بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 61

التقليد في الجملة، ولاريب أنّه إذا كان المجتهدان متساويين من جميع الجهات، في جواز الرجوع إلى كلّ منهما تخييراً بحكم العقل، بعد عدم جواز طرح قولهما، وعدم وجوب الأخذ بأحوطهما، ويستكشف من حكم العقل حكم شرعيّ بجواز الرجوع إلى كلّ منهما تخييراً.

فإذا صار أحدهما أعلم من الآخر، يشكّ في زوال التخيير، فيستصحب بقاؤه، ويتمّ في غيره بعدم القول بالفصل‌[1].

واجيب عنه:بأنّ الاستصحاب غير جارٍ في الأحكام العقليّة؛ لامتناع حصول الشك مع بقاء الموضوع بجميع حدوده، فالشكّ فيها معلول اختلاف الموضوع، ومعه لا يجري الاستصحاب‌[2].

وفيه:أنّ جريانه في نفس حكم العقل وإن كان ممنوعاً، لكن في الحكم الشرعيّ المستكشف منه، لامانع منه من قِبَل اختلاف الموضوع؛ لأنّ اختلافه عقلًا لا يضرّ به مع بقائه عرفاً.

والحقّ في الجواب أن يقال:إنّ الحكم الشرعيّ المستكشف من حكم العقل- بناءً على‌ تماميّة الملازمة- لا يعقل أن يكون مناطه غيرَ مناط حكم العقل، ومع زوال المناط لايعقل بقاؤه، كما لا يعقل بقاء حكم العقل.

ففيما نحن فيه، إذا كان حكم العقل بالتخيير بمناط تساويهما، واستكشف حكم شرعيّ متعلّق بالموضوع لأجل هذا المناط، فلا يعقل بقاء حكم العقل‌

[1]مطارح الأنظار: 273 سطر 19 و 23.

[2]مطارح الأنظار: 273 سطر 19 و 23.


صفحه 62

والشرع المستكشف منه مع زوال التساوي.

نعم، يمكن أن يكون مناط آخر غيره علّة للتخيير أيضاً، فمع زوال المناط الأوّل والحكم المعلول له، بقي الحكم بالتخيير لذاك المناط، فحينئذٍ لا يجري استصحاب شخص الحكم؛ لأنّ ما هو بمناط حكم العقل زال قطعاً، وغيره مشكوك الحدوث، فبقي استصحاب الكلي.

وهو وإن جرى‌ في بعض الموارد، لكن لا يجري فيما نحن فيه؛ لأنّ الجامع بين التخييرين من المخترعات العقليّة الغير المجعولة؛ لتعلّق الجعل بكلّ من التخييرين، لا الجامع بينهما القابل للصدق عليهما، فالجامع بينهما ليس حكماً، ولا موضوعاً ذا حكم، فلا يجري استصحاب الكلي أيضاً في المقام.

وإن شئت تفصيل ذلك، فراجع باب استصحاب الأحكام العقليّة[1]، واستصحاب الكلي‌[2].

هذا مضافاً إلى‌ إمكان معارضة هذا الاستصحاب باستصحاب آخر؛ وهو استصحاب الحجيّة التعينيّة فيما إذا انحصر المجتهد في شخص، ثمّ وجد من هو المفضول منه، فيشكّ في جواز الرجوع إلى غيره، فيستصحب عدم الجواز الثابت للمفضول قبل اجتهاده، أو الحجّة التعيينيّة، ويتمّ في غيره بعدم القول بالفصل تأمّل.

وأمّا تمسّكهم بأصالة البراء ة وأمثالها[3]، فهو- في مقابل أدلّة حرمة العمل‌

[1]الاستصحاب، العلّامة الإمام الخميني قدس سره: 15- 16.

[2]نفس المصدر: 84 و 86.

[3]شرح العضدي على مختصر ابن الحاجب 284، مناهج الأحكام والاصول، المحقّق النراقي: 301 سطر 2.


صفحه 63

بالظنّ- غريب، فلا نطيل بالتعرّض له.

فتحصّل ممّا ذكرنا:أنّ الأصل مع القائلين بعدم جواز تقليد غير الأعلم مع وجود الأعلم‌[1].

