بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 28

بل لقوله:

(حلالنا وحرآمنا)

فإنّ الحلال والحرام مع كونهما من اللَّه تعالى‌ لا منهم، إنّما نسبا إليهم لكونهم مبيّنين لهما، وأنّهم محالّ أحكام اللَّه، فمعنى النظر في حرامهم وحلالهم، هو النظر في الفتاوى‌ والأخبار الصادرة منهم، فجعل المنصب لمن نظر في الحلال والحرام الصادرين منهم؛ أي الناظر في أخبارهم وفتاويهم، وهو شأن الفقيه لا العامّي، لأنّه ناظر في فتوى الفقيه، لا في أخبار الأئمّة.

ودعوى‌ إلغاء الخصوصيّة عرفاً، مجازفة محضة؛ لقوّة احتمال أن يكون للاجتهاد والنظر في أخبارهم مدخليّة في ذلك، بل لو ادّعى أحد القطع بأنّ منصب الحكومة والقضاء- بما لهما من الأهمّية، وبمناسبة الحكم والموضوع- إنّما جعل للفقيه لا العامّي، فليس بمجازف.

ويمكن الاستدلال بقوله:

(عرف أحكامنا)

من إضافة «الأحكام» إليهم كما مرّ بيانه، ومن مفهوم (عرف) فإنّ عرفان الشي‌ء لغة[1]وعرفاً ليس مطلق العلم به، بل متضمّن لتشخيص خصوصيّات الشي‌ء وتمييزه من بين مشتركاته، فكأنّه قال:

«إنّما جعل المنصب لمن كان مشخّصاً لأحكامنا، ومميّزاً فتاوينا الصادرة لأجل بيان الحكم الواقعيّ وغيرها- ممّا هي معلّلة ولو بمؤونة التشخيصات والمميّزات الواردة من الأئمّة عليهم السلام- لكونها مخالفة للعامّة، أو موافقة للكتاب»[2]ومعلوم أنّ هذه الصفة من مختصّات الفقيه، وغيره محروم منها.

وبالجملة:يستفاد من الفقرات الثلاث التي جعلت معرِّفة للحاكم‌

[1]مفردات الراغب: 331، المصباح المنير: 481.

[2]راجع التعادل والترجيح، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 181- 199.


صفحه 29

المنصوب، أنّ ذلك هو الفقيه، لا العامّي.

ويدلّ على المقصود قوله فيها: «وكلاهما اختلفا في حديثكم»، فإنّ الظاهر من «الاختلاف» فيه هو الاختلاف في معناه، لا في نقله، وهو شأن الفقيه، بل الاختلاف في الحكم الناشئ من اختلاف الروايتين، لا يكون- نوعاً- إلّامع الاجتهاد وردّ كلّ منهما رواية الآخر، وليس هذا شأن العامّي، فتدلّ هذه الفقرة على‌ أنّ المتعارف في تلك الأزمنة، هو الرجوع إلى الفقيه.

ويدلّ عليه أيضاً قوله:

(الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما)

، وقوله فيما بعد: «أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة» فإنّ المستفاد من جميع ذلك، كون الفقاهة مفروغاً عنها في القاضي، ولا إشكال في عدم صدق «الفقيه» و «الأفقه» على العامّي المقلّد.

ويدلّ قوله:

(فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً)

على‌ أنّ للفقيه- مضافاً إلى‌ منصب القضاء- منصب الحكومة أيّة حكومة كانت؛ لأنّ الحكومة مفهوماً أعمّ من القضاء المصطلح، والقضاءُ من شعب الحكومة والولاية، ومقتضى المقبولة أنّه عليه السلام جعل الفقيه حاكماً ووالياً، ودعوى الانصراف‌[1]، غير مسموعة، فللفقيه الحكومة على الناس فيما يحتاجون إلى الحكومة من الامور السياسيّة والقضائيّة، والمورد لايوجب تخصيص الكبرى الكلّيّة.

هذا مع منع كون المورد خصوص القضاء المصطلح؛ فإنّ قوله في الصدر:

[1]منية الطالب 1: 327 (الهامش).


صفحه 30

«فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة» يدلّ على‌ أعمّية المورد ممّا يكون مربوطاً بالقضاء كباب القضاء، أو إلى السلطان والوالي، فإنّ ما يرجع إليه غير ما يرجع إلى القضاة نوعاً؛ فإنّ شأنهم التصرّف في الامور السياسيّة، فمع أعميّة الصدر من القضاء، لا وجه لاختصاص الحاكميّة به.

