بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 58

الأمر الرابع تشخيص مرجع التقليد والفتوى‌

الرابع في تشخيص موضوع جواز التقليد وأنّ من يجوز الرجوع إليه في الفتوى‌، هل هو الأعلم، أو المجتهد المطلق وإن لم يكن هو الأعلم، أو الأعمّ منه ومن المتجزّي؟

فيقع الكلام تارة:في صورة عدم اختلافهما في الفتوى‌.

واخرى‌:مع عدم معلوميّة اختلافهما.

وثالثة:مع معلوميّته إجمالًا.

ورابعة:مع معلوميّته تفصيلًا.

ولابدّ قبل الورود في بيان الأدلّة من تأسيس الأصل:

فنقول:لا إشكال في أنّ الأصل حرمة العمل بما وراء العلم عقلًا ونقلًا[1]،

[1]راجع أنوار الهداية 1: 223- 231.


صفحه 59

كما لا إشكال في أنّ التقليد- أي الأخذ بقول الغير، ومتابعة رأيه في العمل- عمل بغير العلم، سواء كان دليله بناء العقلاء كما سنتعرّض له‌[1]، أو التعبّد الشرعيّ من إجماع أو غيره.

وقد خرج من الأصل تقليد الفاضل إجماعاً[2]، بل ضرورة؛ لوضوح عدم كون الناس كلّهم مكلّفين بتحصيل العلم والاجتهاد، وبطلان وجوب العمل بالاحتياط أو التجزّي فيه، فلا إشكال في جواز الاكتفاء بتقليد الأعلم، وخروجه عن حرمة العمل بغير العلم، فبقي الرجوع إلى‌ غيره تحت الأصل، ولابدّ من خروجه عنه من التماس دليل.

هذا، وأمّا التمسّك بدليل الانسداد بأن يقال: يجب على العامّي عقلًاالعمل بقول الأعلم، وإلّا لزم إمّاإهمال الوقائع، وهو باطل بالضرورة؛ للعلم الإجماليّ بالتكليف.

أو تحصيل العلم حقيقة أو اجتهاداً، وهو باطل؛ للعلم الضروريّ بعدم وجوبه على الناس، وللزوم اختلال النظام.

وإمّا الاحتياط، وهو باطل أيضاً؛ للزوم العسر والحرج، بل اختلال النظام.

وإمّا الأخذبقول المفضول، وهوباطل؛ لقبح ترجيح المرجوح على الراجح‌[3]

[1]يأتي في الصفحة 63.

[2]انظر الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 801، ومنية المريد: 304، ومطارح الأنظار: 276، السطر الأخير.

[3]انظر كشف اللّثام 2: 320 سطر 27 و 321 السطر الأوّل، وقوانين الاصول 2: 246 سطر 17، وضوابط الاصول: 414 سطر 7.


صفحه 60

فهو ليس في محلّه؛ لعدم تماميّة مقدّماته، لأنّ العلم الإجماليّ منحلّ بما في فتاوى الأحياء من العلماء، وليس للعامّي زائداً على‌ فتاويهم علم، فيكون تكليفه الاحتياط في فتاويهم؛ أي العمل بأحوط الأقوال، ولزومُ العسر والحرج منه- فضلًا عن اختلال النظام‌[1]- ممنوع.

ولأنّ [كون‌] الأخذ بقول غير الأعلم من قبيل ترجيح المرجوح، ممنوع:

أمّا أوّلًا:فلأنّه كثيراً ما يتّفق موافقة فتوى غير الأعلم لفتوى الميّت الذي هو أعلم من الأحياء.

وأمّا ثانياً:فلأنّ فتوى الفقهاء من قبيل الأمارات، فقد تكون- بواسطة بعض الخصوصيّات- فتوى‌ غير الأعلم أقرب إلى الواقع.

ثمّ على‌ فرض تماميّة المقدّمات، لا تكون نتيجتها الأخذ بقول الأعلم، بل يلزم عليه التبعيض في الاحتياط بما دون العسر والحرج.

وقد يقرّر الأصل:بأنّ الأصل عدم حجّية رأي أحد على‌ أحد، خرج منه رأي الأعلم، وبقي غيره‌[2].

تقرير الأصل في جواز تقليد المفضول‌

وقد تشبّث القائلون بجواز الأخذ من غير الأعلم باصول غير أصيلة:

منها:أنّ أصالة حرمة العمل بالظنّ، قد انقطعت بما دلّ على مشروعيّة

[1]انظر مفاتيح الاصول: 628 سطر 31، ومطارح الأنظار: 274 سطر 31.

[2]انظر ما تقدّم في الصفحة 18.


