بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 158

الميّت على خطأ عنده، فلا يشكّ حتّى‌ يجري الاستصحاب.

وكذا لايجوز له إجراء الاستصحاب للمقلّد؛ لكونه غير شاكّ فيها، لقيام الأمارة لديه؛ وهي فتوى الحيّ.

بل لايجري بالنسبة إليه ولو مع قطع النظر عن فتوى الحيّ، لأنّ المجتهد في الشبهات الحكميّة، يكون مشخصاً لمجاري الاصول، وأمّا الأحكام- اصوليّة، أو فرعيّة- فلا اختصاص لها بالمجتهد، بل هي مشتركة بين العالم والجاهل، فحينئذٍ لو رأى‌ خطأ الميّت، وقيام الدليل على خلافه، فلا محالة يرى‌ عدم جريان الاستصحاب؛ لاختلال أركانه، وهو أمر مشترك بينه و بين جميع المكلّفين.

هل يرجع بفتوى الثالث إلى الأوّل أو الثاني؟

وبما ذكرناه تظهر مسألة اخرى‌:وهي أنّه لو قلّد مجتهداً في الفروع فمات، فقلّد مجتهداً يرى‌ وجوب الرجوع، فرجع إليه فمات، فقلّد مجتهداً يرى‌ وجوب البقاء، يجب عليه الرجوع إلى‌ فتوى المجتهد الأوّل؛ لقيام الأمارة الفعليّة على‌ بطلان فتوى الثاني بالرجوع، فيرى‌ أنّ رجوعه عن الميّت الأوّل كان باطلًا، فالميزان على الحجّة الفعليّة؛ وهي فتوى الحيّ.

والقول:بجواز البقاء على‌ رأي الثاني برأى الثالث‌[1]، غير صحيح؛ لأنّ الثالث يرى‌ بطلان رأي الثاني في المسألة الاصوليّة، وعدم صحّة رجوع المقلّد

[1]الاجتهاد والتقليد، الشيخ الأعظم الأنصاريّ، ضمن مجموعة رسائل: 66، العروة الوثقى 1: 22 مسألة 61.


صفحه 159

عن تقليد الأوّل، فقامت عند المقلّد فعلًا أمارة على بطلانه، فلا معنى لبقائه فيها.

كلام العلّامة الحائري قدس سره‌

هذا، وأمّا شيخنا العلّامة أعلى اللَّه مقامه،- فبعدما نقل كلام شيخنا الأعظم قدس سره‌[1]: من كون المقام- إشكالًا وجواباً- نظير ما قيل‌[2]في شمول أدلّة حجّية خبر الثقة، لخبر السيّد[3]بعدم حجّيته‌[4]، وأجاب عنه بمثل ما أجاب في‌

[1]مطارح الأنظار: 272 سطر 23.

[2]فرائد الاصول: 74 سطر 14، حاشية الآخوند على الرسائل: 63 سطر 5، فوائد الاصول 3: 177.

[3]المراد به سيّد علماء الامّة، وعلم هداها، الإمام الفقيه، المتكلّم الأديب؛ أبوالقاسم عليّ بن الحسين بن موسى‌ الموسوي المرتضى‌. ولد سنة 355 ه، وتخرّج بالشيخ المفيد قدس سره، حتّى‌ تفرّد بالعلوم، وحاز منها ما لم يدانه فيها أحد. كان رحمه الله معروفاً بالعلم مع العمل الكثير في السرّ، وبالمواظبة على تلاوة القرآن، وقيام اللّيل، وإفادة العلم، مع ما كان عليه من البلاغة وفصاحة اللهجة. انتهت إليه الرئاسة في المجدوالشرف والعلم والأدب والفضل والكرم، ولمّا يبلغ العشرين. وهو أوّل من جعل داره داراً للعلم، وقدّرها للمناظرة، كما أ نّه طاب ثراه أوّل من بسط كلام الشيعة الإماميّة في الفقه، وناظر الخصوم، واستخرج الغوامض، وقيّد المسائل، لذا عدّه ابن الأثير مجدّدمذهب الإماميّة على رأس المائة الرابعة للهجرة. له كتب في علوم القرآن وتفسيره والكلام والفقه واصوله والأدب والشعر، تنوف على الثمانين كتاباً توفيّ رحمه الله سنة 436 ه.