فحينئذٍ مقتضى الإطلاق جعل مطلق الحكومة- سياسيّة كانت أو قضائيّة- للفقيه، وسؤال السائل بعده عن مسألة قضائيّة، لا يوجب اختصاص الصدر بها، كما هو واضح.

وقوله:

(إذا حكم بحكمنا)

ليس المراد الفتوى بحكم اللَّه جزماً، بل النسبة إليهم لكون الفقيه حاكماً من قبلهم، فكان حكمه حكمَهم، وردُّه ردَّهم.

هل الاجتهاد المطلق شرط أم لا؟

ثمّ إنّ الجمع المضاف وإن كان يفيد العموم، وكذا المصدر المضاف، ولازمه جعل المنصب لمن عرف جميع الأحكام، لكن لا يستفاد منهما العموم في المقام:

أمّا أوّلًا:فلأنّ وقوع الفقرات في مقابل المنع عن الرجوع إلى حكّام الجور وقضاتهم، يمنع عن استفادة العموم، بل الظاهر أن يكون المنصب- لمن عرف أحكامهم، ونظر في حلالهم وحرامهم- في مقابل المنحرفين عنهم الحاكمين باجتهادهم ورأيهم، بل الظاهر صدق قوله:

(عرف أحكامنا)

وغيره، على من عرف مقداراً معتدّاً به منها.

والمراد ب «رواية الحديث» ليس هو الرواية للغير؛ ضرورة عدم مدخليّتها


صفحه 31

في جعل المنصب، بل المراد أن تكون فتواه على‌ طبق الرواية، ولمّا كان المتعارف في تلك الأزمنة الإفتاء بصورة الرواية[1]، قال:

(روى‌ حديثنا)

. وأمّا ثانياً: فلأنّ الظاهر من قوله:

(عرف أحكامنا)

هو المعرفة الفعليّة، وهي غير حاصلة بجميع الأحكام لغير الأئمّة؛ بل غير ممكنة عادة، فجعل المنصب له لغو فليس المراد معرفة جميع الأحكام، وصرفها إلى‌ قوّة المعرفة وملكة الاستنباط، ممّا لا وجه له، فيجب صرفها- على فرض الدلالة- إلى‌ معرفة الأحكام بمقدار معتدّ به.

وأمّا ثالثاً:فعلى فرض إمكان المعرفة الفعليّة بجميع الأحكام، لا طريق لتشخيص هذا الفقيه، فمن أين علم أنّه عارف فعلًا بجميع الأحكام؟! فلا معنى للأمر بالرجوع إليه، فلابدّ من الحمل على غيره، لكن يجب أن يكون بحيث يصدق عليه «أنّه ممّن روى الحديث، وعرف أحكامهم» وهو من عرف مقداراً معتدّاً به منها، وعليه تحمل صحيحة أبي خديجة[2]

[1]انظر الصفحة 27.

[2]أبو خديجة: هو الشيخ الصالح الثقة الثقة؛ سالم بن مُكْرَم بن عبد اللَّه الكُناسيّ، صاحب الغنم، مولى‌ بني أسد الجمّال. كان يكنّى‌، «بأبي خديجة» فكنّاه الصادق عليه السلام «أبا سلمة» وكان سالم أوّلًا من أصحاب أبي الخطّاب، فبعث والي الكوفة إليهم رجلًا فقتلهم جميعاً، ولم يفلت منهم إلّاأبو خديجة، فقد سقط على الأرض جراء الجراحات التي أصابته، فلمّا جنّه اللّيل خرج من بينهم وتاب. روى‌ عن الصادق والكاظم عليهما السلام وعن سعدالإسكاف، والمعلّى‌ بن خنيس، وروى عنه أحمد بن عائذ، وعبد الرحمان بن أبي هاشم، وعبد الرحمان بن محمّد الأسدي.

انظررجال النجّاشي 188/ 501، ورجال الكشّي 2: 641، ومعجم رجال الحديث 8: 26- 27.


صفحه 32

الآتية[1].

فاعتبارالاجتهاد المطلق سواء كان بمعنى الملكة أو بمعنى العلم الفعليّ، ممّا لا دليل عليه، بل الأدلّة على خلافه، نعم لا إشكال في اعتبار علمه بجميع ما وليه.

ثمّ إنّ الرواية لمّا كانت في مقام التحديد وبيان المعرِّف للمنصوب، يجب أخذ جميع القيود فيها قيداً إلّاما يدلّ العقل أو يفهم العرف عدم دخالته كما أشرنا إليه، وفقه الحديث كَمَلًا وبيان الأحكام المستفادة منه، موكول إلى‌ كتاب القضاء.

