وهذه الطائفة أيضاً لا تدلّ على وجوب القبول بمجرّد السماع، فضلًا عن حال التعارض.
هذا حال الآيات الشريفة، والآيات الاخر التي استدلّ بها[1]، أضعف دلالة منهما.
الثاني: الأخبار التي استدلّ بها على حجّية قول المفضول
وأمّا الأخبار فمنها: ما عن «تفسير الإمام عليه السلام» في ذيل قوله تعالى:
«وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ»[2]والحديث طويل.
وفيه:
(وأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه)[3].
دلّ بإطلاقه على جواز تقليد المفضول إذا وجد فيه الشرائط ولو مع وجود الأفضل، أو مخالفته له في الرأي[4]
[1]كقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» البقرة (2): 159، راجع مطارح الأنظار: 300 سطر 31.
[2]البقرة (2): 78.
[3]تفسير الإمام العسكريّ عليه السلام: 120، الاحتجاج: 457، وسائل الشيعة 18: 94، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 10، الحديث 20.
[4]انظر الفصول الغرويّة: 423 سطر 37، وما قرّر في مطارح الأنظار: 301 سطر 27.
لكنّه- مع ضعف سنده، وإمكان أن يقال: إنّه في مقام بيان حكم آخر، فلا إطلاق له لحال وجود الأفضل، فضلًا عن صورة العلم بمخالفة رأيه رأي الأفضل- مخدوش من حيث الدلالة؛ لأنّ صدره في بيان تقليد عو امّ اليهود علماءَ هم في الاصول حيث قال:( «وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ»ما تقول رؤساؤهم من تكذيب محمّد في نبوّته، وإمامة عليّ سيّد عترته، وهم يقلّدونهم مع أنّه محرّم عليهم تقليدهم).
ثمّ بعد ما سأل الرجل عن الفرق بين عوامّنا وعوامّهم حيث كانوا مقلّدين.
أجاب بما حاصله: أنّ عوامّهم مع علمهم بفسق علمائهم وكذبهم، وأكلهم الحرام والرشا، وتغييرهم أحكام اللَّه يقلّدونهم، مع أنّ عقلهم يمنعهم عنه، ولو كان [عوامّنا][1]كذلك لكانوا مثلهم.
ثمّ قال:
(و أمّا من كان من الفقهاء ...)
إلى آخره.
فيظهر منه:أنّ الذمّ لم يكن متوجّهاً إلى تقليدهم في اصول العقائد، كالنبوّة، والإمامة، بل متوجّه إلى تقليد فسّاق العلماء، وأنّ عوامّنا لو قلّدوا علمائهم فيما قلّد اليهود علماءهم، فلا بأس به إذا كانوا صائنين لأنفسهم، حافظين لدينهم ... إلى آخره، فإخراج الاصول منه إخراج للمورد، وهو مستهجن، فلابدّ من توجيه الرواية بوجه، أو ردّ علمها إلى أهلها.
وأمّا حملها على حصول العلم من قول العلماء للعو امّ؛ لحسن ظنّهم بهم، وعدم انقداح خلاف الواقع من قولهم، بل يكون قول العلماء لديهم صراح الواقع
[1]في الطبع السابق: عوامّهم.
وعين الحقيقة[1]، فبعيد بل غير ممكن؛ لتصريحها بأنّهم لم يكونوا إلّاظانّين بقول رؤسائهم، وأنّ عقلهم كان يحكم بعدم جواز تقليد الفاسق.
مع أنّه لو حصل العلم من قولهم لليهود، لم يتوجّه إليهم ذمّ، بل لم يسمّ ذلك «تقليداً».
وبالجملة:سوق الرواية إنّما هو في التقليد الظنّي، الذي يمكن ردع قسم منه، والأمر بالعمل بقسم منه، والالتزام بجواز التقليد في الاصول أو في بعضها[2]، كما ترى، فالرواية مع ضعفها سنداً، واغتشاشها متناً، لا تصلح للحجيّة.
ولكن يستفاد منها مع ضعف سندها، أمر تأريخيّ يؤيّد ما نحن بصدده؛ وهو أنّ التقليد بهذا المفهوم الذي في زماننا، كان شائعاً من زمن قديم؛ هو زمان الأئمّة أو قريب منه؛ أي من زمان تدوين «تفسير الإمام»[3]أو من قبله بزمان طويل.
ومنها:إطلاق صدر مقبولة عمر بن حنظلة
( ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرآمنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ...).[4]، وإطلاق مشهورة
[1]انظر رسالة في الاجتهاد والتقليد، الشيخ الأعظم الأنصاري، ضمن مجموعة رسائل: 78- 79.
[2]اختاره جماعة، منهم المحقّق الطوسي في بعض رسائله، انظر قوانين الاصول 2: 173 سطر 10.
[3]هذا التفسير رواه الصدوق، عن محمّد بن القاسم الأسترآبادي، عن يوسف بن محمّد بن زياد، وعلي بن محمّد بن سيار، عنه عليه السلام. انظر الاحتجاج: 16، وحيث إنّ وثاقة الأسترآبادي ومن يروى عنهما ممنوعة، فلا سبيل إلى تحديد زمان التأليف بشكل دقيق.