انظر فهرست الشيخ 98/ 421، وجامع الاصول 11: 323، وتتمّة اليتيمة 1: 53، ولسان الميزان 4: 223.

[4]الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 528 وما بعدها، رسائل الشريف المرتضى، ضمن المجموعة الاولى‌: 24 والمجموعة الثالثة: 309.


صفحه 160

ذلك المقام‌[1].

وبعد بيان الفرق بين المقامين: بأنّه لم يلزم في المقام التخصيص المستهجن واللّغز والمعمّى‌؛ لعدم عموم صادر من المعصوم فيه-قال ما ملخّصه:

المحقّق في المقام فتوى: أنّه لايمكن الأخذ بكليهما؛ لأنّ المجتهد بعد ما نزّل نفسه منزلة المقلّد في كونه شاكّاً، رأى‌ هنا طائفتين من الأحكام ثابتتين للمقلّد:

إحداهما:فتوى الميّت في الفروع.

وثانيتهما:الفتوى في الاصول الناظرة إلى الفتاوى‌ في الفروع، والمسقطة لها عن الحجّية، فيرى أركان الاستصحاب فيهما تامّة.

ثمّ قال:لا محيص من الأخذ بالفتوى الاصوليّة؛ فإنّه لو اريد في الفرعيّة استصحاب الأحكام الواقعيّة، فالشكّ في اللّاحق موجود، دون اليقين السابق:

أمّا الوجدانيّ فواضح.

وأمّا التعبّدي، فلارتفاعه بموت المفتي، فصار كالشكّ الساري.

وإن اريد استصحاب الحكم الظاهريّ الجائي من قبل دليل اتباع الميّت، فإن اريد استصحابه مقيّداً بفتوى الميّت، فالاستصحاب في الاصوليّة حاكم عليه؛ لأنّ الشكّ في الفرعيّة مسبّب عن الشكّ فيها.

وإن اريد استصحاب ذات الحكم الظاهريّ، وجعل كونه مقول قول الميّت جهة تعليليّة، فاحتمال ثبوته إمّا بسبب سابق، فقد سدّ بابه الاستصحاب الحاكم،

[1]درر الفوائد: 386- 387.


صفحه 161

أو بسبب لاحق فهو مقطوع العدم؛ إذ مفروض الكلام صورة مخالفة فتوى الميّت للحيّ.

نعم، يحتمل بقاء الحكم الواقعيّ، لكن لايكفي ذلك في الاستصحاب؛ لأنّه مع الحكم الظاهريّ في رتبتين وموضوعين، فلايكون أحدهما بقاء الآخر، لكن يجري استصحاب الكلي، بناءً على جريانه في القسم الثالث.

وإن اريد استصحاب حجّية الفتاوى الفرعيّة، فاستصحاب الحجّية في الاصوليّة حاكم عليه؛ لأنّ شكّه مسبّب عنه، لأنّ عدم حجّية تلك الفتاوى‌ أثر لحجّية هذه، وليس الأصل مثبتاً؛ لأنّ هذا من الآثار الثابتة لذات الحجّة، الأعمّ من الظاهريّة والواقعيّة.

ثمّ رجع عمّا تقدّم، واختار عدم جريان الاستصحاب في الاصوليّة؛ فإنّ مقتضى‌ جريانه الأخذ بخلاف مدلوله، ومثله غير مشمول لأدلّة الاستصحاب؛ فإنّ مقتضى‌ الأخذ باستصحاب هذه الفتوى، سقوط فتاويه عن الحجّية، ومقتضى سقوطها الرجوع إلى الحيّ، وهو يفتي بوجوب البقاء، فالأخذ بالاستصحاب في الاصوليّة- التي مفادها عدم الأخذ بفتاويه في الفرعيّات- لازمه الأخذ في الفرعيّات بها.

وهذا باطل وإن كان اللّزوم لأجل الرجوع إلى الحيّ، لالكون مفاد الاستصحاب ذلك؛ إذ لافرق في الفساد بين الاحتمالين.

