وإذا وضعت نفسك موضع الذل فاعلم أنك وضعتها موضعها ورددت الفرع إلى أصله فإنك من التراب خلقت وإليه رددت ، فعند هذا جدد على قلبك عظمة الله وقل: «سبحان ربي الأعلى» وأكده بالتكرار، فإن المرة الواحدة ضعيفة الآثار، فإذا رق قلبك وطهر لبك فليصدق رجاؤك في رحمة ربك، فإن رحمته تتسارع إلى الضعف والذل لا إلى التكبر والبطر، فارفع رأسك مكبراً سائلاً حاجتك ومستغفراً من ذنوبك.
ثم أكد التواضع بالتكرار، وعد إلى السجود ثانياً كذلك[422]. انتهى.
وروى الصدوق عن أمير المؤمنين عليه السلام: إنه سئل ما معنى السجدة الأولى؟ قال: تأويلها «اللهم إنك منها خلقتنا» يعني من الأرض، وتأويل رفع رأسك منها «ومنها أخرجتنا»، والسجدة الثانية «وإليها تعيدنا» ورفع رأسك منها «ومنها تخرجنا تارة أخرى»[423].
[422]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 161، كتاب أسرار الصلاة ومهماتها. أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 136 ــ 140، في وظائف السجود وأسراره. أسرار العبادات، الفيض الكاشاني: 121 ــ 122، الآداب المعنوية لسائر مقدمات الصلاة وأبعادها، الآداب المعنوية للركوع والسجود. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 240 ــ 241، الفصل الخامس عشر في الركوع. جامع السعادات، النراقي: 3 / 354 ــ 355، فصل الركوع.
[423]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 1/ 314، أبواب الصلاة وحدودها، باب وصف الصلاة/ ح16.
وفيه النص: «سَأَلَ رَجُلٌ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقالَ: لَهُ يا ابْنَ عَمِّ خَيْرِ خَلْقِ اللَّهِ ما مَعْنَى السَّجْدَةِ الأُولى فَقالَ تَأْوِيلُهَا اللَّهُمَّ إِنَّكَ مِنْها خَلَقْتَنا يَعْنِي مِنَ الأَرْضِ، وَتَأْوِيلُ رَفْعِ رَأْسِكَ، وَمِنْها أَخْرَجْتَنا، وَتَأْوِيلُ السَّجْدَةِ الثّانِيَةِ، وَإِلَيْهَا تُعِيدُنا، وَرَفْعِ رَأْسِكَ، وَمِنْهَا تُخْرِجُنا تارَةً أُخْرَى».
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «ما خسر والله من أتى بحقيقة السجود ولو كان في العمر مرة واحدة، وما أفلح من خلا بربه في مثل تلك الحال شبيهاً بمخادع نفسه غافل لاهٍ عما أعد الله للساجدين من أنس العاجل وراحة الآجل، ولا بعد عن الله أبداً من أحسن تقربه في السجود، ولا قرب إليه أبداً من أساء أدبه وضيع حرمته بتعليق قلبه بسواه في حال سجوده، فاسجد سجود متواضع لله ذليل علم أنه خلق من تراب يطؤه الخلق، وأنه ركب من نطفة يستقذرها كل أحد». وقد جعل الله معنى السجود سبب التقرب إليه بالقلب والسر والروح، فمن قرب منه بعد من غيره، ألا ترى في الظاهر أنه لا يستوي حال السجود إلا بالتواري عن جميع الأشياء والاحتجاب عن كل ما تراه العيون، كذلك أمر الباطن، فمن كان قلبه متعلقاً في صلاته بشيء دون الله فهو قريب من ذلك الشيء بعيد عن حقيقة ما أراد الله منه في صلاته. قال الله تعالى:((ماا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ))[424].[425]
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى: «لا أطلع على قلب عبد فأعلم فيه حب الإخلاص لطاعة وجهي وابتغاء مرضاتي إلا توليت تقويمه وسياسته، ومن اشتغل في صلاته بغيري فهو من المستهزئين بنفسه مكتوب اسمه في ديوان الخاسرين»[426].
[424]سورة الأحزاب/ 4.
[425]أنظر:مصباح الشريعة،الإمام الصادق عليه السلام:91ــ92،الباب الواحد والأربعون في السجود.
[426]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 91، الباب الواحد والأربعون في السجود. مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 4/ 483، كتاب الصلاة، أبواب السجود، باب 23 نوادر ما يتعلق بأبواب السجود/ ح2.
الفصل الخامس والعشرون: في التشهد
قال الشهيد الثاني رحمه الله: إذا جلست للتشهد بعد هذه الأفعال الدقيقة والأسرار العميقة المشتملة على الأخطار الجسيمة والأهوال العظيمة فاستشعر الخوف التام والرهبة والحياء والوجل أن يكون جميع ما سلف منك غير واقع على وجهه ولا محصلاً لوظيفته وشرطه ولا مكتوباً في ديوان المقبولين، فاجعل يدك صفراً من فوائدها إلا أن يتداركك الله برحمته ويقبل عملك الناقص بفضله، وارجع إلى مبدأ الأمر وأصل الدين، واستمسك بكلمة التوحيد وحصن الله تعالى الذي ((مَن دَخَلَهُ كاانَ آمِنًا))[427]إن لم يكن حصل في يدك غيره.
