بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 78

بعضها على بعض‌[1]، وهو من أوضح موارد الاجتهاد المتعارف بين أهل الصناعة.

ومنها:مقبولة عمر بن حنظلة حيث قال:

(ونظر في حلالنا وحرآمنا، وعرف أحكامنا)[2]

بالتقريب المتقدّم‌[3]في اختصاص المنصب بالمجتهدين.

وقال:«كلاهما اختلفا في حديثكم» حيث إنّ الاختلاف في الحديث: إمّا اختلاف في معناه، أو اختلاف في أخذ كلّ بحديث؛ لمكان الترجيح بنظره على الآخر، وهو عين الاجتهاد، واحتمال عدم اطلاع كلّ على‌ مدرك الآخر مع كونهما مجتمعين في النظر في حقّهما، غير ممكن.

... إلى غير ذلك ممّا يطول ذكره، ويطّلع عليه المتتبّع.

ما يدلّ على إرجاع الأئمّة إلى الفقهاء

وتدلّ على المقدمة الثانية أخبار كثيرة أيضاً:

منها:المقبولة الظاهرة في إرجاعهم إلى الفقهاء من أصحابنا في الشبهة الحكميّة الاجتهاديّة، وجعل الفقيه مرجعاً، ونصبه للحكم في الشبهات الحكميّة ملازم لاعتبار فتواه، ومثلها ما عن أبي خديجة في المشهورة[4]

[1]انظر وسائل الشيعة 18: 75، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، ومستدرك الوسائل 17: 302، كتاب القضاء أبواب صفات القاضي، الباب 9.

[2]الكافي 1: 54/ 10، الفقيه 3: 5/ 2، تهذيب الأحكام 6: 301/ 845، الاحتجاج: 355، وسائل الشيعة 18: 75، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 1.

[3]تقدّم في الصفحة 26- 30.

[4]تهذيب الأحكام 6: 303/ 846، وسائل الشيعة 18: 100، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 6.


صفحه 79

ومنها:قوله في التوقيع:

(و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا)[1].

ومنها:ما وردت في تفسير آية النفر[2].

ومنها:روايات كثيرة دالّة على الإرجاع إلى فقهاء أصحابنا، ويظهر منها أنّ الأمر كان ارتكازيّاً [لدى‌] الشيعة، مثل ما عن الكشّي‌[3]، بإسناده عن شعيب العقرقوفيّ‌[4]،

قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: ربّما احتجنا أن نسأل عن الشي‌ء،

[1]إكمال الدين: 484/ 4، الغيبة، الشيخ الطوسيّ: 176، الاحتجاج: 469، وسائل الشيعة 18: 101، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 9.

[2]التوبة (9): 122، وسائل الشيعة 18: 69، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 65، و 18: 101، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 10 ويأتي بعضها في الصفحة 137- 138.

[3]الكشّي: هو الشيخ المقدّم الجليل، والرجاليّ الخبير؛ أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي. كان ثقة عيناً، بصيراً بالرجال والأخبار، حسن الاعتقاد، صحب العيّاشي، وأخذ عنه، وتخرج عليه. له كتاب الرجال المعروف والذي كان كثير الأغلاط، جامعاً للأخبار الواردة في حقّ رواة الخاصّة والعامّة، فعمد الشيخ الطوسي رحمه الله إلى تهذيبه، ومحّضه في رجال الخاصّة، مسميّاً إياه «باختيار معرفة الرجال».

انظر رجال النجّاشي: 372/ 1018، وفهرست الشيخ الطوسي: 141/ 604، وخاتمة المستدرك: 529.

[4]شعيب العقرقوفيّ: هو الشيخ الثقة العين؛ أبو يعقوب شعيب بن يعقوب العقرقوفيّ، ابن اخت أبي بصير؛ يحيى بن القاسم، صحب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام وروى عنهما، وعن أبوي بصير وحمزة، وروى عنه حمّاد بن عيسى، والحسن بن محبوب، ويونس بن يعقوب.

انظر رجال النجّاشي: 195/ 520، وفهرست الشيخ الطوسي: 82/ 341، ومعجم رجال الحديث 9: 36 و 38.


صفحه 80

فمن نسأل؟

قال: (عليك بالأسديّ) يعني أبا بصير

[1].

وعن عليّ بن المسيّب‌[2]، قال: قلت للرضا عليه الصلاة والسلام: شقّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟

قال: (من زكريّا بن آدم القمّي‌[3]، المأمون على الدين والدنيا).

قال علي بن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم، فسألته عمّا احتجت إليه‌[4]

[1]رجال الكشّي 1: 400، وسائل الشيعة 18: 103، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 15.

[2]عليّ بن المسيّب: هو الشيخ الثقة؛ عليّ بن المسيّب الهمدانيّ، من أصحاب الرضا عليه السلام، روى عنه عليه السلام وعن زياد بن بلال، وروى عنه محمّد بن عيسى العبيدي، وأحمد بن الوليد.

انظر رجال الشيخ: 382، والكافي 6: 372، ورجال الكشّي 2: 858، والمحاسن: 525.

