ودعوى مساوقة المقبولة للمشهورة، وهي مختصّة بالقضاء، فكذلك المقبولة[1]، كما ترى، مع أنّك قد عرفت عدم اختصاص مورد المقبولة ولا المشهورة بالقضاء[2].
وأمّا تخصيص الأكثر فممنوع جدّاً؛ فإنّ مختصّات النبيّ وإن كانت كثيرة، لكن ليس شيء منها مربوطاً بمقام سلطنته وحكومته، إلّاالنادر القليل لو كان، فما هو ثابت للنبيّ والوصيّ من الحكومة والولاية في الامور السياسيّة والحِسْبيّة، هي الشؤون الثابتة للفقهاء أيضاً، والمستثنى منها قليل جدّاً، وما هي من مختصّات النبيّ فليست من شؤون الحكومة إلّاالنادر منها، فراجع مختصّاته- وقد جمعها العلّامة في أوّل نكاح «التذكرة»[3]حتّى يتّضح لك الأمر.
وأمّا مختصّات الأئمّة فمع عدم كثرتها، فهي أيضاً غير مربوطة بمقام الحكومة، إلّاالنادر على فرضه.
هل يجوز توكيل العامّي للقضاء؟
وأمّا توكيل الفقيه مقلِّده العارف بمسائل القضاء لتولّيه، تشبّثاً بإطلاق أدلّة الوكالة[4]، ففيه ما لا يخفى على المتأمّل:
[1]المكاسب والبيع (تقرير بحث النائيني)، الشيخ محمّدتقي الآملي 2: 336.
[2]تقدّم في الصفحة 29- 30، 37.
[3]تذكرة الفقهاء 2: 565 سطر 29.
[4]انظر جامع الشتات: 695 سطر 21، وجواهر الكلام 40: 49- 50.
أمّا أوّلًا:فلأنّ القضاء غير قابل للتوكيل؛ لما يستفاد من الأدلّة- كما عرفت[1]- من اختصاصه بالفقيه، فتعتبر فيه مباشرة الفقيه، ولوشكّ في ذلك فليس دليل ولا أصل يتشبّث به لإحراز القابليّة، فالأصل الأوّلي محكّم مع الشكّ.
وأمّا ثانياً:فلعدم إطلاق في أدلّة الوكالة يحرز به نفوذ الوكالة في كلّ أمر؛ إذ ليس فيها ما يتوهّم[2]فيه ذلك إلّاصحيحة معاوية بن وهب[3]، عن أبي عبد اللَّه أنّه قال:
(من وكّل رجلًا على إمضاأ أمر من الامور، فالوكالة ثابتة أبداً حتّى يعلمه بالخروج منها، كما أعلمه بالدخول فيها)[4].
وصحيحة هشام بن سالم[5]، عنه عليه السلام في رجل وكّل آخر على وكالة في أمر
[1]تقدّم في الصفحة 24 وما بعدها.
[2]جواهر الكلام 27: 378.
[3]معاوية بن وهب: هو الشيخ الفقيه، العالم والعامل الثقة؛ أبو الحسن معاوية بن وهب البجليّ الكوفيّ. كان حسن الطريقة ممدوحاً، لا مطعن عليه ولا ذمّ، روى عن الإمامين الهمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، كما روى عن أبي بصير، وزرارة، وعبيد بن زرارة، وروى عنه الحسن بن محبوب، ويونس بن عبد الرحمان وابن أبي عمير.
انظر رجال النجّاشي: 412/ 1097، ومعجم رجال الحديث 18: 219- 220.
[4]الفقيه 3: 47/ 166، تهذيب الأحكام 6: 213/ 502، وسائل الشيعة 13: 285، كتاب الوكالة، أبواب أحكام الوكالة، الباب 1، الحديث 1.
[5]هشام بن سالم: هو الشيخ العالم المتكلّم الثقة الثقة؛ أبو الحكم هشام بن سالم الكوفيّ الجواليقيّ العلّاف. صحب الصادق والكاظم عليهما السلام، وكان من الرؤساء والأعلام المأخوذ منهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم بشيء، ولا طريق إلى ذمّ واحد منهم. روى عن جابر بن يزيد الجعفيّ، وسليمان بن خالد، وسَماعة بن مهران، وروى عنه. ابن أبي عمير، وصفوان، والبزنطي.
انظر رجال النجّاشي: 434/ 1165، ورجال الكشّي 2: 565، ومعجم رجال الحديث 19: 297.