صفحه 61

التقليد في الجملة، ولاريب أنّه إذا كان المجتهدان متساويين من جميع الجهات، في جواز الرجوع إلى كلّ منهما تخييراً بحكم العقل، بعد عدم جواز طرح قولهما، وعدم وجوب الأخذ بأحوطهما، ويستكشف من حكم العقل حكم شرعيّ بجواز الرجوع إلى كلّ منهما تخييراً.

فإذا صار أحدهما أعلم من الآخر، يشكّ في زوال التخيير، فيستصحب بقاؤه، ويتمّ في غيره بعدم القول بالفصل‌[1].

واجيب عنه:بأنّ الاستصحاب غير جارٍ في الأحكام العقليّة؛ لامتناع حصول الشك مع بقاء الموضوع بجميع حدوده، فالشكّ فيها معلول اختلاف الموضوع، ومعه لا يجري الاستصحاب‌[2].

وفيه:أنّ جريانه في نفس حكم العقل وإن كان ممنوعاً، لكن في الحكم الشرعيّ المستكشف منه، لامانع منه من قِبَل اختلاف الموضوع؛ لأنّ اختلافه عقلًا لا يضرّ به مع بقائه عرفاً.

والحقّ في الجواب أن يقال:إنّ الحكم الشرعيّ المستكشف من حكم العقل- بناءً على‌ تماميّة الملازمة- لا يعقل أن يكون مناطه غيرَ مناط حكم العقل، ومع زوال المناط لايعقل بقاؤه، كما لا يعقل بقاء حكم العقل.

ففيما نحن فيه، إذا كان حكم العقل بالتخيير بمناط تساويهما، واستكشف حكم شرعيّ متعلّق بالموضوع لأجل هذا المناط، فلا يعقل بقاء حكم العقل‌

[1]مطارح الأنظار: 273 سطر 19 و 23.

[2]مطارح الأنظار: 273 سطر 19 و 23.


صفحه 62

والشرع المستكشف منه مع زوال التساوي.

نعم، يمكن أن يكون مناط آخر غيره علّة للتخيير أيضاً، فمع زوال المناط الأوّل والحكم المعلول له، بقي الحكم بالتخيير لذاك المناط، فحينئذٍ لا يجري استصحاب شخص الحكم؛ لأنّ ما هو بمناط حكم العقل زال قطعاً، وغيره مشكوك الحدوث، فبقي استصحاب الكلي.

وهو وإن جرى‌ في بعض الموارد، لكن لا يجري فيما نحن فيه؛ لأنّ الجامع بين التخييرين من المخترعات العقليّة الغير المجعولة؛ لتعلّق الجعل بكلّ من التخييرين، لا الجامع بينهما القابل للصدق عليهما، فالجامع بينهما ليس حكماً، ولا موضوعاً ذا حكم، فلا يجري استصحاب الكلي أيضاً في المقام.

وإن شئت تفصيل ذلك، فراجع باب استصحاب الأحكام العقليّة[1]، واستصحاب الكلي‌[2].

هذا مضافاً إلى‌ إمكان معارضة هذا الاستصحاب باستصحاب آخر؛ وهو استصحاب الحجيّة التعينيّة فيما إذا انحصر المجتهد في شخص، ثمّ وجد من هو المفضول منه، فيشكّ في جواز الرجوع إلى غيره، فيستصحب عدم الجواز الثابت للمفضول قبل اجتهاده، أو الحجّة التعيينيّة، ويتمّ في غيره بعدم القول بالفصل تأمّل.

وأمّا تمسّكهم بأصالة البراء ة وأمثالها[3]، فهو- في مقابل أدلّة حرمة العمل‌

[1]الاستصحاب، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 15- 16.

[2]نفس المصدر: 84 و 86.

[3]شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 284، مناهج الأحكام والاصول، المحقّق النراقي: 301 سطر 2.


صفحه 63

بالظنّ- غريب، فلا نطيل بالتعرّض له.

فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الأصل مع القائلين بعدم جواز تقليد غير الأعلم مع وجود الأعلم‌[1].

بحث حول بناء العقلاء

ثمّ إنّه قبل الورود في أدلّة الطرفين، لابأس بالتدبّر في بناء العقلاء، وبيان مقتضى ارتكازهم في أصل التقليد، وفي باب تقليد الأعلم.

فنقول:المعروف أنّ عمدة دليل وجوب التقليد هو ارتكاز العقلاء[2]؛ فإنّه من فطريات العقول رجوع كلّ جاهل إلى العالم، ورجوع كلّ محتاج في صنعة وفنّ إلى الخبير بهما، فإذا كان بناء العقلاء ذلك، ولم يرد ردع من الشارع عنه، يستكشف أنّه مجاز ومرضيّ.

