بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 134

قريب العصر بهما[1].

ثمّ بعد مرور الأزمنة، جرت عادتهم على تدوين الكتب التفريعيّة والاستدلاليّة، فلم يكن الأخذ من الأموات ابتداءً، ممكناً في الصدر الأوّل، ولا متعارفاً أصلًا.

نعم، من أخذ فتوى حيّ في زمان حياته، فقد كان يعمل بها على الظاهر؛ ضرورة عدم الفرق في ارتكازه بين الحيّ والميّت، ولم يرد ردع عن ارتكازهم وبنائهم العمليّ، بل إطلاق الأدلّة يقتضي الجواز أيضاً.

فتحصّل ممّا ذكرناه:أنّه لو كان مبنى‌ جواز البقاء على تقليد الميّت، هو بناء العقلاء، فلابدّ من التفصيل بين ما إذا أخذ فتوى الميّت في زمان حياته وغيره.

والإنصاف:أنّ جواز البقاء على فتوى الميّت بعد الأخذ منه في الجملة، هو الأقوى، وأمّا الأخذ الابتدائيّ ففيه إشكال، بل الأقوى عدم جوازه.

وأمّا التمسّك بالأدلّة اللّفظية كالكتاب والسنّة[2]، فقد عرفت في المبحث السالف؛ عدم دلالتهما على تأسيس حكم شرعيّ في هذا الباب، فراجع‌[3]

[1]كمحمّد بن الحسن بن الوليد، وجعفر بن محمّد بن قولويه، والشيخ المفيد وغيره.

[2]الفصول الغرويّة: 422 سطر 31.

[3]راجع الصفحة 127.


صفحه 135

الفصل الثالث في تبدّل الاجتهاد

تكليف المجتهد عند تبدّل رأيه‌

إذا اضمحلّ الاجتهاد السابق، وتبدلّ رأي المجتهد، فلايخلو إمّا أن يتبدلّ من القطع إلى القطع، أو إلى الظنّ المعتبر، أو من الظنّ المعتبر إلى القطع، أو إلى الظنّ المعتبر.

حال الفتوى المستندة إلى القطع‌

فإن تبدّل من القطع إلى غيره، فلا مجال للقول بالإجزاء؛ ضرورة أنّ الواقع لا يتغيّر عمّا هو عليه بحسب العلم والجهل، فإذا قطع بعدم كون السورة جزءً للصلاة، ثمّ قطع بجزئيّتها، أو قامت الأمارة عليها، أو تبدلّ قطعه، يتبيّن له في الحال الثاني- وجداناً أو تعبّداً- عدم كون المأتيّ به مصداق المأموربه، ومعه‌


صفحه 136

لا وجه للإجزاء.

ولايتعلّق بالقطع جعل حتّى‌ يتكلّم في دلالة دليله على إجزائه عن الواقع، أو بدليّته عنه، وإنّما هو عذر في صورة ترك المأموربه، فإذا ارتفع العذر يجب عليه الإتيان بالمأموربه في الوقت، وخارجه إن كان له قضاء.

حال الفتوى المستندة إلى الأمارات‌

وإن تبدّل من الظنّ المعتبر، فإن كان مستنده الأمارات كخبر الثقة وغيره، فكذلك إذا كانت الأمارة عقلائيّة أمضاها الشارع؛ ضرورة أنّ العقلاء إنّما يعملون على ماعندهم- كخبر الثقة والظواهر- بما أنّها كاشفة عن الواقع، وطريق إليه، ومن حيث عدم اعتنائهم باحتمال الخلاف، وإمضاءُ الشارع هذه الطريقة لايدلّ على رفع اليد عن الواقعيّات؛ وتبديل المصاديق الأوّلية بالمصاديق الثانويّة، أو جعل المصاديق الناقصة منزلة التامّة.

وربّما يقال:إنّ الشارع إذا أمر بطبيعة كالصلاة، ثمّ أمر بالعمل بقول الثقة، أو أجاز المأمور بالعمل به، يكون لازمه الأمر أو الإجازة بإتيان المأموربه على طبق ما أدّى‌ إليه قول الثقة، ولازم ذلك هو الإجزاء[1]. ففي مثل قوله تعالى:«أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‌ غَسَقِ اللَّيْلِ»[2]، يكون أمر بصلاتين إلى غسق اللّيل‌

[1]نهاية الاصول: 143- 144.

[2]الإسراء (17): 78.


صفحه 137

لاغير، فإذا أمر بالعمل على قول الثقة، فقد أمر بإتيان المأموربه بالكيفيّة التي أدّت إليها الأمارة، فلا محالة يكون المأتيّ به مصداقاً للمأمور به عنده، وإلّا لما أمر بإتيانه كذلك، فلا محيص عن الإجزاء؛ لتحقّق مصداق المأموربه، وسقوط الأمر.

