌ يقال: إنّهم كانوا يراجعون الكتب؛ فإنّ الكتب الموجودة في تلك الأزمنة كانت منحصرة بكتب الأحاديث، ثمّ بعد أزمنة متطاولة صار بناؤهم على تدوين كتب نحو متون الأخبار، ككتب الصدوقين، ومن في طبقتهما، أو

[1]تقدّمت في الصفحة 80، راجع رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.

[2]تقدّمت في الصفحة 100، راجع رجال الكشّي 1: 15، وسائل الشيعة 18: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 45.


صفحه 134

قريب العصر بهما[1].

ثمّ بعد مرور الأزمنة، جرت عادتهم على تدوين الكتب التفريعيّة والاستدلاليّة، فلم يكن الأخذ من الأموات ابتداءً، ممكناً في الصدر الأوّل، ولا متعارفاً أصلًا.

نعم، من أخذ فتوى حيّ في زمان حياته، فقد كان يعمل بها على الظاهر؛ ضرورة عدم الفرق في ارتكازه بين الحيّ والميّت، ولم يرد ردع عن ارتكازهم وبنائهم العمليّ، بل إطلاق الأدلّة يقتضي الجواز أيضاً.

فتحصّل ممّا ذكرناه:أنّه لو كان مبنى‌ جواز البقاء على تقليد الميّت، هو بناء العقلاء، فلابدّ من التفصيل بين ما إذا أخذ فتوى الميّت في زمان حياته وغيره.

والإنصاف:أنّ جواز البقاء على فتوى الميّت بعد الأخذ منه في الجملة، هو الأقوى، وأمّا الأخذ الابتدائيّ ففيه إشكال، بل الأقوى عدم جوازه.

وأمّا التمسّك بالأدلّة اللّفظية كالكتاب والسنّة[2]، فقد عرفت في المبحث السالف؛ عدم دلالتهما على تأسيس حكم شرعيّ في هذا الباب، فراجع‌[3]

[1]كمحمّد بن الحسن بن الوليد، وجعفر بن محمّد بن قولويه، والشيخ المفيد وغيره.

[2]الفصول الغرويّة: 422 سطر 31.

[3]راجع الصفحة 127.


صفحه 135

الفصل الثالث في تبدّل الاجتهاد

تكليف المجتهد عند تبدّل رأيه‌

إذا اضمحلّ الاجتهاد السابق، وتبدلّ رأي المجتهد، فلايخلو إمّا أن يتبدلّ من القطع إلى القطع، أو إلى الظنّ المعتبر، أو من الظنّ المعتبر إلى القطع، أو إلى الظنّ المعتبر.

حال الفتوى المستندة إلى القطع‌

فإن تبدّل من القطع إلى غيره، فلا مجال للقول بالإجزاء؛ ضرورة أنّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه بحسب العلم والجهل، فإذا قطع بعدم كون السورة جزءً للصلاة، ثمّ قطع بجزئيّتها، أو قامت الأمارة عليها، أو تبدلّ قطعه، يتبيّن له في الحال الثاني- وجداناً أو تعبّداً- عدم كون المأتيّ به مصداق المأموربه، ومعه‌


صفحه 136

لا وجه للإجزاء.

ولايتعلّق بالقطع جعل حتّى‌ يتكلّم في دلالة دليله على إجزائه عن الواقع، أو بدليّته عنه، وإنّما هو عذر في صورة ترك المأموربه، فإذا ارتفع العذر يجب عليه الإتيان بالمأموربه في الوقت، وخارجه إن كان له قضاء.

حال الفتوى المستندة إلى الأمارات‌

وإن تبدّل من الظنّ المعتبر، فإن كان مستنده الأمارات كخبر الثقة وغيره، فكذلك إذا كانت الأمارة عقلائيّة أمضاها الشارع؛ ضرورة أنّ العقلاء إنّما يعملون على ماعندهم- كخبر الثقة والظواهر- بما أنّها كاشفة عن الواقع، وطريق إليه، ومن حيث عدم اعتنائهم باحتمال الخلاف، وإمضاءُ الشارع هذه الطريقة لايدلّ على رفع اليد عن الواقعيّات؛ وتبديل المصاديق الأوّلية بالمصاديق الثانويّة، أو جعل المصاديق الناقصة منزلة التامّة.

وربّما يقال:إنّ الشارع إذا أمر بطبيعة كالصلاة، ثمّ أمر بالعمل بقول الثقة، أو أجاز المأمور بالعمل به، يكون لازمه الأمر أو الإجازة بإتيان المأموربه على طبق ما أدّى‌ إليه قول الثقة، ولازم ذلك هو الإجزاء[1]. ففي مثل قوله تعالى:«أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‌ غَسَقِ اللَّيْلِ»[2]، يكون أمر بصلاتين إلى غسق اللّيل‌

[1]نهاية الاصول: 143- 144.

[2]الإسراء (17): 78.


صفحه 137

لاغير، فإذا أمر بالعمل على قول الثقة، فقد أمر بإتيان المأموربه بالكيفيّة التي أدّت إليها الأمارة، فلا محالة يكون المأتيّ به مصداقاً للمأمور به عنده، وإلّا لما أمر بإتيانه كذلك، فلا محيص عن الإجزاء؛ لتحقّق مصداق المأموربه، وسقوط الأمر.

ولكنّك خبير:بأنّ إمضاء طريقة العقلاء، ليس إلّالأجل تحصيل الواقعيّات؛ لمطابقة الأمارات العقلائيّة نوعاً للواقع، وضعف احتمال تخلّفها عنه، وفي مثل ذلك لاوجه لسقوط الأمر إذا تخلّف عن الواقع، كما أنّ الأمر كذلك عند العقلاء، والفرض أنّ الشارع لم يأمر تأسيساً.

بل وكذا الحال لو أمر الشارع بأمارة تأسيساً، وكان لسان الدليل هو التحفّظ على الواقع، فإنّ العرف لا يفهم منه إلّاتحصيل الواقع، لاتبديله بمؤدّى الأمارة.

وأنت إذا راجعت الأدلّة المستدلّ بها على حجّية خبر الثقة، لرأيت أنّ مفادها ليس إلّاإيجاب العمل به؛ لأجل الوصول إلى الواقعيّات، كالآيات على فرض دلالتها، وكالروايات، فإنّها تنادي بأعلى‌ صوتها بأنّ إيجاب العمل على قول الثقة، إنّما هو لكونه ثقة وغير كاذب، وأنّه موصل إلى الواقع، وفي مثله لايفهم العرف، أنّ الشارع يتصرّف في الواقعيّات على نحو أداء الأمارة.

هذا مع أنّ احتمال التأسيس في باب الأمارات العقلائيّة، مجرّد فرض، وإلّا فالناظر فيها يقطع بأنّ الشارع لم يكن في مقام تأسيس وتحكيم، بل في مقام إرشاد وإمضاء ما لدى العقلاء، والضرورة قاضية بأنّ العقلاء لايعملون على طبقها