من الامور، وأشهد له بذلك شاهدين، فقام الوكيل فخرج لإمضاء الأمر، فقال:
اشهدوا أنّي قد عزلت فلاناً عن الوكالة.
فقال:
(إن كان الوكيل أمضى الأمر الذي وكّل فيه قبل العزل، فإنّ الأمر واقع ماضٍ على ما أمضاه الوكيل، كره الموكّل أم رضي).
قلت: فإنّ الوكيل أمضى الأمر قبل أن يعلم العزل أو يبلغه أنّه قد عزل عن الوكالة، فالأمر على ما أمضاه؟.
خمينى، روحالله، رهبر انقلاب و بنيانگذار جمهورى اسلامى ايران، الإجتهاد و التقليد(الإمام الخميني(س))، 1جلد، موسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخمينى (قدس سره) - ايران، چاپ: 2، 1426 ه.ق.
ل:
(نعم) ...
إلى أن قال:
(إنّ الوكيل إذا وكّل ثمّ قام عن المجلس، فأمره ماضٍ أبداً، والوكالة ثابتة، حتّى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة يبلغه، أو يشافه بالعزل عن الوكالة)[1].
وهما كما تراهما، لا إطلاق لهما لإثبات قابليّة كلّ شيء للوكالة، أو نفوذها في كلّ شيء؛ لكونهما في مقام بيان حكم آخر، وهو واضح.
وتوهّم:كون التوكيل في الامور من الامور العقلائيّة الغير المحتاجة إلى
[1]الفقيه 3: 49/ 170، تهذيب الأحكام 6: 213/ 503، وسائل الشيعة 13: 286، كتاب الوكالة، أبواب أحكام الوكالة، الباب 2، الحديث 1.
الدليل، فعدم الردع يكفي في ثبوته لكلّ شيء[1].
فيه:أنّ التمسّك ببناء العقلاء مع عدم الردع، إنّما هو في الامور الشائعة المتداولة بين الناس بمرأى ومنظر من الشارع، وعدم ورود ردع منه، كالعمل بالظواهر، وخبر الثقة، والوكالة في مثل النكاح والطلاق والبيع والشراء وأمثالها من المعاملات تكون كذلك، وأمّا الوكالة في القضاء فلم تكن متعارفة بينهم، حتّى يتمسّك ببنائهم، وليس البناء على أمر كلي حتّى يتمسّك بإطلاقه أو عمومه، فالحقّ عدم جواز التوكيل للعامّي فيه.
[1]انظر العروة الوثقى 2: 132.
الأمر الرابع تشخيص مرجع التقليد والفتوى
الرابع في تشخيص موضوع جواز التقليد وأنّ من يجوز الرجوع إليه في الفتوى، هل هو الأعلم، أو المجتهد المطلق وإن لم يكن هو الأعلم، أو الأعمّ منه ومن المتجزّي؟
فيقع الكلام تارة:في صورة عدم اختلافهما في الفتوى.
واخرى:مع عدم معلوميّة اختلافهما.
وثالثة:مع معلوميّته إجمالًا.
ورابعة:مع معلوميّته تفصيلًا.
ولابدّ قبل الورود في بيان الأدلّة من تأسيس الأصل:
فنقول:لا إشكال في أنّ الأصل حرمة العمل بما وراء العلم عقلًا ونقلًا[1]،
[1]راجع أنوار الهداية 1: 223- 231.
كما لا إشكال في أنّ التقليد- أي الأخذ بقول الغير، ومتابعة رأيه في العمل- عمل بغير العلم، سواء كان دليله بناء العقلاء كما سنتعرّض له[1]، أو التعبّد الشرعيّ من إجماع أو غيره.
وقد خرج من الأصل تقليد الفاضل إجماعاً[2]، بل ضرورة؛ لوضوح عدم كون الناس كلّهم مكلّفين بتحصيل العلم والاجتهاد، وبطلان وجوب العمل بالاحتياط أو التجزّي فيه، فلا إشكال في جواز الاكتفاء بتقليد الأعلم، وخروجه عن حرمة العمل بغير العلم، فبقي الرجوع إلى غيره تحت الأصل، ولابدّ من خروجه عنه من التماس دليل.
هذا، وأمّا التمسّك بدليل الانسداد بأن يقال: يجب على العامّي عقلًاالعمل بقول الأعلم، وإلّا لزم إمّاإهمال الوقائع، وهو باطل بالضرورة؛ للعلم الإجماليّ بالتكليف.