بحث حول بناء العقلاء

ثمّ إنّه قبل الورود في أدلّة الطرفين، لابأس بالتدبّر في بناء العقلاء، وبيان مقتضى ارتكازهم في أصل التقليد، وفي باب تقليد الأعلم.

فنقول:المعروف أنّ عمدة دليل وجوب التقليد هو ارتكاز العقلاء[2]؛ فإنّه من فطريات العقول رجوع كلّ جاهل إلى العالم، ورجوع كلّ محتاج في صنعة وفنّ إلى الخبير بهما، فإذا كان بناء العقلاء ذلك، ولم يرد ردع من الشارع عنه، يستكشف أنّه مجاز ومرضيّ.

ولا يصلح ما ورد من حرمة اتباع الظنّ للرادعيّة؛ لما ذكرنا في باب حجّية الظنّ‌[3]: من أنّ مثل هذه الفطريّات والأبنية المحكمة المبرمة، لا يمكن فيها ردع العقلاء بمثل عموم‌«الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً»[4]^- بناءً على عدم الخدشة في‌

[1]راجع مفاتيح الاصول: 626 سطر 12، مطارح الأنظار: 272 سطر 28.

[2]كفاية الاصول: 539، درر الفوائد 702- 703، نهاية الأفكار (القسم الثاني من الجزء الرابع): 241.

[3]أنوار الهداية 1: 279.

[4]يونس (10): 36 والنجم (53): 28.


صفحه 64

دلالته- وغير ذلك‌[1]؛ فإنّه لاينقدح في ذهنهم احتمال الخلاف في تلك الفطريّات غالباً إلّامع التنبّه، فلاينقدح في بالهم أنّ مثل تلك العمومات رادعة عن مثل تلك الارتكازات، فلابدّ في ردعهم عن مثلها من التصريح والتأكيد.

ولهذا بعد ورود أمثال ما يدّعى‌ الردع بها[2]، لم ينقدح في ذهن مَن في الصدر الأوّل، عدمُ جواز ترتيب الملكيّة على ما في يد الغير، وأثرِ الصحّة على معاملات الناس، وعدم قبول قول الثقة والعمل بالظواهر، فإذن يكون أصل التقليد ورجوع الجاهل إلى العالم جائزاً.

إشكال على بناء العقلاء

وهاهنا شكّ‌[3]: وهو أنّ ارتكاز العقلاء وبناءهم على أمر، إنّما يصير حجّة إذا أمضاه الشارع، وإنّما يكفى عدم الردع ويكشف عن الإمضاء، إذا كان بناؤهم على عمل بمرأى‌ ومنظر من النبيّ أو الأئمّة عليهم السلام، كبنائهم على أصالة الصحّة، والعمل بقول الثقة، وأمثالهما ممّا كان بناؤهم العمليّ متّصلًا بزمان المعصومين.

[1]كقوله تعالى: «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» الإسراء (17): 36.

[2]قال المحدّث الأسترآبادي: الفصل الأوّل في إبطال التمسّك بالاستنباطات الظنيّة في نفس أحكامه تعالى، والتمسّك فيه بالظنّ يشتمل على‌ دور ظاهر، مع أنّه معارض بأقوى‌ منه؛ من الآيات الصريحة في النهي عن العمل بالظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى، والروايات الصريحة في ذلك ... الفوائد المدنيّة: 90 سطر 5 و 92 السطر الأوّل.

[3]انظر وسائل الشيعة 18: 95، وما قرّر في نهاية الأفكار (القسم الثاني من الجزء الرابع): 241.


صفحه 65

وأمّا إذا كان بناؤهم على عمل في موضوع مستحدث لم يتّصل بزمانهم، فلا يمكن استكشاف إمضاء الشارع لمثله.

وما نحن فيه من هذا القبيل؛ فإنّ علم الفقه أصبح في أعصارنا من العلوم النظريّة التي لاتقصر عن العلوم الرياضيّة والفلسفيّة، في حين كان في أعصار الأئمّة عليهم السلام من العلوم الساذجة البسيطة، وكان فقهاء أصحاب الأئمّة يعلمون فتاويهم، ويميّزون بين ما هو صادر من جراب النورة وغيره، ولم يكن الاجتهاد في تلك الأزمنة كزماننا.