[3]زكريّا بن آدم القميّ: هو الشيخ الثقة الجليل الفقيه؛ أبو يحيى‌ زكريّا بن آدم بن عبد اللَّه بن سعد الأشعري القميّ. صحب الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام وكان عظيم القدر، مأموناً على الدين والدنيا، وفيّاً لهما، وذا مقام رفيع ومنزلة عالية عندهما عليهما السلام. روى عن داود الرقي، والكاهلي، وروى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، وسعد بن سعد، ومحمّد بن خالد.

انظر رجال النجاشي 174/ 458، ورجال الشيخ: 377 و 401، ورجال الكشّي 2: 792 و 858- 859، ومعجم رجال الحديث 7: 274.

[4]رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.


صفحه 81

فيعلم من أمثالهما:أنّ ارتكازهم كان على الرجوع إلى العلماء، وارادوا أن يعرِّف الإمام شخصاً ثقة مأموناً، وأنّ عليّ بن المسيّب كان يسأل عمّا احتاج إليه من الامور الفرعيّة، وأجابه زكريا بما رزقه اللَّه فهمه من الكتاب وأخبار أهل البيت؛ باجتهاده ونظره.

ومثلهما غيرهما[1]، بل إنكار رجوع عوامّ الشيعة في البلاد النائية عن الأئمّة عليهم السلام إلى علمائهم، مجازفة محضة.

هذا، لكن بقي الإشكال:وهو أنّ هذا الاختلاف الكثير الذي نشاهده بين الفقهاء في الفتوى، لا أظنّ وجوده في عصر الأئمّة عليهم السلام، ومعه لا يمكن إمضاء الرجوع في ذلك العصر، أن يكشف منه الإمضاء في هذا العصر كما لا يخفى‌.

نعم، لا يرد هذا الإشكال على الوجه الآتي.

عدم ردع الأئمة عليهم السلام عن ارتكاز العقلاء كاشف عن رضاهم‌

وأمّا الأمر الثاني:أي عدم ردعهم عن هذا الارتكاز كاشف عن رضاهم بذلك، فهو أيضاً واضح؛ ضرورة أنّ ارتكازيّة رجوع الجاهل في كلّ شي‌ء إلى‌ عالمه، معلومة لكلّ أحد، وأنّ الأئمّة عليهم السلام قد علموا بأنّ علماء الشيعة في زمان‌

[1]كصحيحة ابن أبي يعفور الآتية في الصفحة 101- 102. راجع رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.


صفحه 82

الغيبة وحرمانهم عن الوصول إلى الإمام، لا محيص لهم من الرجوع إلى كتب الأخبار والاصول والجوامع، كما أخبروا بذلك، ولا محالة يرجع عوامّ الشيعة إلى علمائهم بحسب الارتكاز والبناء العقلائي المعلوم لكلّ أحد.

فلولا ارتضاؤهم بذلك لكان عليهم الردع؛ إذ لافرق بين السيرة المتّصلة بزمانهم وغيرها؛ ممّا علموا وأخبروا بوقوع الناس فيه، فإنّهم أخبروا عن وقوع الغيبة الطويلة[1]، وأنّ كفيل أيتام آل محمّد صلّى اللَّه عليه وعليهم علماؤهم‌[2]، وأنّه سيأتي زمان هرج ومرج يحتاج العلماء إلى كتب أصحابهم‌[3]، فأمروا بضبط الأحاديث وثبتها في الكتب.

فتحصّل من جميع ذلك:أنّ الإشكال على أصل السيرة غير وارد، فيدلّ على أصل التقليد الارتكاز القطعيّ العقلائيّ.

كيفيّة السيرة العقلائيّة ومناطها

ثمّ إنّه لابدّ من البحث عن كيفيّة السيرة، وأنّها مع وجود الأفضل واختلافه مع الفاضل كيف هي؟ فلابدّ أوّلًا من بيان مناط رجوع الجاهل إلى العالم حتّى‌

[1]انظر بحار الأنوار 51: 72 وما بعدها.

[2]مستدرك الوسائل 17: 317، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 22، 23، 24، 27، 28.

[3]الكافي 1: 42/ 11، وسائل الشيعة 18: 56، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 18.


صفحه 83

يتّضح الحال.

لا إشكال في أنّ رجوعه إليه، إنّما هو لأجل طريقيّته إلى الواقع وكشفه عنه، وأنّ منشأه إلغاء احتمال الخلاف؛ لأجل غلبة موافقة قوله للواقع، وندرة المخالفة؛ بحيث لايعتني بها العقلاء، بل يكون نوع العقلاء في مقام العمل، غافلًا عن احتمال المخالفة، فيعمل على طبقه، ويرى وصوله إليه بارتكازه، نعم لو تنبّه يرى أنّه ليس بعالم.

ولعلّ هذا هو المراد ب «العلم العاديّ» المتداول على السنتهم‌[1]، ولعلّ هذا الوجه هو المعوّل عليه في نوع سيرة العقلاء وبنائهم العمليّ، كالتعويل على أصالة الصحّة، وخبر الثقة واليد، والبناء على الصحّة في باب العيوب.

