بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 89

أدلّة جواز الرجوع إلى المفضول‌

وأمّا حال الأدلّة الشرعيّة، فلابدّ من ذكر ما تشبّث به الطرفان، والبحث في أطرافهما:

أمّا ما يمكن أن يتمسّك به لجواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الأفضل- بل وتخالف رأيهما- فامور:

الأوّل: بعض الآيات الشريفة

منها: قوله تعالى في الأنبياء:«وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»[1].

بدعوى‌:أنّ إطلاقه يقتضي جواز الرجوع إلى المفضول حتّى‌ مع مخالفة قوله للأفضل، ولاسيّما مع ندرة التساوي بين العلماء وتوافقهم في الآراء[2].

و فيه:- مضافاً إلى ظهور الآية في أنّ أهل الذكر هم علماء اليهود والنصارى‌، إرجاع المشركين إليهم، وإلى‌ ورود روايات كثيرة في أنّ أهله هم الأئمّة[3]، بحيث يظهر منها أنّهم أهله لاغير- أنّ الشبهة كانت في اصول العقائد التي‌

[1]الأنبياء (21): 7.

[2]انظر الفصول الغرويّة: 423 سطر 37، وقرّره في مطارح الأنظار: 300 سطر 30.

[3]راجع تفسير البرهان 2: 369- 372 و 3: 52.


صفحه 90

يجب فيها تحصيل العلم.

فيكون المراد:«اسألوا أهل الذكر حتّى‌ يحصل لكم العلم إن كنتم لا تعلمون» ومعلوم أنّ السؤال من واحد منهم لا يوجب العلم، ففي الآية إهمال من هذه الجهة، فيكون المراد: «أنّ طريق تحصيل العلم لكم هو بالرجوع إلى أهل الذكر» كما يقال للمريض: «إنّ طريق استرجاع الصحّة هو بالرجوع إلى الطبيب وشرب الدواء» فليس لها إطلاق يقتضي الرجوع إلى‌ الفاضل أو المفضول مع تعارض قولهما.

ولا يبعد أن يقال:إنّ الآية بصدد إرجاعهم إلى‌ أمر ارتكازيّ؛ هو الرجوع إلى العالم، ولا تكون بصدد تحميل تعبّدي وإيجاب مولويّ.

ومنها:آية النفر في سورة التوبة:«وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ»[1].

والاستدلال بها للمطلوب يتوقّف على امور:

منها:استفادة وجوب النفر منها.

ومنها:كون التفقّه غاية له.

ومنها:كون الإنذار من جنس ما يتفقّه فيه.

ومنها:انحصار التفقّه بالفرعيّات.

[1]التوبة (9): 122، راجع الفصول الغرويّة: 423 سطر 37، وما قرّره في مطارح الأنظار: 300 سطر 30.


صفحه 91

ومنها:كون المنذِر- بالكسر- كلّ واحد من النافرين.

ومنها:كون المنذَر- بالفتح- كلّ واحد من الطائفة الباقية.

ومنها:كون التحذّر عبارة عن العمل بقول المنذِر.

ومنها:وجوب العمل بقوله، حصل العلم منه أو لا، وخالف قول غيره أو لا.

فيصير مفاد الآية بعد تسليم المقدّمات: «يجب على كلّ واحد من كلّ طائفة من كلّ فرقة، النفر لتحصيل الفروع العمليّة؛ ليبيّنها لكلّ واحد من الباقين، ليعمل المنذَر بقوله، حصل العلم منه أو لا، وخالف غيره أو لا».

وأنت خبير: بعدم سلامة [مجموع‌][1]المقدّمات لو سلّم بعضها، فلك أن تمنع كون التفقّه غاية للنفر؛ بأن يقال: إنّ قوله:«وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً»يحتمل أن يكون إخباراً في مقام الإنشاء؛ أي ليس لهم النفر العموميّ، كما ورد:

«أنّ القوم كانوا ينفرون كافّة للجهاد، وبقي رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم وحده، فورد النهي عن النفر العموميّ، والأمر بنفر طائفة للجهاد»[2]، فحينئذٍ لا يكون التفقّه غاية للنفر إذا كان التفقّه لغير النافرين؛ أي الباقين.

لكنّ الإنصاف:أنّ ذلك خلاف ظاهرها، بل ظاهرها أنّ المؤمنين ما كانوا بحسب اشتغالهم بامور المعاش ونظم الدنيا، لينفروا جميعاً؛ أي النفر العموميّ ليس ميسوراً لهم،فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍطائفةٌ منهم للتفقّه، ولا إشكال في أنّ الظاهر منه- مع قطع النظر عن قول المفسّرين- هو كون التفقّه غاية له.

[1]في الطبع السابق: جميع.

[2]الدرّ المنثور 3: 292، مجمع البيان 5: 125- 126.