[4]أي قوله عليه السلام:
(ينظران إلى من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرآمنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً؛ فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ...).
الكافي 1: 54/ 10، الفقيه 3: 5/ 2، تهذيب الأحكام 6: 301/ 845، الاحتجاج: 355، وسائل الشيعة 18: 98، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 1.
أبي خديجة[1].
وتقريب الدلالة أن يقال:إنّ الظاهر من صدرها وذيلها
( الحكم ما حكم به أعدلهما وأ فقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر).[2]، شمولها للشبهات الحكميّة، فيؤخذ بإطلاقها في غير مورد واحد متعرَّض له؛ وهو صورة اختلاف الحَكَمين، وكذا المشهورة تشملها بإطلاقها.
فإذا دلّتا على نفوذ حكم الفقيه فيها، تدلّان على اعتبار فتواه في باب فصل الخصومات، وإلّا فلا يعقل إنفاذه بدونه، ويفهم نفوذ فتواه وحجّيتها في غيره؛ إمّا بإلغاء الخصوصيّة عرفاً، أو بدعوى تنقيح المناط[3].
أو يقال:إنّ الظاهر من قوله:
(فإذا حكم بحكمنا)
إلغاء احتمال الخلاف من فتوى الفقيه؛ إذ ليس المراد منه «أنّه إذا علمتم أنّه حكم بحكمنا» بل المراد «أنّه إذا حكم بحكمنا بحسب نظره ورأيه» فجعل نظره طريقاً إلى حكمهم.
هذا، ولكن يرد عليه:أنّ إلغاء الخصوصيّة عرفاً ممنوع؛ ضرورة تحقّق خصوصيّة زائدة في باب الحكومة، ربّما تكون بنظر العرف دخيلة فيها؛ وهي رفع
[1]تهذيب الأحكام 6: 303/ 846، وسائل الشيعة 18: 100، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 6. وراجع الفصول الغرويّة: 423 سطر 37، وما قرّره في مطارح الأنظار: 301 سطر 23.
[2]أي قوله عليه السلام:
(الحكم ما حكم به أعدلهما وأ فقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر).
[3]مطارح الأنظار: 263 سطر 16.
الخصومة بين المتخاصمين، وهو لا يمكن نوعاً إلّابحكم الحاكم النافذ، وهذا أمر مرغوب فيه، لايمكن فيه الاحتياط، ولاتتّفق فيه المصالحة نوعاً.
وأمّا العمل بقول الفقيه فربّما لا يكون مطلوباً، ويكون المطلوب درك الواقع بالاحتياط، أو الأخذ بأحوط الأقوال مع تعذّر الاحتياط التامّ، فدعوى أنّ العرف يفهم من المقبولة وأمثالها حجّية الفتوى، لا تخلو من مجازفة، وأوضح فساداً من ذلك دعوى تنقيح المناط القطعيّ.
وأمّا قوله:
(إذا حكم بحكمنا)
لو سلّم إشعاره بإلغاء احتمال الخلاف، فإنّما هو في باب الحكومة، فلابدّ في التسرية إلى باب الفتوى من دليل، وهو مفقود.
فالإنصاف:عدم جواز التمسّك بأمثال المقبولة للتقليد رأساً، فكما لا يجوز التمسّك بصدرها على جواز تقليد المفضول، لا يجوز ببعض فقرات ذيلها على وجوب تقليد الأعلم، لدى مخالفة قوله مع غيره.
ومنها:إطلاق ما في التوقيع:
(و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا؛ فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللَّه)[1].
وتقريبه: أنّ «الحوادث» أعمّ من الشبهات الحكميّة، والرجوع إلى رواة الحديث ظاهر في أخذ فتاويهم، لا أخذ نفس الرواية، ورواة الحديث كانوا من
[1]إكمال الدين: 484/ 4، الغيبة، الشيخ الطوسيّ: 176، الاحتجاج: 469، وسائل الشيعة 18: 101، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 9، راجع مناهج الأحكام والاصول للنراقي: 301 سطر 2، وما قرّر في رسالة في الاجتهاد والتقليد، الشيخ الأعظم الأنصاري، ضمن مجموعة رسائل: 77.
أهل الفتوى والرأي كما مرّ[1].
كما أنّ قوله:
(فإنّهم حجّتي عليكم)
يدلّ على أنّ فتوى رواة الحديث حجّة، كما أنّ فتوى الإمام حجّة، فلا معنى لحجّية رواة الحديث، إلّاحجّية فتاويهم وأقوالهم، والحمل على حجّية الأحاديث المنقولة بتوسّطهم، خلاف الظاهر.
وفيه:- بعد ضعف التوقيع سنداً[2]- أنّ صدره غير منقول إلينا، ولعلّه كان مكتنفاً بقرائن لا يفهم منه إلّاحجّية حكمهم في الشبهات الموضوعيّة، أو الأعمّ، وكان الإرجاع في القضاء، لا في الفتوى.