وأمّا احتمال كون بنائهم على ذلك لأجل مقدّمات الانسداد، بأن يقال: يرى العقلاء احتياجهم في تشخيص أمر من الامور، ولايمكن لهم الاحتياط أو يعسر عليهم، ولايجوز لهم الإهمال؛ لأجل احتياجهم إليه في العمل، وليس لهم طريق إلى الواقع، فيحكم عقلهم بالرجوع إلى الخبير؛ لأجل أقربيّة قوله إلى الواقع من غيره‌[2].

أو احتمال أن يكون منشأ ذلك، هو القوانين الموضوعة من زعماء القوم ورؤسائهم السياسيّين أو الدينيّين؛ لأجل تسهيل الأمر على الناس ورغد عيشهم.

[1]قوانين الاصول 1: 432 سطر 2 و 2: 229 سطر 5، مفاتيح الاصول: 328 سطر 26، مقباس الهداية 1: 126.

[2]انظر قوانين الاصول 2: 246 سطر 17، وضوابط الاصول: 414 سطر 7.


صفحه 84

فكلاهما بعيدان عن الصواب؛ ضرورة بطلان مقدّمات الانسداد في كثير من الموارد، وعلى فرض تماميّتها لاتنتج ذلك، وبُعدِ الوجه الثاني بل امتناعه عادة؛ ضرورة [أنّ إطباق‌][1]القوانين البشريّة من باب الاتفاق- مع تفرّق البشر في الأصقاع المتباعدة، واختلاف مسالكهم وعشرتهم وأديانهم- ملحق بالممتنع.

و أمّا الوجه الأوّل:فأمر معقول موافق للاعتبار، نعم لايبعد أن يكون للانسداد دخل في أعمالهم في جميع الموارد، أو في بعضها.

لكن يرد على هذا الوجه:أنّه كيف يمكن أن يدّعى بناء العقلاء على إلغاء احتمال الخلاف والخطأ، مع هذه الاختلافات الكثيرة المشاهدة من الفقهاء، بل من فقيه واحد في كتبه العديدة، بل في كتاب واحد؟!

ولهذا لايبعد أن يكون رجوع العامّي إلى الفقيه، إمّا لتوهّم كون فنّ الفقه- كسائر الفنون- يقلّ الخطأ فيه، ويكون رجوع العقلاء لمقدّمة باطلة وتوهّم خطأ، أو لأمر تعبّدي أخذه الخلف عن السلف، لا لأمر عقلائي، وهو أمر آخر غير بناء العقلاء.

ودعوى قلّة خطأ الفقهاء بالنسبة إلى صوابهم؛ بحيث يكون احتماله ملغى- وإن كثر- بعد ضمّ الموارد بعضها إلى بعض، غير وجيهة، مع ما نرى من الاختلافات الكثيرة في كلّ باب إلى ما شاء اللَّه.

وقد يقال:إنّ المطلوب للعقلاء في باب الاحتجاجات بين الموالي والعبيد،

[1]في الطبع السابق: تصادف.


صفحه 85

قيام الحجّة وسقوط التكليف والعقاب بأيّ وجه اتفق، والرجوع إلى الفقهاء موجب لذلك؛ لأنّ المجتهدين مع اختلافهم في الرأي، مشتركون في عدم الخطأ والتقصير في الاجتهاد.

ولا ينافي ذلك الاختلاف في الرأي؛ لإمكان عثور أحدهما على حجّة في غير مظانّها، أو أصل من الاصول المعتمدة، ولم يعثر عليهما الآخر مع فحصه بالمقدار المتعارف، فتمسّك بالأصل العمليّ، أو عمل على الأمارة التي عنده، فلايكون واحد منهما مخطئاً في اجتهاده، ورأي كلّ منهما حجّة في حقّه وحقّ غيره.

فرجوع العقلاء إليهما لأجل قيام الحجّة والعذر، وهما المطلوب لهم، لا إصابة الواقع الأوّلي، وأوضح من ذلك لو قلنا: بجعل المماثل في مؤدّى الأمارة.

وفيه أوّلًا:أنّ تسمية ذلك «عدم خطأ» في غير محلّه، نعم لا يكون ذلك تقصيراً وإن كان مخطئاً، ومع اختلافهما لامحالة يعلم بخطأ أحدهما، ومعه لا يكون البناء على الرجوع إذا كان الاختلاف كثيراً- ولو في غير مورد اختلافهما- للاعتداد باحتمال الخطأ حينئذٍ.

وثانياً:أنّه لو سلّم أنّ نظر العقلاء في مثل المقام إلى تحصيل الحجّة والعذر، لكنّهما متوقّفان على إلغاء احتمال خطأ الاجتهاد بالنسبة إلى التكاليف الواقعيّة الأوّلية، وهو في المقام ممنوع.

ومؤدّى الطرق لو فرض باطلًا كونه حكماً ثانويّاً، لا يوجب معذوريّته بالنسبة إلى الواقعيّات، إلّاللمعذور وهو المجتهد، لا للمقلّد الذي يكون مبنى عمله‌