ولا يصلح ما ورد من حرمة اتباع الظنّ للرادعيّة؛ لما ذكرنا في باب حجّية الظنّ‌[3]: من أنّ مثل هذه الفطريّات والأبنية المحكمة المبرمة، لا يمكن فيها ردع العقلاء بمثل عموم‌«الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»[4]^- بناءً على عدم الخدشة في‌

[1]راجع مفاتيح الاصول: 626 سطر 12، مطارح الأنظار: 272 سطر 28.

[2]كفاية الاصول: 539، درر الفوائد 702- 703، نهاية الأفكار (القسم الثاني من الجزء الرابع): 241.

[3]أنوار الهداية 1: 279.

[4]يونس (10): 36 والنجم (53): 28.


صفحه 64

دلالته- وغير ذلك‌[1]؛ فإنّه لاينقدح في ذهنهم احتمال الخلاف في تلك الفطريّات غالباً إلّامع التنبّه، فلاينقدح في بالهم أنّ مثل تلك العمومات رادعة عن مثل تلك الارتكازات، فلابدّ في ردعهم عن مثلها من التصريح والتأكيد.

ولهذا بعد ورود أمثال ما يدّعى‌ الردع بها[2]، لم ينقدح في ذهن مَن في الصدر الأوّل، عدمُ جواز ترتيب الملكيّة على ما في يد الغير، وأثرِ الصحّة على معاملات الناس، وعدم قبول قول الثقة والعمل بالظواهر، فإذن يكون أصل التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم جائزاً.

إشكال على بناء العقلاء

وهاهنا شكّ‌[3]: وهو أنّ ارتكاز العقلاء وبناءهم على أمر، إنّما يصير حجّة إذا أمضاه الشارع، وإنّما يكفى عدم الردع ويكشف عن الإمضاء، إذا كان بناؤهم على عمل بمرأى‌ ومنظر من النبيّ أو الأئمّة عليهم السلام، كبنائهم على أصالة الصحّة، والعمل بقول الثقة، وأمثالهما ممّا كان بناؤهم العمليّ متّصلًا بزمان المعصومين.

[1]كقوله تعالى: «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» الإسراء (17): 36.

[2]قال المحدّث الأسترآبادي: الفصل الأوّل في إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنيّة في نفس أحكامه تعالى، والتمسّك فيه بالظنّ يشتمل على‌ دور ظاهر، مع أنّه معارض بأقوى‌ منه؛ من الآيات الصريحة في النهي عن العمل بالظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى، والروايات الصريحة في ذلك ... الفوائد المدنيّة: 90 سطر 5 و 92 السطر الأوّل.

[3]انظر وسائل الشيعة 18: 95، وما قرّر في نهاية الأفكار (القسم الثاني من الجزء الرابع): 241.


صفحه 65

وأمّا إذا كان بناؤهم على عمل في موضوع مستحدث لم يتّصل بزمانهم، فلا يمكن استكشاف إمضاء الشارع لمثله.

وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ علم الفقه أصبح في أعصارنا من العلوم النظريّة التي لاتقصر عن العلوم الرياضيّة والفلسفيّة، في حين كان في أعصار الأئمّة عليهم السلام من العلوم الساذجة البسيطة، وكان فقهاء أصحاب الأئمّة يعلمون فتاويهم، ويميّزون بين ما هو صادر من جراب النورة وغيره، ولم يكن الاجتهاد في تلك الأزمنة كزماننا.

فرجوع الجاهل إلى العالم في تلك الأزمنة، كان رجوعاً إلى‌ من علم الأحكام بالعلم الوجدانيّ الحاصل من مشافهة الأئمّة عليهم السلام، وفي زماننا رجوع إلى‌ من عرف الأحكام بالظنّ الاجتهاديّ والأمارات، ويكون علمه تنزيليّاً تعبّدياً، لا وجدانيّاً.

فرجوع الجاهل في هذه الأعصار إلى علماء الدين وإن كان فطريّاً، ولا طريق لهم بها إلّاذلك، لكن هذا البناء ما لم يكن مشفوعاً بالإمضاء، وهذا الارتكاز ما لم يصر ممضىً من الشارع، لا يجوز العمل على طبقه، ولا يكون حجّة بين العبد والمولى‌.

ومجرّد ارتكازيّة رجوع كلّ ذي صنعة إلى أصحاب الصنائع، وكلِّ جاهل إلى العالم، لايوجب الحجّية إذا لم يتّصل بزمان الشارع، حتّى يكشف الإمضاء، وليس إمضاء الارتكاز وبناء العقلاء من الامور اللّفظيّة، حتّى يتمسّك بعمومها أو إطلاقها، ولم يرد دليل على إمضاء كلّ المرتكزات إلّاما خرج، حتّى يتمسّك به.