هذا مضافاً إلى أنّ المسؤول عنه في الفرعيّات المسألة الاصوليّة؛ أعني من المرجع فيها، فلا ينافي مخالفة الحيّ للميّت في نفس الفروع مع إفتائه بالبقاء في‌


صفحه 162

المسألة الاصوليّة، وأمّا الفتوى الاصوليّة، فنفسها مسؤول عنها، ويكون الحيّ هو المرجع فيها، وفي هذه المسألة لامعنى للاستصحاب بعد أن يرى الحيّ خطأ الميّت، فلاحالة سابقة حتّى‌ تستصحب‌[1]. انتهى‌.

الإيراد على مختار العلامة الحائري قدس سره‌

وفيه محالّ للنظر:

منها:أنّ الاستصحاب في الأحكام الواقعيّة في المقام، لايجري ولو فرض وجود اليقين السابق؛ لعدم الشكّ في البقاء، فإنّ الشكّ فيه إمّا ناشئ من احتمال النسخ، أو احتمال فقدان شرط، أو وجدان مانع، والكلّ مفقود.

بل الشكّ فيه ممحّض في حجّية الفتوى‌، وجواز العمل بها، وإنّما يتصوّر الشكّ في البقاء إذا قلنا: بالسببيّة والتصويب.

ومنها:أنّ حكومة الأصل في المسألة الاصوليّة عليه في الفرعيّة ممنوعة؛ لأنّ المجتهد إذا قام مقام المقلّد- كما هو مفروض الكلام- يكون شكّه في جواز العمل على فتاوى الميّت في الاصول والفروع، ناشئاً من الشكّ في اعتبار الحياة في المفتي، وجوازُ العمل في كلّ من الطائفتين مضادٌّ للآخر، ومقتضى‌ جواز كلّ عدم جواز الآخر.

ولو قيل:إنّ مقتضى‌ إرجاع الحيّ إيّاه إلى الميّت، سببيّة شكّه في الاصوليّة.

[1]الاجتهاد و التقليد، آية اللَّه المحقّق الأراكي، ضمن كتاب البيع 2: 488- 493.


صفحه 163

قلنا:هذا خلاف المفروض، وإلّا فلا يبقى‌ مجال للشكّ له في هذه المسألة، ففرض الشكّ فيما لم يقلّد الحيّ فيها.

هذا مضافاً إلى أنّ مطلق كون الشكّ مسبّباً عن الآخر، لايوجب التحكيم، كما قرّرنا في محلّه مستقصىً‌[1].

وملخّصه:أنّ وجه تقدّم الأصل السببيّ؛ هو أنّ الأصل في السبب منقّح لموضوع دليل اجتهاديّ ينطبق عليه بعد التنقيح، والدليل الاجتهاديّ بلسانه حاكم على الأصل المسببيّ، فإذا شكّ في طهارة ثوب غسل بماء شكّ في كرّيته، فاستصحاب الكرّية ينقّح موضوع الدليل الاجتهاديّ الدالّ على أنّ ما غسل بالكرّ يطهر، وهو حاكم على الأصل المسبّبي بلسانه.

وإن شئت قلت:إنّه لامناقضة بين الأصل السببيّ والمسبّبي؛ لأنّ موضوعيهما مختلفان، والمناقض للأصل المسبّبي إنّما هو الدليل الاجتهاديّ بعد تنقيح موضوعه؛ حيث دلّ- بضمّ الوجدان وتطبيقه على الخارج- على «أنّ هذا الثوب المغسول بهذا الماء طاهر» والاستصحاب في المسبّبي مفاده «أنّ هذا الثوب المشكوك في نجاسته وطهارته نجس» ومعلوم أنّ لسان الأوّل حاكم على الثاني.

وتوّهم:أنّ مقتضى الأصل السببيّ، هو ترتيب جميع آثار الكرّية على الماء، ومنها ترتيب آثار طهارة الثوب‌[2]

[1]الاستصحاب، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 244، 245، 252.

