مع العلم، والفتوى ليس إلّابالاجتهاد والتفقّه.
ومنها:أخبار النهي عن الحكم بغير ما أنزل اللَّه
( من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللَّه عزّوجلّ، فهو كافر باللَّه العظيم)[1]، ومقابله ملازم للاجتهاد.
وعن «نهج البلاغة» فيما كتب إلى قُثَم بن عبّاس[2]:
(واجلس لهم العصرين، فأفت المستفتي، وعلّم الجاهل، وذكّر العالم)[3]
.ومنها:ما عن كتاب «الغيبة» بإسناده عن الحسين بن روح[4]، عن أبي
[1]كقوله عليه السلام:
(من حكم في درهمين بغير ما أنزل اللَّه عزّوجلّ، فهو كافر باللَّه العظيم)
راجع وسائل الشيعة 18: 17، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 5، مستدرك الوسائل 17: 250، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 5.
[2]قثم بن عبّاس: هو الصحابيّ التابعيّ الجليل، والعالم الفقيه؛ قُثَمْ بن العبّاس بن عبد المطّلب الهاشميّ. كان من وجوه الصحابة والتابعين، كريماً جواداً، أمّره أميرالمؤمنين عليه السلام على مكّة المكرّمة، فلمّا توجه بسر بن أرطاة من قبل معاوية انهزم قثم منها، ودخلها بسر، فاستعمل عليها شيبة بن عثمان، وخرج منها، ثمّ رجع قثم فغلب عليها، وبقي على مكّة إلى أن استشهد أميرالمؤمنين صلوات اللَّه عليه. ثمّ شارك في جيش سعيد بن عثمان بن عفّان، حتّى قتل في سمرقند سنة 56 ه.
انظر الكامل في التأريخ 3: 513، وتذهيب التهذيب 2: 359/ 5909، وتنقيح المقال 3: 27/ 9638، ومعجم رجال الحديث 14: 76/ 9599.
[3]نهج البلاغة 4: 642، مستدرك الوسائل 17: 315، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 15.
[4]الحسين بن روح: هو السفير الثالث للحجّة المنتظر صلوات اللَّه عليه، وبابه ونائبه؛ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختيّ. كان قبل تشرّفه بمقام السفارة وكيلًا للنائب الثاني؛ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمريّ، فكان ينظر له في أملاكه سنين عديدة، ويلقى بأسراره الرؤساء من الشيعة، وكان خصّيصاً به. فحصل له في أنفس الشيعة مقام جليل؛ لمعرفتهم باختصاصه بالعمريّ، وتوثيقه عندهم، ونشر فضله ودينه، فتمهّدت له الحال في طول حياة العمريّ إلى أن انتهت الوصيّة إليه بالنصّ عليه، فلم تختلف الشيعة في أمره. كان أبو القاسم رضوان اللَّه عليه من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقيّة، وكانت العامّة أيضاً تعظّمه. بقي نائباً أكثر من عشرين عاماً حتّى وافته المنيّة سنة 236 ه.
انظر الغيبة، الشيخ الطوسيّ: 227، وتنقيح المقال 1: 328.
محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام: أنّه سئل عن كتب بني فضّال فقال:
(خذوا بما رووا، وذروا ما رأوا)[1]
. تدلّ على أنّ لهم آراء، وليست نفس الروايات آراءهم، واحتمال كون الآراء هي المربوطة باصول المذهب، مدفوع بإطلاقها، ولعلّ منعه عن الأخذ بآرائهم؛ لاعتبار كون المفتي على مذهب الحقّ وعلى العدالة.
ومنها:قول أبي جعفر عليه السلام لأبان بن تغلب المتقدّم آنفاً[2]، فإنّ الإفتاء ليس إلّا بالاجتهاد.
ومنها:بعض الروايات التي تشير إلى كيفيّة استنباط الحكم من الكتاب، مثل ما عن محمّد بن عليّ بن الحسين، بإسناده
عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: ألا تخبرني من أين علمت وقلت: (إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟!).
[1]الغيبة، الشيخ الطوسيّ: 239، وسائل الشيعة 18: 103، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 13.
[2]تقدّم في الصفحة 67.
فضحك وقال: (يا زرارة، قاله رسول اللَّه، ونزل به الكتاب عن اللَّه عزّوجلّ، لأنّ اللَّه عزّوجلّ قال:«فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ»[1]فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل.
ثمّ قال: «وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ»فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين.
ثمّ فصل بين الكلام فقال:«وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ»فعرفنا حين قال:
«بِرُؤُسِكُمْ»أنّ المسح ببعض الرأس، لمكان «الباء».
ثمّ وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه، فقال:«وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ»فعرفنا حين وصلهما بالرأس، أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم للنّاس فضيّعوه ...)
الحديث[2].
انظر إلى كيفيّة تعليمه الاستنباط من الكتاب.
ومثلها بل أوضح منها، مرسلة يونس[3]الطويلة في باب سنن
[1]المائدة (5): 6.