فرجوع الجاهل إلى العالم في تلك الأزمنة، كان رجوعاً إلى‌ من علم الأحكام بالعلم الوجدانيّ الحاصل من مشافهة الأئمّة عليهم السلام، وفي زماننا رجوع إلى‌ من عرف الأحكام بالظنّ الاجتهاديّ والأمارات، ويكون علمه تنزيليّاً تعبّدياً، لا وجدانيّاً.

فرجوع الجاهل في هذه الأعصار إلى علماء الدين وإن كان فطريّاً، ولا طريق لهم بها إلّاذلك، لكن هذا البناء ما لم يكن مشفوعاً بالإمضاء، وهذا الارتكاز ما لم يصر ممضىً من الشارع، لا يجوز العمل على طبقه، ولا يكون حجّة بين العبد والمولى‌.

ومجرّد ارتكازيّة رجوع كلّ ذي صنعة إلى أصحاب الصنائع، وكلِّ جاهل إلى العالم، لايوجب الحجّية إذا لم يتّصل بزمان الشارع، حتّى يكشف الإمضاء، وليس إمضاء الارتكاز وبناء العقلاء من الامور اللّفظيّة، حتّى يتمسّك بعمومها أو إطلاقها، ولم يرد دليل على إمضاء كلّ المرتكزات إلّاما خرج، حتّى يتمسّك به.


صفحه 66

ومن ذلك يعلم عدم جواز التمسّك بإرجاع الأئمّة عليهم السلام إلى‌ أصحابهم، كإرجاع‌[1]ابن أبي يعفور[2]إلى الثقفيّ‌[3]، وكالإرجاع إلى زرارة[4]بقوله:

(إذا

[1]رجال الكشّي 1: 383، الاختصاص: 201، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23، مستدرك الوسائل 17: 314، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 11.

[2]ابن أبي يعفور: هو الشيخ الجليل العالم الفقيه الثقة الثقة، أبو محمّد عبد اللَّه بن أبي يعفور، واسم أبيه واقد أو وقدان. كان من خواصّ أصحاب الإمام الصادق عليه السلام كريماً عليه، ومن أهل الورع والاجتهاد، وكان يقرئ القرآن في مسجد الكوفة. روى عنه عليه السلام وعن أخيه عبد الكريم ابن أبي يعفور، وأبي الصامت، وروى‌ عنه إسحاق بن عمّار، والحسين بن المختار، ومنصور ابن حازم. مات رضوان اللَّه عليه في حياة الإمام الصادق عليه السلام.

انظر رجال النجّاشي: 213/ 556، ومعجم رجال الحديث 10: 96/ 6680.

[3]الثقفي: هو الشيخ العالم الفقيه الورع الثقة؛ أبو جعفر محمّد بن مسلم بن رياح الثقفيّ الأوقص الطحّان الطائفيّ الكوفيّ. كان من أوثق الناس، ووجهَ أصحابنا بالكوفة، ومن الفقهاء الأعلام الذين أجمعت العصابة على تصديقهم، والانقياد لهم في الفقه. صحب الإمامين الصادقيين عليهما السلام وروى‌ عنهما، وعن أبي حمزة الثمالي، وزرارة، ومحمّد بن مسعود الطائيّ، وروى‌ عنه أبان بن عثمان، وبريد بن معاوية، وعليّ بن رئاب، مات ابن مسلم رحمه الله سنة 150 ه.

انظر رجال النجّاشي: 323/ 882، ورجال الكشّي 2: 507، ومعجم رجال الحديث 17: 247/ 11779.

[4]زرارة: هو الشيخ الجليل، الفقيه المتكلّم المقرئ، الشاعر الأديب الثقة؛ أبو الحسن عبد ربّه (الملقّب بزرارة) ابن أعين بن سنسن الشيبانيّ الكوفيّ. شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم، اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، وكان صادقاً فيما يرويه، ولولاه وأمثاله لاندرست أحاديث الباقر عليه السلام. صحب من الأئمّة الميامين الباقر والصادق عليهما السلام وكان أيضاً ممّن أجمع أصحابنا على تصديقهم، والانقياد لهم في الفقه. روى عن حمران بن أعين، وعبد الكريم بن عتبة الهاشميّ، ومحمّد بن مسلم، وروى عنه أبان بن تغلب، وثعلبة بن ميمون، وعثمان بن عيسى. مات قدس سره سنة 150 ه.