[2]فرائدالاصول: 424 سطر 22، كفاية الاصول: 49، درر الفوائد: 631، فوائدالاصول 4: 681.


صفحه 164

مدفوع أوّلًا:بأنّ مفاد الاستصحاب، ليس إلّاعدم نقض اليقين بالشكّ، فإذا شكّ في كرّية ماء كان كرّاً، لايكون مقتضى‌ دليل الاستصحاب إلّاالتعبّد بكون الماء كرّاً، وأمّا لزوم ترتيب الآثار، فبدليل آخر هو الدليل الاجتهاديّ.

والشاهد عليه:- مضافاً إلى‌ ظهور أدلّته- أنّ لسان أدلّته في استصحاب الأحكام والموضوعات واحد، فكما أنّ استصحاب الأحكام ليس إلّاالبناء على تحقّقها، لا ترتيب الآثار، فكذلك استصحاب الموضوعات.

نعم، لابدّ في استصحابها من دليل اجتهادي، ينقّح موضوعه بالاستصحاب.

وثانياً:بأنّ لازم ذلك، عدم تقدّم السببيّ على المسبّبي؛ فإنّ قوله: «كلّما شككت في بقاء الكرّ فابنِ على طهارة الثوب المغسول به» لايقدّم على قوله: «إذا شككت في طهارة الثوب الكذائي فابنِ على نجاسته».

ولايراد باستصحاب نجاسة الثوب سلب الكرّية، حتّى‌ يقال: إنّ استصحاب النجاسة لايسلبها إلّابالأصل المثبت‌[1]، بل يراد إبقاء النجاسة في الثوب فقط، ولايضرّ في مقام الحكم الظاهريّ التفكيك بين الآثار، فيحكم ببقاء كرّية الماء، وبقاء نجاسة الثوب المغسول به.

إذا عرفت ذلك اتضح لك، عدم تقدّم الأصل في المسألة الاصوليّة على الفرعيّة؛ لعدم دليل اجتهاديّ موجب للتحكيم، ومجرّد كون مفاد المستصحب في الاصوليّة «أنّه لايجوز العمل بفتاواي عند الشكّ» لايوجب التقدّم على ما كان‌

[1]فوائد الاصول 4: 684- 685.


صفحه 165

مفاده: «يجوزالعمل بفتاواي الفرعيّة لدى الشكّ» فإنّ كلًاّ منهمايدفع الآخر وينافيه.

وممّا ذكرناه يظهر النظر فيما أفاده: من حكومة استصحاب حجّية الفتوى‌ في المسألة الاصوليّة، على استصحاب حجّيتها في المسائل الفرعيّة؛ فإنّ البيان والإيراد فيهما واحد لدى التأمّل.

هذا مضافاً إلى ما تقدّم:من عدم جريان استصحاب الحجّية؛ لاالعقلائية منها، ولا الشرعيّة[1].

ومنها:أنّ ما أفاده من تقديم الأصل في الفتوى الاصوليّة ولو اريد استصحاب الحكم الظاهريّ بجهة تعليليّة، غير وجيه وإن قلنا: بتقديم الأصل السببيّ في الفرض المتقدّم على الأصل المسبّبي؛ لأنّ نفي المعلول باستصحاب نفي العلّة، مثبت وإن كانت العلّة شرعيّة؛ فإنّ ترتّب المسبّب على السبب، عقليّ ولو كان السبب شرعيّاً.

نعم، لو ورد دليل على «أنّه إذا وجد ذا وجد ذاك» لايكون الأصل مثبتاً، كقوله:

(إذا غلى‌ العصير أو نشّ‌[2]حرم)[3]

وهو في المقام مفقود.

ومنها:أنّ بناءه على جريان استصحاب الكلي الجامع بين الحكم الظاهريّ‌

[1]تقدّم في الصفحة 126- 127.

[2]أي صوّت عند الغليان، راجع أقرب الموارد 2: 1301.

[3]الكافي 6: 419/ 4، تهذيب الأحكام 9: 120/ 515، وسائل الشيعة 17: 229، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الأشربة المحرمة، الباب 3، الحديث 4، هذا والموجود في المصادر تقديم النشيش على الغليان، فراجع.