واشهد له بالوحدانية، وأحضر رسوله الكريم ونبيه العظيم صلى الله عليه وآله وسلم ببالك واشهد له بالنبوة والرسالة، وصل عليه وآله مجدداً عهد الله بإعادة كلمتي الشهادة متعرضاً بهما لتأسيس مراتب العبادة، فإنهما أول الوسائل وأساس الفواضل وجماع أمر الفضائل، مترقباً لإجابته صلى الله عليه وآله وسلم لك بصلاتك عشراً من صلاته[428]إذا قمت بحقيقة صلاتك عليه التي لو وصل إليك منها واحدة فلحت أبداً[429].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «التشهد ثناء على الله، فكن عبداً له في السر، خاضعاً له في الفعل، كما أنك له عبد في القول والدعوى، وصل صدق
[427]سورة آل عمران/ 97.
[428]إشارة إلى النص الشريف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من صلى علي مرة صليت عليه عشرا ومن صلى علي عشرا صليت عليه مائة».
تصحيح الاعتقاد، الشيخ المفيد: 91.
[429]أنظر: أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 141 ــ 143، وظائف التشهد وأسراره. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 242، الفصل السابع عشر التشهد.
لسانك بصفاء سرك، فإنه خلقك عبداً وأمرك أن تعبده بقلبك ولسانك وجوارحك، وأن تحقق عبوديتك له بربوبيته لك، وتعلم أن نواصي الخلق بيده، فليس لهم نفس ولا لحظة إلا بقدرته ومشيئته وهم عاجزون عن إتيان أقل شيء في مملكته إلا بإذنه وإرادته.
ثم قال عليه السلام[430]: «فاستعمل العبودية في الرضا بحكمته،وبالعبادة في أداء أوامره، وقد أمرك بالصلاة على نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فأوصل صلاته بصلاته وطاعته بطاعته وشهادته بشهادته، وانظر أن لا تفوتك بركات معرفة حرمته فتحرم عن فائدة صلواته»[431].
الفصل السادس والعشرون: في التسليم
قال رحمه الله[432]: وإذا فرغت من التشهد فأحضر نفسك بحضرة سيد المرسلين والملائكة المقربين وبقية أنبياء الله وأئمته عليهم السلام: والحفظة لك من الملائكة المحصين لأعمالك، وأحضرهم جميعاً في بالك وقل: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته»، ولا تطلق لسانك بصيغة الخطاب من غير حضور المخاطب في ذهنك، فتكون من العابثين واللاعبين. وكيف يسمع الخطاب لمن لا يقصد لولا فضل الله ورحمته الشاملة ورأفته الكاملة في اجتزائه بذلك عن أصل الواجب، وإن كان بعيداً عن درجات القبول منحطاً عن أوج القرب والوصول.
وإن كنت إماماً لقوم فأقصدهم السلام مع من تقدم من المقصودين، وليقصدوا هم الرد عليك أيضاً، ثم يقصدوا مقصدك بسلام ثانٍ، فإذا فعلتم ذلك فقد أديتم وظيفة السلام، واستحققتم من الله مزيد الإكرام[433].
[430]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[431]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 93 ــ 94، الباب الثاني والأربعون في التشهد.
[432]أي: "الشهيد الثاني زين الدين بن علي".
[433]أنظر: أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 143، وظائف السلام وأسراره، التسليم. أسرار العبادات، الفيض الكاشاني: 124، الآداب المعنوية لسائر مقدمات الصلاة وأفعالها، الآداب المعنوية للتسليم. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 243، الفصل الثامن عشر السلام.
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «معنى السلام في دبر كل صلاة الأمان، أي من أدى أمر الله وسنة نبيه خالصاً له خاشعاً قلبه فله الأمان من بلاء الدنيا، وبراءة من عذاب الآخرة. والسلام اسم من أسماء الله تعالى أودعه خلقه ليستعملوا معناه في المعاملات والأمانات والإنصافات، وصدق مصاحبتهم في ما بينهم وصحة معاشرتهم.
وإن أردت أن تضع السلام موضعه وتؤدي معناه فاتق الله، وليسلم منك دينك وقلبك وعقلك أن لا تدنسها بظلمة المعاصي، وليسلم حفظتك أن لا تبرمهم وتملهم وتوحشهم منك بسوء معاملتك معهم ثم صديقك ثم عدوك، فإن لم يسلم منه من هو الأقرب إليه فالأبعد أولى، ومن لا يضع السلام مواضعه هذه فلا سلام ولا إسلام ولا تسليم، وكان كاذباً في سلامه وإن أفشاه في الخلق[434].
الباب الثاني
صلاة الجمعة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في صلاة الجمعة
قال الشهيد الثاني رحمه الله: وتختص صلاة الجمعة باستحضار أن يومها يوم عظيم، وعيدها عيد شريف، خص الله به هذه الأمة وجعله وقتاً شريفاً لعباده، ليقربهم فيه من جواره ويبعدهم من طرده وناره، وحثهم فيه على الإقبال بصالح الأعمال، وتلافي ما فرط منهم في بقية الأسبوع من الإهمال، وجعل أهم ما يقع فيه من طاعته وما يوجب الزلفى[435]لديه صلاة الجمعة، وعبر عنها في محكم كتابه الكريم بذكر الله، وخصها من بين سائر الصلوات التي هي أفضل القربات بالذكر، فقال سبحانه: ((ياا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذاا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىا ذِكْرِ اللّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ))[436].
وفي هذه الآية الشريفة من التنبيهات والتأكيدات ما ينتبه له من له حظ من المعاني، ومن أهم رمزها التعبير عن الصلاة بذكر الله تنبيهاً على أن الغرض
[435]الزلفة والزلفى: القربى والمنزلة.
مجمع البحرين، الشيخ الطريحي: 2/ 286، مادة "زلف".
[436]سورة الجمعة/ 9.