ولكنّك خبير:بأنّ إمضاء طريقة العقلاء، ليس إلّالأجل تحصيل الواقعيّات؛ لمطابقة الأمارات العقلائيّة نوعاً للواقع، وضعف احتمال تخلّفها عنه، وفي مثل ذلك لاوجه لسقوط الأمر إذا تخلّف عن الواقع، كما أنّ الأمر كذلك عند العقلاء، والفرض أنّ الشارع لم يأمر تأسيساً.

بل وكذا الحال لو أمر الشارع بأمارة تأسيساً، وكان لسان الدليل هو التحفّظ على الواقع، فإنّ العرف لا يفهم منه إلّاتحصيل الواقع، لاتبديله بمؤدّى الأمارة.

وأنت إذا راجعت الأدلّة المستدلّ بها على حجّية خبر الثقة، لرأيت أنّ مفادها ليس إلّاإيجاب العمل به؛ لأجل الوصول إلى الواقعيّات، كالآيات على فرض دلالتها، وكالروايات، فإنّها تنادي بأعلى‌ صوتها بأنّ إيجاب العمل على قول الثقة، إنّما هو لكونه ثقة وغير كاذب، وأنّه موصل إلى الواقع، وفي مثله لايفهم العرف، أنّ الشارع يتصرّف في الواقعيّات على نحو أداء الأمارة.

هذا مع أنّ احتمال التأسيس في باب الأمارات العقلائيّة، مجرّد فرض، وإلّا فالناظر فيها يقطع بأنّ الشارع لم يكن في مقام تأسيس وتحكيم، بل في مقام إرشاد وإمضاء ما لدى العقلاء، والضرورة قاضية بأنّ العقلاء لايعملون على طبقها


صفحه 138

إلّا لتحصيل الواقع، وحديث تبديل الواقع بما يكون مؤدّى الأمارة[1]، ممّا لا أصل له في طريقتهم، فالقول بالإجزاء فيها ضعيف غايته.

وأضعف منه التفصيل بين تبدّل الاجتهاد الأوّل بالقطع فلايجزي، وبين تبدلّه باجتهاد آخر فيجزي، بدعوى عدم الفرق بين الاجتهادين الظنّيين، وعدم ترجيح الثاني حتّى‌ يبطل الأوّل‌[2].

وذلك لأنّ تبدّل الاجتهاد لايمكن إلّامع اضمحلال الاجتهاد الأوّل؛ بالعثور على دليل أقوى‌، أو بالتخطئة للاجتهاد الأوّل، ومعه لاوجه لاعتباره، فضلًا عن مصادمته للثاني، هذا حال الفتوى المستندة إلى الأمارات.

حال الفتوى المستندة إلى الاصول‌

وأمّا إذا استندت إلى الاصول، كأصالتي الطهارة والحلّية في الشبهات الحكميّة، وكالاستصحاب فيها، وكحديث الرفع‌[3]، فالظاهر هو الإجزاء مع اضمحلال الاجتهاد:

أمّا في أصالتي الطهارة والحلّ؛ فلأنّ الظاهر من دليلهما، هو جعل الوظيفة الظاهريّة لدى الشكّ في الواقع؛ فإنّ معنى قوله:

(كلّ شي‌ء نظيف حتّى‌ تعلم أنّه‌

[1]راجع فرائد الاصول: 27 سطر 10.

[2]حاشية السيّد على المكاسب: 93 سطر 2.

[3]التوحيد 353/ 24، الخصال: 417/ 9، وسائل الشيعة 11: 295، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس وما يناسبه، الباب 56، الحديث 1.


صفحه 139

قذر)[1]

، و

(كلّ شي‌ء ... حلال حتّى‌ تعرف أنّه حرام بعينه ...)[2]

، ليس أنّه طاهر وحلال واقعاً، حتّى‌ تكون النجاسة والحرمة متقيّدتين بحال العلم بهما؛ ضرورة أنّه التصويب الباطل، ولامعنى لجعل المحرزيّة والكاشفيّة للشكّ مع كونه خلاف أدلّتهما، ولا لجعلهما لأجل التحفّظ على الواقع.

بل الظاهر من أدلّتهما، هو جعل الطهارة والحلّية الظاهريّتين، ولامعنى لهما إلّا تجويز ترتيب آثار الطهارة والحلّية على المشكوك فيه، ومعنى‌ تجويز ترتيب الآثار، تجويز إتيان ما اشترطت فيه الطهارة والحليّة مع المشكوك فيه، فيصير المأتيّ به معهما مصداق المأموربه تعبّداً، فيسقط أمره.

