ابن سعيد وغيرهم[1].
وعن العلّامة: الحكم بصحّة طرق هو فيها[2]، بل قد يقال: إنّه من مشايخ الإجازة[3]فلا يحتاج إلى التوثيق، وكيف كان فالأقوى وثاقته.
وأحمد بن عائذ ثقة، روى عن أبي خديجة سالم بن مُكْرَم الجمّال، وقد وثّقه النجّاشي قائلًا: إنّه ثقة ثقة[4]، ووثّقه الشيخ في موضع على ما عن العلّامة[5]، وإن ضعّفه في موضع كما عن «الفهرست»[6]والأرجح وثاقته.
قال: قال أبو عبد اللَّه؛ جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: (إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم؛ فإنّي قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه)[7].
[1]كأيّوب بن نوح، وعلي بن الحسن بن فضّال، وعبد اللَّه بن الصلت.
انظر معجم رجال الحديث 5: 27، 72 و 22: 169 و 23: 166.
[2]وذلك في طريق الصدوق قدس سره لأبي الحسن النهديّ، وأحمد بن عائذ وغيرهما. انظر رجال العلّامة الحلّي: 280 سطر 12 و 22، ومشيخة الفقيه: 102، 125، وتنقيح المقال 1: 295 سطر 23.
[3]تنقيح المقال 1: 295 سطر 23.
[4]رجال النجّاشي: 188/ 501.
[5]رجال العلّامة الحلّي: 227، تنقيح المقال 2: 6 سطر 6.
[6]فهرست الشيخ الطوسيّ: 79/ 327، تنقيح المقال 2: 5 سطر 33.
[7]الكافي 7: 412/ 4، الفقيه 3: 2/ 1، تهذيب الأحكام 6: 219/ 516، وسائل الشيعة 18: 4، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 1، الحديث 5.
فإنّها بإطلاقها تشمل المقلّد، لأنّ المراد ب «العلم» هو الأعمّ من الوجدانيّ، والمقلّد عالم بهذا المعنى؛ لأنّ له طريقاً إلى الواقع[1].
وفيه:أنّ العلم بشيء من قضاياهم مختصّ بالفقيه، أو منصرف إليه؛ لأنّ العاميّ إمّا أن يتّكل على فتوى الفقيه في القضاء، فلا يصدق عليه «أنّه يعلم شيئاً من قضاياهم» بل هو يعلم فتوى الفقيه في القضاء، وهو طريق إلى حكم اللَّه تعالى.
وإمّا أن يتّكل على إخبار الفقيه بقضاياهم، وهذا غير جائز؛ لأنّه لايزيد على رواية مرسلة غير جائزة العمل، مع أنّه على فرض صحّة السند، لا يجوز له العمل بها إلّامع الفحص عن معارضها، وإعمال سائر مقدّمات الاستنباط، وهو خارج عن المفروض.
وبالجملة:العلم بفتوى الفقيه، لا يوجب انسلاكه في قوله:
(يعلم شيئاً من قضايانا).
نعم، يمكن الاستدلال بها لثبوت منصب القضاء للمتجزّي، وهو ليس ببعيد.
ومنها:صحيحة الحلبيّ[2]،
قال قلت لأبي عبد اللَّه: ربّما كان بين الرجلين
[1]انظر جواهر الكلام 40: 16- 18.
[2]الحلبي: هو الشيخ الثقة الوجيه؛ أبو عليّ عبيداللَّه (عبد اللَّه) بن عليّ بن أبي شعبة الحلبيّ الكوفي. كان يتّجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب، فعرفوا «بالحلبيّين» وكان من اسرة معروفة في الكوفة، يرجع إليها في أقوالها، ويعدّ عبيداللَّه كبيرها ووجهها، صنّف كتابه المعروف، وعرضه على الإمام الصادق عليه السلام فلمّا رآه استحسنه وصحّحه قائلًا صلوات اللَّه عليه: (أترى لهؤلاء مثل هذا؟!) روى عنه عليه السلام، وروى عن عبيداللَّه هذا أحمد بن عائذ، وحمّاد بن عثمان، وعبد اللَّه بن مسكان ....
انظر رجال النجّاشي: 230/ 612، ومعجم رجال الحديث 11: 88- 89.
من أصحابنا المنازعة في الشيء، فيتراضيان برجل منّا.
فقال: (ليس هو ذاك، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط)[1].
فإنّ إطلاق قوله: «رجل منّا» يشمل المقلّد، وترك الاستفصال دليل العموم.
و أيضاً:حصر عدم الجواز فيمن يجبر الناس بسيفه وسوطه، دليل على جواز الرجوع لغيرهم مطلقاً.
وفيه:أنّ الظاهر من قوله:
(ليس هو ذاك)
كون الكلام مسبوقاً بسابقة بين المتخاطبين غير منقولة إلينا، ومعه يشكل الاعتماد على الإطلاق وترك الاستفصال.