أو تحصيل العلم حقيقة أو اجتهاداً، وهو باطل؛ للعلم الضروريّ بعدم وجوبه على الناس، وللزوم اختلال النظام.
وإمّا الاحتياط، وهو باطل أيضاً؛ للزوم العسر والحرج، بل اختلال النظام.
وإمّا الأخذبقول المفضول، وهوباطل؛ لقبح ترجيح المرجوح على الراجح[3]
[1]يأتي في الصفحة 63.
[2]انظر الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 801، ومنية المريد: 304، ومطارح الأنظار: 276، السطر الأخير.
[3]انظر كشف اللّثام 2: 320 سطر 27 و 321 السطر الأوّل، وقوانين الاصول 2: 246 سطر 17، وضوابط الاصول: 414 سطر 7.
فهو ليس في محلّه؛ لعدم تماميّة مقدّماته، لأنّ العلم الإجماليّ منحلّ بما في فتاوى الأحياء من العلماء، وليس للعامّي زائداً على فتاويهم علم، فيكون تكليفه الاحتياط في فتاويهم؛ أي العمل بأحوط الأقوال، ولزومُ العسر والحرج منه- فضلًا عن اختلال النظام[1]- ممنوع.
ولأنّ [كون] الأخذ بقول غير الأعلم من قبيل ترجيح المرجوح، ممنوع:
أمّا أوّلًا:فلأنّه كثيراً ما يتّفق موافقة فتوى غير الأعلم لفتوى الميّت الذي هو أعلم من الأحياء.
وأمّا ثانياً:فلأنّ فتوى الفقهاء من قبيل الأمارات، فقد تكون- بواسطة بعض الخصوصيّات- فتوى غير الأعلم أقرب إلى الواقع.
ثمّ على فرض تماميّة المقدّمات، لا تكون نتيجتها الأخذ بقول الأعلم، بل يلزم عليه التبعيض في الاحتياط بما دون العسر والحرج.
وقد يقرّر الأصل:بأنّ الأصل عدم حجّية رأي أحد على أحد، خرج منه رأي الأعلم، وبقي غيره[2].
تقرير الأصل في جواز تقليد المفضول
وقد تشبّث القائلون بجواز الأخذ من غير الأعلم باصول غير أصيلة:
منها:أنّ أصالة حرمة العمل بالظنّ، قد انقطعت بما دلّ على مشروعيّة
[1]انظر مفاتيح الاصول: 628 سطر 31، ومطارح الأنظار: 274 سطر 31.
[2]انظر ما تقدّم في الصفحة 18.
التقليد في الجملة، ولاريب أنّه إذا كان المجتهدان متساويين من جميع الجهات، في جواز الرجوع إلى كلّ منهما تخييراً بحكم العقل، بعد عدم جواز طرح قولهما، وعدم وجوب الأخذ بأحوطهما، ويستكشف من حكم العقل حكم شرعيّ بجواز الرجوع إلى كلّ منهما تخييراً.
فإذا صار أحدهما أعلم من الآخر، يشكّ في زوال التخيير، فيستصحب بقاؤه، ويتمّ في غيره بعدم القول بالفصل[1].
واجيب عنه:بأنّ الاستصحاب غير جارٍ في الأحكام العقليّة؛ لامتناع حصول الشك مع بقاء الموضوع بجميع حدوده، فالشكّ فيها معلول اختلاف الموضوع، ومعه لا يجري الاستصحاب[2].
وفيه:أنّ جريانه في نفس حكم العقل وإن كان ممنوعاً، لكن في الحكم الشرعيّ المستكشف منه، لامانع منه من قِبَل اختلاف الموضوع؛ لأنّ اختلافه عقلًا لا يضرّ به مع بقائه عرفاً.
والحقّ في الجواب أن يقال:إنّ الحكم الشرعيّ المستكشف من حكم العقل- بناءً على تماميّة الملازمة- لا يعقل أن يكون مناطه غيرَ مناط حكم العقل، ومع زوال المناط لايعقل بقاؤه، كما لا يعقل بقاء حكم العقل.
ففيما نحن فيه، إذا كان حكم العقل بالتخيير بمناط تساويهما، واستكشف حكم شرعيّ متعلّق بالموضوع لأجل هذا المناط، فلا يعقل بقاء حكم العقل
[1]مطارح الأنظار: 273 سطر 19 و 23.
[2]مطارح الأنظار: 273 سطر 19 و 23.