فإذا دلّ الدليل على لزوم إتيان الصلاة مع طهارة الثوب، ثمّ شكّ في طهارة ثوبه، دلّ قوله:

(كلّ شي‌ء طاهر)

- الذي يرجع إلى جواز ترتيب الطهارة على الثوب المشكوك فيه- على جواز إتيان الصلاة معه، وتحقّق مصداق الصلاة به، فإذا تبدّل شكّه بالعلم، لايكون من قبيل كشف الخلاف، كما ذكرنا في الأمارات؛ لأنّها كواشف عن الواقع، فلها واقع تطابقه أو لا تطابقه، بخلاف مؤدّى الأصلين، فإنّ مفاد أدلّتهما ترتيب آثار الطهارة أو الحلّية بلسان جعلهما، فتبديل الشكّ بالعلم من قبيل تبديل الموضوع، لا التخلّف عن الواقع، فأدلّتهما حاكمة على أدلّة

[1]تهذيب الأحكام 1: 284/ 832، وسائل الشيعة 2: 1054، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 4.

[2]الكافي 5: 313/ 40، تهذيب الأحكام 7: 226/ 989، وسائل الشيعة 12: 60، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به، الباب 4، الحديث 4 وفيه: «تعلم» بدل «تعرف».


صفحه 140

جعل الشروط والموانع في المركّبات المأمور بها.

وبالجملة:إذا أمر المولى‌ بإتيان الصلاة مع الطهارة، وأجاز الإتيان بها في ظرف الشكّ مع الثوب المشكوك فيه بلسان جعل الطهارة، وأجاز ترتيب آثار الطهارة الواقعيّة عليه، ينتج جواز إتيان الصلاة المأمور بها مع الطهارة الظاهريّة، ومعاملة المكلّف معها معاملة الطهارة الواقعيّة، فيفهم العرف من ذلك حصول مصداق المأموربه معها، فيسقط الأمر، وبعد العلم بالنجاسة لايكون من قبيل كشف الخلاف، كما في الأمارات الكاشفة عن الواقع.

ولايبعد أن يكون الأمر كذلك في الاستصحاب؛ فإنّ الكبرى المجعولة فيه وهي قوله:

(لاينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً)[1]

ليس مفادها جعل اليقين أمارة بالنسبة إلى‌ زمان الشكّ؛ ضرورة عدم كاشفيّته بالنسبة إليه عقلًا؛ لامتناع كونه طريقاً إلى‌ غير متعلّقه، ولا معنى‌ لجعله طريقاً إلى‌ غيره، فلا يكون الاستصحاب من الأمارات.

بل ولا يكون جعله للتحفّظ على الواقع، كإيجاب الاحتياط في الشبهة البدويّة في الأعراض والدماء، فإنّه أيضاً خلاف مفادها، وإن احتملناه بل رجّحناه سابقاً[2]

[1]تهذيب الأحكام 1: 8/ 11، وسائل الشيعة 1: 174، كتاب الطهارة، أبواب نواقض الوضوء، الباب 1، الحديث 1.

[2]أنوار الهداية 2: 181.


صفحه 141

بل الظاهر منها:أنّه لا ينبغي للشاكّ الذي كان على‌ يقين، رفع اليد عن آثاره، فيجب عليه ترتيب آثاره، فيرجع إلى‌ وجوب معاملة بقاء اليقين الطريقيّ معه في زمان الشكّ، وهو مساوق عرفاً لتجويز إتيان المأموربه- المشروط بالطهارة الواقعيّة مثلًا- مع الطهارة المستصحبة، ولا زم ذلك صيرورة المأتيّ به معها مصداقاً للمأمور به، فيسقط الأمر المتعلّق به.

وبالجملة:يكون حاله في هذا الأثر كحال أصالتي الطهارة والحلّ؛ من حيث كونهما أصلين عمليّين، ووظيفةً في زمان الشكّ، لا أمارة على الواقع، ولا أصلًا للتحفّظ عليه، حتّى‌ يأتي فيه كشف الخلاف.

ويدلّ على‌ ذلك صحيحة زرارة الثانية، حيث حكم فيها بغسل الثوب، وعدم إعادة الصلاة معلّلًا: ب

(أنّه كان على‌ يقين من طهارته فشكّ، وليس ينبغي له أن ينقض اليقين بالشكّ)[1].

وكذا الحال فيما إذا كان المستند حديث الرفع، فإنّ قوله:

(رفع ... ما لايعلمون)

- بناء على شموله للشبهات الحكميّة والموضوعيّة[2]- لسانه رفع الحكم والموضوع باعتبار الحكم.

لكن لابدّ من رفع اليد عن هذا الظاهر حتّى‌ بالنسبة إلى الشبهات‌

[1]علل الشرائع: 361/ 1، تهذيب الأحكام 1: 421/ 1335، الاستبصار 1: 183/ 641، وسائل الشيعة 2: 1053، كتاب الطهارة، أبواب النجاسات، الباب 37، الحديث 1.

[2]راجع أنوار الهداية 2: 33- 39.