مضافاً إلى عدم الإطلاق؛ لعدم كونه في مقام البيان، بل هو في مقام بيان حكم آخر، والحصر إضافيّ؛ ضرورة عدم جواز الرجوع إلى قضاة العامّة ممّن ليس لهم سيف وسوط.
ومضافاً إلى عدم جواز الاعتماد على الحصر أيضاً مع معهوديّة القضيّة بينهما، عدم نقل الرواية بجميع خصوصيّاتها لنا.
[1]تهذيب الأحكام 6: 223/ 532، وسائل الشيعة 18: 5، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 1، الحديث 8.
مع أنّ معهوديّة كون شأن القضاء لأشخاص معيّنين وهم فقهاء الفريقين، يمنع عن الإطلاق، وعلى فرض الإطلاق يقيّد بمثل المقبولة.
وجه آخر لجواز الرجوع إلى المقلّد وجوابه
وقد يستدلّ لجواز الرجوع إلى المقلّد: بأنّ الاجتهاد بهذا المعنى المتعارف في زماننا، لم يكن في الصدر الأوّل، بل المحدّثون فيه مثل المقلّدين الآخذين أحكام اللَّه من الفقهاء، فقوله في المقبولة:
(ممّن روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرآمنا، وعرف أحكامنا)[1]
، ليس المراد منه المجتهد؛ أي من له قوّة الاستنباط بالمعنى المعهود في أعصارنا؛ لعدم وجوده في زمان الأئمّة عليهم السلام بل المراد منه من علم الأحكام بأخذ المسائل من الإمام أو الفقيه، كما كان كذلك في تلك الأزمنة[2].
وفيه:إنّا لا ندّعي أنّ المناط في الفقيه المنصوب في المقبولة، هو واجديّته لقوّة الاستنباط، وردّ الفرع إلى الأصل بالنحو المتعارف في زماننا.
بل نقول:إنّ الموضوع هو من يتصف بما فيها؛ من كونه ممّن روى حديثهم، ونظر في حلالهم وحرامهم، وعرف أحكامهم، على نحو ما حرّرناه في فقه الحديث[3]، وهو صادق على المحدّثين والفقهاء في العصر الأوّل من أصحاب
[1]الكافي 1: 54/ 10، الفقيه 3: 5/ 2، تهذيب الأحكام 6: 301/ 845، الاحتجاج: 355، وسائل الشيعة 18: 75، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 1.
[2]انظر جواهر الكلام 40: 18، ونهاية الدراية 6: 365.
[3]تقدّم في الصفحة 26- 30.
الأئمّة، كما هو صادق على فقهاء عصرنا؛ فإنّهم مشتركون معهم فيما هو مناط المنصب.
وامتياز المجتهدين في زماننا عنهم، إنّما هو في أمر خارج عمّا يعتبر في المنصب؛ وهو تحصيل قوّة الاستنباط بالمشقّة، وبذل الجهد، وتحمّل الكلفة في معرفة الأحكام، ممّا لم يكن فقهاء العصر الأوّل محتاجين إليه.
فمعرفة الأحكام في العصر الأوّل كانت سهلة؛ لعدم الاحتياج إلى كثير من مقدّمات الاجتهاد، وعدم الاحتياج إلى التكلّف وبذل الجهد؛ ممّا نحتاج إليه في هذه الأعصار ممّا هو غير دخيل في تقوّم الموضوع، بل دخيل في تحقّقه، فقيود الموضوع- وهي ما عيّنت المقبولة من الأوصاف- كانت حاصلة لهم من غير مشقّة، ولفقهائنا مع تحمّل المشاقّ.
وأمّا المقلّد فخارج عن الموضوع رأساً؛ لعدم صدق الأوصاف عليه، كما أوضحنا سبيله سابقاً[1].
هذا مع أنّ المنصوبين للقضاء من قبل خلفاء الجور والحقّ، كانوا من الفقهاء الواجدين لقوّة الاستنباط، كشريح المنصوب من قبل أمير المؤمنين، وكابن أبي ليلى[2]،
[1]تقدّم في الصفحة 26- 29.
[2]ابن أبي ليلى: هو محمّد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى يسار الأنصاري القاضي الكوفيّ. ولد سنة 74 ه، وصحب الصادق عليه السلام وكان من أصحاب الرأي فقيهاً مفتياً، وتولّى القضاء بالكوفة، وأقام حاكماً ثلاثاً وثلاثين سنة، ولي لبني امّية أوّلًا، ثمّ لبني العبّاس، وكان سيئ الحفظ. مات سنة 148 ه.
انظر رجال الشيخ: 293/ 210، وتذهيب التهذيب 2: 43/ 6439، والكنى والألقاب 1: 202- 204.
وابن شُبْرُمة[1]، وقَتَادة[2]، وأضرابهم[3].
فتحصّل من جميع ذلك:أنّ منصب القضاء مختصّ بالفقهاء، ولا حظّ للعامّي فيه.
هل يجوز للفقيه نصب العامّي للقضاء أم لا؟
فهل يجوز للفقيه نصب العامّي العارف بمسائل القضاء تقليداً أم لا؟
ربّما قيل:بالجواز؛ مستدلًاّ بعموم أدلّة ولاية الفقيه[4].