الاستدلال بروايتي القدّاح وأبي البختريّ‌

وممّا يمكن الاستدلال عليه للمطلوب صحيحة القدّاح‌

( نور في ظلمات الأرض)[2]وضعيفة أبي البختريّ‌[3]

[1]تأتي في الصفحة 34- 38.

[2]القدّاح: هو الشيخ الثقة؛ عبد اللَّه بن ميمون بن الأسود المكّي، مولى‌ بني مخزوم. كان يبري القداح (أي السهام قبل أن تُراشَ وتركّب نُصولها) فعرف «بالقدّاح». وقد ورد أنّ الإمام الصادق عليه السلام وصفه بأنّه‌

(نور في ظلمات الأرض)

روى‌ عنه عليه السلام وعن أبي عبيدة الحذّاء، وروى‌ عنه جعفر بن محمّد الأشعري، والحسن بن عليّ بن فضّال، وعبد اللَّه بن المغيرة.

انظر رجال النجّاشي: 213/ 557، ورجال الكشّي 2: 514 و 687، ومعجم رجال الحديث 10: 356- 357.

[3]أبو البختريّ: هو وهب بن وهب القاضي القرشيّ المدنيّ، روى عن الصادق عليه السلام، وكان من أكذب أهل البريّة عامّياً، إلّاأنّ له عنه عليه السلام أحاديث كلّها يوثق بها، كما عن ابن الغضائريّ، وله أحاديث مع الرشيد في الكذب، وكان الصادق عليه السلام قد تزوّج بأمّ وهب، روى عنه الحسن بن محبوب، وعثمان بن عيسى، ومحمّد بن أبي عمير.

انظر رجال النجّاشي: 430/ 1155، ورجال الكشّي 2: 597، ورجال الشيخ: 327/ 19، ومجمع الرجال 6: 198.


صفحه 33

ففي الاولى‌: (وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورّثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورّثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظّ وافر)[1].

وفي الثانية قال: (إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشي‌ء منها فقد أخذ حظّاً وافراً ...)الحديث‌[2].

بأن يقال:إنّ مقتضى إخباره ب

(أنّ العلماء ورثة الأنبياء)

أنّ لهم الوراثة في كلّ شي‌ء كان من شأن الأنبياء، ومن شأنهم الحكومة والقضاء، فلابدّ وأن تكون الحكومة مطلقاً مجعولة لهم، حتّى‌ يصحّ هذا الإطلاق أو الإخبار.

وتذييلهما بقوله:

(و لكن ورّثوا العلم)

أو

(إنّما أورثوا أحاديث)

لا يوجب تخصيص الوراثة بهما؛ لعدم استفادة الحصر الحقيقيّ منهما حتّى الثانية:

أمّا أوّلًا:فلأنّهما في مقابل عدم وراثة الدرهم والدينار، فالحصر إضافيّ.

وأمّا ثانياً:فلأنّ الحمل على الحقيقيّ موجب لمخالفة الواقع؛ لأنّ ميراث الأنبياء لاينحصر بهما، فالزهد والتقوى‌ وسائر الكمالات من ميراث الأنبياء، كما أنّ الولاية والقضاء منه.

[1]الكافي 1: 26/ 1.

[2]الكافي 1: 24/ 2، وسائل الشيعة 18: 53، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 2.


صفحه 34

ولكن للنظر فيه مجال واسع؛ فإنّ قوله:

(العلماء ورثة الأنبياء)

ليس إنشاءً، بل إخبار، ويكفي في صدقه كونهم ورثة في العلم والحديث، ولا يلزم الإخبار عن وراثتهم كونهم ورّاثاً في جميع شؤونهم.

نعم، لو كان في مقام الإنشاء والجعل لأمكن دعوى‌ إطلاقه على‌ إشكال، لكنّه ليس كذلك كما لا يخفى‌.

بحث حول مشهورة أبي خديجة وصحيحته‌

ومن الروايات الدالّة على المطلوب مشهورة أبي خديجة؛ وهي ما روى الشيخ، عن محمّد بن عليّ بن محبوب‌[1]- وطريقه إليه صحيح في «المشيخة»[2]

[1]محمّد بن عليّ بن محبوب: هوشيخ القمّيين في زمانه، الفقيه الثقة العين؛ أبو جعفر محمّد بن عليّ بن محبوب الأشعريّ القمّي. كان صحيح المذهب، كثيرالرواية. روى عن أحمد بن محمّد ابن عيسى‌، وأحمد بن محمّد بن خالد، وعليّ بن السنديّ، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، ويعقوب بن شعيب، وروى‌ عنه أحمد بن إدريس، وابن بطة، ومحمّد بن يحيى العطّار.