انظر رجال النجّاشي: 175/ 463، وفهرست الشيخ الطوسي: 74/ 302، ورجال الشيخ: 123 و 201، ومعجم رجال الحديث 7: 218- 221 و 247- 248.


صفحه 67

أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس)[1]

مشيراً إليه.

وكقوله عليه السلام لأبان بن تغلب‌

( أما واللَّه، لقد أوجع قلبي موتُ أبان).[2]:

(اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يرى‌ في شيعتي مثلك)[3]

إلى‌ غير ذلك‌[4]

[1]رجال الكشّي 1: 347، وسائل الشيعة 18: 104، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 19.

[2]أبان بن تغلب: هوالشيخ المقرئ، الفقيه اللّغوي الثقة؛ أبو سيعد أبان بن تغلب بن رباح البكريّ الجريريّ الكنديّ. كان عظيم المنزلة في أصحابنا، مقدّماً في كلّ فنّ من العلوم، سواء في ذلك القرآن، والفقه، والحديث، والأدب، واللغة، والنحو، لقي الإمام زين العابدين والإمامين الصادقين عليهم السلام وكانت له عندهم منزلة وقدم، كان إذا حلّ بالمدينة تقوّضت إليه الحلق، واخليت له سارية النبي صلى الله عليه و آله و سلم. روى عن أبي حمزة الثماليّ، وزرارة، وسعيد بن المسيّب، وروى عنه جميل بن درّاج، وعليّ بن رئاب، ومنصور بن حازم مات أبان رضي اللَّه عنه سنة 141 ه، فقال أبو عبد اللَّه الصادق عليه السلام لمّا أتاه نعيه:

(أما واللَّه، لقد أوجع قلبي موتُ أبان).

انظر مشيخة الفقيه: 23، ورجال النجّاشي: 10/ 7، وفهرست الشيخ: 17/ 51، ومعجم رجال الحديث 1: 150- 151.

[3]رجال النجّاشي: 10، فهرست الشيخ: 17، وسائل الشيعة 20: 116، مستدرك الوسائل 17: 315، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 14.

[4]يأتي بعضها في الصفحة 78، راجع نهاية الأفكار (القسم الثاني من الجزء الرابع): 244- 245.


صفحه 68

بدعوى‌:أنّ إرجاعهم إليهم لم يكن إلّالعلمهم بالأحكام، وهو مشترك بينهم وبين فقهاء عصرنا، فيفهم العرف جوازالرجوع إلى فقهاء عصرنا بإلغاء الخصوصية.

وذلك للفرق الواضح بينهم وبين فقهائنا؛ لأنّ الإرجاع إليهم إرجاع إلى الأحكام الواقعيّة المعلومة لبطانتهم؛ لسؤالهم مشافهة منهم، وعلمهم بفتاويهم، من غير اجتهاد كاجتهاد فقهائنا، فمثل زرارة، ومحمّد بن مسلم، وأبي بصير[1]؛ ممّن تلمّذ لدى الأئمّة عليهم السلام سنين متمادية، وأخذ الأحكام منهم مشافهة، كان عارفاً بنفس فتاوى الأئمّة الصادرة لأجل الحكم الواقعيّ.

وأمّا فقهاء عصرنا، فيكون علمهم عن اجتهاد بالوظيفة الأعمّ من الواقعيّة والظاهريّة، فلا يمكن إلغاء الخصوصيّة، بل يكون القياس بينهما مع الفارق.

[1]أبو بصير: هو الشيخ الثقة الوجيه، والعالم الفقيه؛ يحيى بن القاسم (أو ابن أبي القاسم؛ إسحاق) الأسدي. ولد مكفوفاً، ورأى الدنيا مرّتين ببركة الإمامين الصادقين عليهما السلام ويمنهما. روى عنهما صلوات اللَّه عليهما، وروى عنه أبو خديجة، وأبان بن عثمان، وإسحاق بن عمّار ... وكان أيضاً ممّن أجمع الأصحاب على تصديقه، وممّن أقرّوا له بالفقه والجلالة، وكان عليّ بن أبى حمزة البطائنيّ، قائده وتلميذه والراوي عنه كثيراً مات رحمه الله سنة 150 ه.

انظر رجال النجّاشي: 441/ 1187، ورجال العلّامة الحلّي: 246، ومعجم رجال الحديث 20: 75- 76 و 21: 45- 47.