ومنها:ما عن الكشّي بسند ضعيف[3]، عن أحمد بن حاتم بن ماهَويْه[4]، قال: كتبت إليه- يعنى أبا الحسن الثالث عليه السلام- أسأله عمّن آخذ معالم ديني، وكتب أخوه[5]أيضاً بذلك.
[1]تقدّم في الصفحة 27- 29، 48- 49، 70- 78.
[2]هذا التوقيع مرويّ عن الكليني رحمه الله في غير الكافي، عن إسحاق بن يعقوب، وضعفه بإسحاق فإنّه لم يوثّق.
[3]فقد رواه الكشّي، عن جبريل بن محمّد الفاريابي، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن أحمد ابن حاتم بن ماهويه، ولم يثبت توثيق من عدا الكشّي. ودعوى وثاقة جبريل لرواية الكشّي عنه كثيراً، واعتماده عليه، وروايته لما وجده بخطّ جبريل، ووثاقة موسى لوقوعه في أسانيد كامل الزيارة، ووثاقة أحمد لما أفاده المحقّق الداماد في ترجمته، ممنوعة.
[4]أحمد بن حاتم بن ماهويه: هو أبو الحسن أحمد بن حاتم بن ماهويه القزويني. كان كثير الرواية، مستقيماً في العقيدة، سالماً من الطعن روى عن الرضا عليه السلام، وروى عنه موسى بن جعفر بن وهب. راجع رجال الكشّي 1: 15 (تعليقة المحقّق الداماد قدس سره).
[5]لأحمد بن حاتم بن ماهويه القزويني ثلاثة إخوة:
أحدهم: طاهر بن حاتم، الذي كان مستقيماً من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام وكان له كتاب وروايات، ثمّ تغيّر وأظهر القول بالغلوّ، روى عن الرجل، وروى عنه سهل بن زياد، ومحمّد ابن عيسى بن عبيد اليقطينيّ.
انظر رجال النجّاشي: 208/ 551، وفهرست الشيخ 86، ومعجم رجال الحديث 9: 156- 157.
ثانيهم: فارس بن حاتم نزيل العسكر، الذي هو من أصحاب الهادى عليه السلام ولم يروِ الحديث إلّاشاذّاً، وكان مستقيماً أيضاً، ثمّ غلا وخلط، وفسد مذهبه؛ حتّى لعنه الإمام عليه السلام وأمر بقتله فقتل.
انظر رجال النجّاشي: 310/ 848، ورجال الشيخ: 420/ 3، ومعجم رجال الحديث 13: 238- 244.
ثالثهم: سعيد بن حاتم بن ماهويه، وهو مهمل لم نعثر له على شيء.
انظر قاموس الرجال 1: 413.
فكتب إليهما:
(فهمت ما ذكرتما، فاصمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبّنا، وكلّ كثير القدم في أمرنا؛ فإنّهما كافوكما إن شاء اللَّه)[1]
.وفيه:- بعد ضعف السند- أنّ الظاهر من سؤاله أنّ الرجوع إلى العالم كان مرتكزاً في ذهنه، وإنّما أراد تعيين الإمام شخصَه، فلا يستفاد منه التعبّد، كما أنّ الأمر كذلك في كثير من الروايات، بل قاطبتها على الظاهر.
ومنها:روايات كثيرة عن الكشّي وغيره، فيها الصحيحة وغيرها، تدلّ على إرجاع الأئمّة إلى أشخاص من فقهاء أصحابهم، يظهر منها أنّ الرجوع إليهم كان متعارفاً، ومع وجود الأفقه كانوا يراجعون غيره، كصحيحة ابن أبي يعفور: قال
[1]رجال الكشّي 1: 15، وسائل الشيعة 18: 110، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 45.
قلت لأبي عبد اللَّه: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجيء الرجل من أصحابنا، فيسألني وليس عندي كلّ ما يسألني عنه.
فقال:
(ما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفيّ؛ فإنّه سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً)[1].
وكرواية عليّ بن المسيّب المتقدّمة[2]، حيث أرجعه الرضا عليه السلام إلى زكريّا ابن آدم[3]... إلى غير ذلك[4].
ويستفاد منها:أنّ أخذ معالم الدين- الذي هو عبارة اخرى عن التقليد- كان مرتكزاً في ذهنهم، ومتعارفاً في عصرهم.
ويستفاد من صحيحة ابن أبي يعفور، تعارف رجوع الشيعة إلى الفقهاء من أصحاب الأئمّة، مع وجود الأفقه بينهم، وجواز رجوع الفقيه إلى الأفقه إذا لم يكن له طريق إلى الواقع.
وهذا ليس منافياً لما ذكرنا في أوّل الرسالة: من أنّ موضوع عدم جواز
[1]رجال الكشّي 1: 383، وسائل الشيعة 18: 105، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 23.
[2]تقدّمت في الصفحة 80.
[3]رجال الكشّي 2: 858، وسائل الشيعة 18: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 27.
[4]راجع وسائل الشيعة 18، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 11، الحديث 4، 5، 15، 19، 24، 30، 33، 34، 35، 42، 46، 47، وانظر ما قرّره في مطارح الأنظار: 300 السطر ما قبل الأخير.