انظر رجال النجاشي 349/ 940، وفهرست الشيخ 145/ 613، ومعجم رجال الحديث 17: 8- 10.

[2]قال قدس سره: وما ذكرته في هذا الكتاب (يعني التهذيب) عن محمّد بن عليّ بن محبوب، فقد أخبرني به الحسين بن عبيداللَّه، عن أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، عن أبيه محمّد بن يحيى‌، عن محمّد بن عليّ بن محبوب. مشيخة التهذيب: 72.

والظاهر وثاقة من عدا أحمد المزبور، وأمّا هو فلم ينصّ الرجاليّون على توثيقه، ولكن يمكن استفادة وثاقته من اعتماد المشايخ عليه، وبعض القرائن الاخرى.

انظر تنقيح المقال 1: 95- 96، وقاموس الرجال 1: 584.


صفحه 35

و «الفهرست»[1]- عن أحمد بن محمّد؛ أي ابن عيسى‌[2]، عن الحسين بن سعيد[3]،

[1]قال طاب ثراه: أخبرنا بجميع كتبه ورواياته الحسين بن عبيداللَّه، وابن أبي جيد، عن أحمد بن محمّد بن يحيى‌، عن أبيه، عن محمّد بن عليّ بن محبوب. وأخبرنا بها أيضاً جماعة، عن أبي المفضّل، عن ابن بطة، عنه وأخبرنا بها أيضاً جماعة، عن محمّد بن عليّ بن الحسين، عن أبيه ومحمّد بن الحسن، عن أحمد بن إدريس، عنه. الفهرست: 145/ 613.

ولا ريب في صحّة طريقة الثالث، والأوّل عين ما في المشيخة المتقدّم، وأمّا الثاني فضعيف بأبي المفضّل وابن بطة. راجع رجال النجّاشي: 396/ 1059 و 372/ 1019، الفهرست: 140/ 600.

[2]الوجه في تعيّن ابن عيسى‌ تصريح الشيخ قدس سره في المشيخة (72- 73) بوقوع محمّد بن عليّ بن محبوب في طريقه إلى ابن عيسى‌، وظاهره وقوع ابن عيسى‌ في طريقه لابن سعيد فراجع. بل صرّح في الفهرست (59) بوقوع ابن عيسى‌ في هذا الطريق.

وأحمد بن محمّد بن عيسى‌: هو شيخ القمّيين في زمانه، ووجيههم، وفقيههم الأوحد الثقة؛ أبو جعفر أحمد بن محمّد بن عيسى‌ بن عبد اللَّه الأشعريّ القمّي. صحب الرضا والجواد والهادي والعسكريّ عليهم السلام وكان الرئيس الذي يلقى السلطان، وذا نفوذ وهيمنة.

روى‌ عن أبناء عمير وفضّال ومحبوب، وروى‌ عنه أحمد بن إدريس، وسعد بن عبد اللَّه الأشعريّ، ومحمّد بن يحيى العطّار ...

انظررجال النجّاشي: 81/ 198، ورجال الشيخ: 366 و 397 و 409، وقاموس الرجال 1: 637.

[3]الحسين بن سعيد: هو العالم الفقيه الشيخ الثقة؛ الحسين بن سعيد بن حمّاد الأهوازيّ، صحب الرضا والجواد والهادى عليهم السلام وكان من أوسع أهل زمانه علماً بالفقه والآثار والمناقب، وغيرها من علوم أهل البيت صلوات اللَّه عليهم أجمعين، وكانت له كتب حسنة معتمد عليها، عوّل عليها الأصحاب، وعملوا بها، وكثيراً ما كانوا يقولون: «بأنّ لفلان كتباً ككتب الحسين ابن سعيد» وما هذا إلّاللمكانة العلميّة المرموقة التي حظيت بها كتبه عند الأصحاب. انتقل ابن سعيد في اخريات أيّامه إلى قم، فنزل على الحسن بن أبان حتّى وافته المنيّة. روى عن أخيه، وعن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، وصفوان بن يحيى‌، وروى عنه أحمد بن محمّد بن عيسى‌، وأحمد بن محمّد بن خالد، والحسين بن الحسن بن أبان، ومحمّد بن عيسى العبيدي ....

انظر فهرست ابن النديم: 277، ورجال النجّاشي: 58/ 136 و 137، ورجال الشيخ: 372 و 399 و 412، ومعجم رجال الحديث 5: 245- 248.