صفحه 92

وأمّا كون الإنذار من سنخ ما يتفقّه فيه؛ أي بيان الأحكام بنحو الإنذار، فليست الآية ظاهرة فيه، بل الظاهر منها أنّ غاية النفر أمران:

أحدهما:التفقّه في الدين وفهم الأحكام الدينيّة.

وثانيهما:إنذار القوم وموعظتهم.

فيكون المراد:يجب على الفقيه إنذار القوم وإيجاد الخوف من بأس اللَّه في قلوبهم، فإذا خافوا يحكم عقلهم بوجوب تحصيل المؤمّن، فلا محيص لهم إلّاالعلم بأحكام اللَّه مقدّمة للعمل بها.

وأمّا وجوب العمل بقول المنذِر بمجرّده فلا تدلّ الآية عليه.

ودعوى‌:أنّ الإنذار لابدّ وأن يكون من جنس ما يتفقّه فيه، وإلّا فأيّة مناسبة للفقيه معه؟![1]ممنوعة؛لأنّ الإنذار مناسب للفقيه؛ لأنّه يعلم حدوده، وكيفيّته، وشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنّ لكلامه تأثيراً في القوم لا يكون لكلام غيره؛ لعلوّ مقامه، وعظم شأنه لديهم، وأمّا التفقّه في الدين، فهو أعمّ من الاصول والفروع، فلا وجه لاختصاصه بالثاني، والأخبار الواردة في تفسيرها تدلّ على تعميمه‌[2]، فحينئذٍ لا يمكن أن يقال: بوجوب قبول قوله تعبّداً؛ لعدم جريانه في الاصول.

اللهمّ إلّاأن يقال:إنّ إطلاقها على فرضه، يقتضي قبول قول الغير في الاصول والفروع، فيقيّد إطلاقها عقلًا في الاصول، وتبقى الفروع.

[1]انظر فوائد الاصول 3: 188.

[2]راجع تفسير البرهان 2: 171- 173، ويأتي قريباً التعرّض لبعضها.


صفحه 93

وأمّا كون المنذِر- بالكسر- كلّ واحد من الطائفة، فلا إشكال في ظهور الآية فيه، لكنّ الظاهر منها أنّ كلّ واحد من المنذرين يجب عليه إنذار القوم جميعاً، ومعه لا تدلّ الآية على وجوب القبول من كلّ واحد منهم؛ فإنّه بإنذار كلّ واحد منهم قومَهم ربّما يحصل لهم العلم.

وأمّا كون «التحذّر» بمعنى التحذّر العمليّ؛ أي قبول قول الغير والعمل به، فهو خلاف ظاهرها، بل «التحذّر» إمّا بمعنى الخوف، وإمّا بمعنى الاحتراز، وهو الترك عن خوف. والظاهر أنّه بمعنى الخوف الحاصل عن إنذار المنذرين، وهو أمر غير اختياريّ لا يمكن أن يتعلّق بعنوانه الأمر. نعم، يمكن تحصيله بمقدّمات اختياريّة، كالحبّ، والبغض، وأمثالهما.

هذا كلّه مع أنّه لا إطلاق للآية؛ ضرورة أنّها بصدد بيان كيفيّة النفر، وأنّه إذا لم يمكن للنّاس نفر عموميّ، فَلِمَ لا تنفر طائفة منهم؛ فإنّه ميسور لهم؟!

وبالجملة:لا يجوز للناس سدّ باب التفقّه والتعلّم بعذر الاشتغال بامور الدنيا؛ فإنّ أمر الدين- كسائر امورهم- يمكن قيام طائفة به، فلابدّ من التفقّه والإنذار. وأمّا وجوب قبول السامع بمجرّد السماع، فلا إطلاق للآية يدلّ عليه، فضلًا عن إطلاقها لحال التعارض.

والإنصاف:أنّ الآية أجنبيّة عن حجّية قول المفتي، كما أنّها أجنبيّة عن حجّية قول المخبر، بل مفادها- والعلم عند اللَّه-: «أنّه يجب على طائفة من كلّ فرقة أن يتفقّهوا في الدين، ويرجعوا إلى قومهم، وينذروهم بالمواعظ والإنذارات والبيانات الموجبة لحصول الخوف في قلوبهم؛لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‌، ويحصل في‌


صفحه 94

قلوبهم الخوف قهراً، فإذا حصل الخوف في قلوبهم تدور رحى الديانة، ويقوم الناس بأمرها قهراً؛ لسوقهم عقلُهم نحو القيام بالوظائف». هذا حالها مع قطع النظر عن الروايات الواردة في تفسيرها.