[2]الكافي 3: 30/ 4، الفقيه 1: 56/ 212، علل الشرائع: 279/ 1، تهذيب الأحكام 1: 61/ 168، الاستبصار 1: 62/ 186، وسائل الشيعة 1: 290، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 23، الحديث 1.
[3]يونس: هو الشيخ المتكلّم الفقيه الثقة؛ أبو محمّد يونس بن عبد الرحمان مولى علي بن يقطين. كان وجهاً في أصحابنا، متقدّماً، عظيم المنزلة، رأى الإمام الصادق عليه السلام بين الصفا والمروة، ولم يروِ عنه، وروى عن الإمامين الكاظم والرضا صلوات اللَّه عليهما. وكان الإمام الرضا عليه السلام يشير إليه في العلم والفتوى، كيف؟! وقد كان رحمه الله سلمان زمانه. روى عن أبان بن عثمان، وعبد الرحمان بن الحجّاج، وهشام بن الحكم، وروى عنه العبّاس بن معروف، ومحمّد بن خالد البرقيّ ومحمّد بن عيسى اليقطينيّ.
انظر رجال النجّاشي: 446/ 1208، ومعجم رجال الحديث 20: 198.
الاستحاضة[1]، وفيها موارد ترشدنا إلى طريق الاجتهاد فراجع[2].
وكرواية عبد الأعلى[3]في المسح على المرارة حيث قال:
(هذا وأشباهه يعرف من كتاب اللَّه، قال اللَّه تعالى:«ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»[4]امسح عليه)[5]
، وهل هذا إلّا الاجتهاد؟!
ومنها:روايات عرض الأخبار على الكتاب وأخبار العامّة، وترجيح
[1]الكافي 3: 83/ 1، تهذيب الأحكام 1: 381/ 1183، وسائل الشيعة 2: 538، كتاب الطهارة، أبواب الحيض، الباب 3، الحديث 4.
[2]راجع لإيضاح هذه الموارد طهارة الإمام العلّامة الأكبر الخميني قدس سره 1: 76 وما بعدها.
[3]عبد الأعلى: هو الشيخ العالم الفقيه الثقة؛ عبد الأعلى بن أعين مولى آل سام. كان من فقهاء أصحاب الإمام الصادق عليه السلام والأعلام والرؤساء، المأخوذ عنهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق لذمّ واحد منهم. روى عن سويد بن غفلة، والمعلّى بن خنيس، وأمّ فروة، وروى عنه ثعلبة بن ميمون، وحمّاد بن عثمان، وسيف بن عميرة.
انظر مصنّفات الشيخ المفيد 9: 25 و 39 (أجوبة أهل الموصل في العدد والرؤية)، ومعجم رجال الحديث 9: 254 و 259.
[4]الحجّ (22): 78.
[5]الكافي 3: 33/ 4، تهذيب الأحكام 1: 363/ 1097، الاستبصار 1: 77/ 240، وسائل الشيعة 1: 327، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 39، الحديث 5.
بعضها على بعض[1]، وهو من أوضح موارد الاجتهاد المتعارف بين أهل الصناعة.
ومنها:مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال:
(ونظر في حلالنا وحرآمنا، وعرف أحكامنا)[2]
بالتقريب المتقدّم[3]في اختصاص المنصب بالمجتهدين.
وقال:«كلاهما اختلفا في حديثكم» حيث إنّ الاختلاف في الحديث: إمّا اختلاف في معناه، أو اختلاف في أخذ كلّ بحديث؛ لمكان الترجيح بنظره على الآخر، وهو عين الاجتهاد، واحتمال عدم اطلاع كلّ على مدرك الآخر مع كونهما مجتمعين في النظر في حقّهما، غير ممكن.
... إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره، ويطّلع عليه المتتبّع.
ما يدلّ على إرجاع الأئمّة إلى الفقهاء
وتدلّ على المقدمة الثانية أخبار كثيرة أيضاً:
منها:المقبولة الظاهرة في إرجاعهم إلى الفقهاء من أصحابنا في الشبهة الحكميّة الاجتهاديّة، وجعل الفقيه مرجعاً، ونصبه للحكم في الشبهات الحكميّة ملازم لاعتبار فتواه، ومثلها ما عن أبي خديجة في المشهورة[4]
[1]انظر وسائل الشيعة 18: 75، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، ومستدرك الوسائل 17: 302، كتاب القضاء أبواب صفات القاضي، الباب 9.
[2]الكافي 1: 54/ 10، الفقيه 3: 5/ 2، تهذيب الأحكام 6: 301/ 845، الاحتجاج: 355، وسائل الشيعة 18: 75، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1.
[3]تقدّم في الصفحة 26- 30.
[4]تهذيب الأحكام 6: 303/ 846، وسائل الشيعة 18: 100، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 6.
ومنها:قوله في التوقيع:
(و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)[1].
ومنها:ما وردت في تفسير آية النفر[2].
ومنها:روايات كثيرة دالّة على الإرجاع إلى فقهاء أصحابنا، ويظهر منها أنّ الأمر كان ارتكازيّاً [لدى] الشيعة، مثل ما عن الكشّي[3]، بإسناده عن شعيب العقرقوفيّ[4]،
قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: ربّما احتجنا أن نسأل عن الشيء،
[1]إكمال الدين: 484/ 4، الغيبة، الشيخ الطوسيّ: 176، الاحتجاج: 469، وسائل الشيعة 18: 101، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 9.