وتقريبه:أنّ للنبيّ والوصيّ نصبَ كلّ أحد للقضاء، مجتهداً كان، أو مقلّداً عارفاً بالمسائل؛ بمقتضى سلطنتهم وولايتهم على الامّة، وكلّ ما كان لهما يكون
[1]ابن شبرمة: هو عبد اللَّه بن شُبْرُمة بن الطفيل الضبيّ الكوفيّ. كان قاضياً لأبي جعفر المنصور على سواد الكوفة، شاعراً جواداً، قليل الحديث، ومن أصحاب الرأى والقياس، وكان عيسى بن موسى- وليّ العهد بعد المنصور- لا يقطع أمراً دونه. توفّي سنة 144 ه.
انظر الوافي بالوفيّات 17: 207/ 193، والكنى والألقاب 1: 324.
[2]لم نعثر على قاض معروف سمّى «بقتادة». انظر تهذيب الكمال 23: 498- 523، وتذهيب التهذيب 2: 350- 351.
[3]كعياض، وأبي يوسف ....
[4]جواهر الكلام 40: 18- 19.
للفقيه الجامع للشرائط؛ بمقتضى أدلّة الولاية.
وردّت كلتا المقدّمتين:
أمّا الاولى:فلمنع جواز نصب العامّي من النبيّ والوصيّ؛ بمقتضى مقبولة عمر بن حنظلة الدالّة على أنّ هذا المنصب إنّما هو للفقيه لا العامّي، ويستفاد منها أنّ ذلك حكم شرعيّ إلهيّ[1].
وفيه:أنّ المقبولة لا تدلّ إلّاعلى نصب الإمام الفقيهَ، وأمّا كون ذلك بإلزام شرعيّ- بحيث يستفاد منها أنّ الفقاهة من الشرائط الشرعيّة للقضاء- فلا.
ويمكن أن يستدلّ لذلك بصحيحة سليمان بن خالد المتقدّمة[2]، عن أبي عبد اللَّه قال:
(اتّقوا الحكومة؛ فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين؛ لنبيّ أو وصيّ نبيّ)[3].
فإنّ الظاهر منها أنّها مختصّة بهما من قبل اللَّه، ولا تكون لغيرهما أهليّة لها، غاية الأمر أنّ أدلّة نصب الفقهاء لها، تكون مخرجة إيّاهم عن الحصر، وبقى الباقي.
بل يمكن أن يقال:إنّ الفقهاء أوصياء الأنبياء بوجه؛ لكونهم الخلفاء)[4]،
[1]القضاء، الآشتياني: 12.
[2]تقدّمت في الصفحة 21.
[3]الكافي 7: 406/ 1، الفقيه 3: 4/ 7، تهذيب الأحكام 6: 217/ 511، وسائل الشيعة 18: 7، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 3، الحديث 3.
[4]عيون أخبار الرضا قدس سره 2: 36/ 94، معاني الأخبار: 374/ 1، وسائل الشيعة 18: 66، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 53.
(الامناء)[1]، و (منزلتهم منزلة الأنبياء من بني إسرائيل)[2]، فيكون خروجهم موضوعيّاً.
لا يقال:بناءً عليه لا معنى لنصبهم حكّاماً؛ لأنّهم الأوصياء، فيكون المنصب لهم بجعل اللَّه.
لأنّا نقول:إنّ المستفاد من الصحيحة أنّ هذا المنصب لا يكون إلّاللنّبي والوصيّ، وهو لاينافي أن يكون بنصب النبيّ أو الإمام، لكن بأمر اللَّه تعالى وحكمه، فإذا نصب اللَّه تعالى النبيّ حاكماً وقاضياً، ونصب النبيّ الأئمّة كذلك، والأئمَّةُ الفقهاءَ، ويكون الأئمّة والفقهاء أوصياء النبي، يصحّ أن يقال: «إنّ الحكومة منحصرة بالنبيّ والوصيّ» ويراد منه الأعمّ من الفقهاء، تأمّل.
وبالجملة:حصر الحكومة بالنبيّ والوصيّ، يسلب أهليّة غيرهما، خرج الفقهاء إمّا موضوعاً أو حكماً، وبقي الباقي.
مع أنّ الشكّ في جواز نصب النبي والإمام العامّيَ للقضاء- باحتمال اشتراطه بالفقاهة، وعدم ظهور إطلاق ينفيه- يكفي في عدم جواز نصب الفقيه إيّاه، وعدم نفوذ حكمه لو نصبه.
و أمّا المقدّمة الثانية:فاجيب عنها بمنع عموم ولاية الفقيه، لأنّ المنصف المتأمّل في المقبولة صدراً وذيلًا، وفي سياق الأدلّة، يقطع بأنّها في مقام بيان
[1]مشكاة الأنوار: 59، بحار الأنوار 67: 687/ 11.
[2]فقه الإمام الرضا عليه السلام: 338، بحار الأنوار 75: 346/ 4.