ومع النظر إليها أيضاً لا تدلّ على المطلوب:

لأنّ منها:ما تدلّ على أنّ الإمام إذا مات لم يكن للناس عذر في عدم معرفة الإمام الذي بعده؛ أمّا من في البلد فلرفع حجّته، وأمّا غير الحاضر فعليه النفر إذا بلغه‌[1].

ومنها:ما دلّت على‌ أنّ تكليف الناس بعد الإمام الطلب، وأنّ النافرين في عذر ما داموا في الطلب، والمنتظرين في عذر حتّى‌ يرجع إليهم أصحابهم‌[2].

ومعلوم:أنّ قول النافرين بمجرّده، ليس بحجّة في باب الإمامة.

ومنها:ما وردت في علّة الحجّ، وفيها: (مع ما فيه من التفقّه ونقل أخبار الأئمّة عليهم السلام إلى‌ كلّ صُقع وناحية)[3].

ومنها: ما دلّت على أنّه تعالى (أمرهم أن ينفروا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فيتعلّموا، ثمّ يرجعوا إليهم فيعلّموهم) وهو معنى قوله:

(اختلاف امَّتي رحمة)[4]

.______________________________

(1)- الكافي 1: 309/ 2، تفسير البرهان 2: 171/ 4.

(2)- الكافي 1: 309/ 1، تفسير البرهان 2: 171/ 1.

(3)- عيون أخبار الرضا عليه السلام 2: 118، علل الشرائع: 273، وسائل الشيعة 18: 69، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 8، الحديث 65.

(4)- معاني الأخبار: 157/ 1، علل الشرائع: 85/ 4، وسائل الشيعة 18: 101، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 10 (بتفاوت يسير).


صفحه 95

وهذه الطائفة أيضاً لا تدلّ على وجوب القبول بمجرّد السماع، فضلًا عن حال التعارض.

هذا حال الآيات الشريفة، والآيات الاخر التي استدلّ بها[1]، أضعف دلالة منهما.

الثاني: الأخبار التي استدلّ بها على حجّية قول المفضول‌

وأمّا الأخبار فمنها: ما عن «تفسير الإمام عليه السلام» في ذيل قوله تعالى:

«وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ»[2]والحديث طويل.

وفيه:

(وأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)[3].

دلّ بإطلاقه على جواز تقليد المفضول إذا وجد فيه الشرائط ولو مع وجود الأفضل، أو مخالفته له في الرأي‌[4]

[1]كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‌ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» البقرة (2): 159، راجع مطارح الأنظار: 300 سطر 31.

[2]البقرة (2): 78.

[3]تفسير الإمام العسكريّ عليه السلام: 120، الاحتجاج: 457، وسائل الشيعة 18: 94، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 10، الحديث 20.

[4]انظر الفصول الغرويّة: 423 سطر 37، وما قرّر في مطارح الأنظار: 301 سطر 27.


صفحه 96

لكنّه- مع ضعف سنده، وإمكان أن يقال: إنّه في مقام بيان حكم آخر، فلا إطلاق له لحال وجود الأفضل، فضلًا عن صورة العلم بمخالفة رأيه رأي الأفضل- مخدوش من حيث الدلالة؛ لأنّ صدره في بيان تقليد عو امّ اليهود علماءَ هم في الاصول حيث قال:( «وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ»ما تقول رؤساؤهم من تكذيب محمّد في نبوّته، وإمامة عليّ سيّد عترته، وهم يقلّدونهم مع أنّه محرّم عليهم تقليدهم).

ثمّ بعد ما سأل الرجل عن الفرق بين عوامّنا وعوامّهم حيث كانوا مقلّدين.

أجاب بما حاصله: أنّ عوامّهم مع علمهم بفسق علمائهم وكذبهم، وأكلهم الحرام والرشا، وتغييرهم أحكام اللَّه يقلّدونهم، مع أنّ عقلهم يمنعهم عنه، ولو كان [عوامّنا][1]كذلك لكانوا مثلهم.

ثمّ قال:

(و أمّا من كان من الفقهاء ...)

إلى‌ آخره.

فيظهر منه:أنّ الذمّ لم يكن متوجّهاً إلى تقليدهم في اصول العقائد، كالنبوّة، والإمامة، بل متوجّه إلى تقليد فسّاق العلماء، وأنّ عوامّنا لو قلّدوا علمائهم فيما قلّد اليهود علماءهم، فلا بأس به إذا كانوا صائنين لأنفسهم، حافظين لدينهم ... إلى آخره، فإخراج الاصول منه إخراج للمورد، وهو مستهجن، فلابدّ من توجيه الرواية بوجه، أو ردّ علمها إلى أهلها.

وأمّا حملها على حصول العلم من قول العلماء للعو امّ؛ لحسن ظنّهم بهم، وعدم انقداح خلاف الواقع من قولهم، بل يكون قول العلماء لديهم صراح الواقع‌

[1]في الطبع السابق: عوامّهم.