[2]التوبة (9): 122، وسائل الشيعة 18: 69، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 65، و 18: 101، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 10 ويأتي بعضها في الصفحة 137- 138.
[3]الكشّي: هو الشيخ المقدّم الجليل، والرجاليّ الخبير؛ أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي. كان ثقة عيناً، بصيراً بالرجال والأخبار، حسن الاعتقاد، صحب العيّاشي، وأخذ عنه، وتخرج عليه. له كتاب الرجال المعروف والذي كان كثير الأغلاط، جامعاً للأخبار الواردة في حقّ رواة الخاصّة والعامّة، فعمد الشيخ الطوسي رحمه الله إلى تهذيبه، ومحّضه في رجال الخاصّة، مسميّاً إياه «باختيار معرفة الرجال».
انظر رجال النجّاشي: 372/ 1018، وفهرست الشيخ الطوسي: 141/ 604، وخاتمة المستدرك: 529.
[4]شعيب العقرقوفيّ: هو الشيخ الثقة العين؛ أبو يعقوب شعيب بن يعقوب العقرقوفيّ، ابن اخت أبي بصير؛ يحيى بن القاسم، صحب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام وروى عنهما، وعن أبوي بصير وحمزة، وروى عنه حمّاد بن عيسى، والحسن بن محبوب، ويونس بن يعقوب.
انظر رجال النجّاشي: 195/ 520، وفهرست الشيخ الطوسي: 82/ 341، ومعجم رجال الحديث 9: 36 و 38.
فمن نسأل؟
قال: (عليك بالأسديّ) يعني أبا بصير
[1].
وعن عليّ بن المسيّب[2]، قال: قلت للرضا عليه الصلاة والسلام: شقّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟
قال: (من زكريّا بن آدم القمّي[3]، المأمون على الدين والدنيا).
قال علي بن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم، فسألته عمّا احتجت إليه[4]
[1]رجال الكشّي 1: 400، وسائل الشيعة 18: 103، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 15.
[2]عليّ بن المسيّب: هو الشيخ الثقة؛ عليّ بن المسيّب الهمدانيّ، من أصحاب الرضا عليه السلام، روى عنه عليه السلام وعن زياد بن بلال، وروى عنه محمّد بن عيسى العبيدي، وأحمد بن الوليد.
انظر رجال الشيخ: 382، والكافي 6: 372، ورجال الكشّي 2: 858، والمحاسن: 525.
[3]زكريّا بن آدم القميّ: هو الشيخ الثقة الجليل الفقيه؛ أبو يحيى زكريّا بن آدم بن عبد اللَّه بن سعد الأشعري القميّ. صحب الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام وكان عظيم القدر، مأموناً على الدين والدنيا، وفيّاً لهما، وذا مقام رفيع ومنزلة عالية عندهما عليهما السلام. روى عن داود الرقي، والكاهلي، وروى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، وسعد بن سعد، ومحمّد بن خالد.
انظر رجال النجاشي 174/ 458، ورجال الشيخ: 377 و 401، ورجال الكشّي 2: 792 و 858- 859، ومعجم رجال الحديث 7: 274.
[4]رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.
فيعلم من أمثالهما:أنّ ارتكازهم كان على الرجوع إلى العلماء، وارادوا أن يعرِّف الإمام شخصاً ثقة مأموناً، وأنّ عليّ بن المسيّب كان يسأل عمّا احتاج إليه من الامور الفرعيّة، وأجابه زكريا بما رزقه اللَّه فهمه من الكتاب وأخبار أهل البيت؛ باجتهاده ونظره.
ومثلهما غيرهما[1]، بل إنكار رجوع عوامّ الشيعة في البلاد النائية عن الأئمّة عليهم السلام إلى علمائهم، مجازفة محضة.
هذا، لكن بقي الإشكال:وهو أنّ هذا الاختلاف الكثير الذي نشاهده بين الفقهاء في الفتوى، لا أظنّ وجوده في عصر الأئمّة عليهم السلام، ومعه لا يمكن إمضاء الرجوع في ذلك العصر، أن يكشف منه الإمضاء في هذا العصر كما لا يخفى.
نعم، لا يرد هذا الإشكال على الوجه الآتي.
عدم ردع الأئمة عليهم السلام عن ارتكاز العقلاء كاشف عن رضاهم
وأمّا الأمر الثاني:أي عدم ردعهم عن هذا الارتكاز كاشف عن رضاهم بذلك، فهو أيضاً واضح؛ ضرورة أنّ ارتكازيّة رجوع الجاهل في كلّ شيء إلى عالمه، معلومة لكلّ أحد، وأنّ الأئمّة عليهم السلام قد علموا بأنّ علماء الشيعة في زمان
[1]كصحيحة ابن أبي يعفور الآتية في الصفحة 101- 102. راجع رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.