بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 177

وإنما كان خلوف الفم ــ وهو تغير رائحته ــ أطيب عند الله من ريح المسك لأنه سبب طيب الروح الذي هو عند الله من الإنسان كما أنه بدنه عند نفسه، وإليه أشير في قوله تعالى: ((ماا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَماا عِندَ اللّهِ يبقى))[558]، وأين طيب الروح من طيب المسك؟ فإن الأول روحاني عقلي معنوي والثاني جسماني حسي صوري.

فصل

قال أبو حامد ما ملخصه: إعلم أن للصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص: أما «صوم العموم» فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوات.

وأما «صوم الخصوص» فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، ويتم بأمور ستة:

الأول:غض البصر وكفه عن الاتساع في النظر الى كل ما يذم ويكره، بل كل ما يشغل القلب ويلهي عن ذكر الله تعالى. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن تركها خوفاً من الله أتاه الله إيماناً[559]يجد حلاوته في قلبه[560]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: خمس يفطرن الصائم: الكذب، والغيبة، والنميمة، واليمين الكاذبة، والنظر بشهوة[561].

[558]سورة النحل/ 96. ونصها:((ما عِندَكُمْ يَنفَدُ وَما عِندَ اللّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ما كانُواْ يَعْمَلُونَ)).

[559]في المستدرك: "فمن تركها خوفا من الله أعطاه إيمانا".

[560]مستدرك الوسائل، النوري: 14/ 268، كتاب النكاح، باب تحريم النظر إلى النساء الأجانب وشعورهن/ ح5.

[561]مواهب الجليل، الحطاب الرعيني: 3/ 303.


صفحه 178

الثاني:حفظ اللسان عن الهذيان والكذب والغيبة والنميمة والفحش والجفاء والخصومة والمراء. قال صلى الله عليه وآله وسلم: إنما الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائماً[562]فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم[563].

الثالث:كف السمع عن الإصغاء إلى المحرمات، إذ كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه. قال تعالى:((سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ))[564]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: المغتاب والمستمع شريكان في الإثم[565].

الرابع:كف بقية الجوارح من اليد والرجل من المكاره، وكف البطن عن الشبهات وقت الإفطار، إذ لا معنى للصوم عن الحلال والإفطار على الحرام فيكون قد بنى قصراً وهدم مصراً، وشرب الدواء وأكل السم، لأن المحرمات سموم تهلك الدين والصوم دواء، ولا ينفع الدواء مع السم. وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كم من صائم ليس له من صومه[566]إلا الجوع والعطش[567]. فقيل: هو الذي يفطر على الحرام. وقيل: هو الذي يمسك عن الطعام الحلال ويفطر على لحوم الناس بالغيبة وهو الحرام. وقيل: هو الذي لا يحفظ جوارحه عن الآثام[568]، ولعل المعنى أعم.

[562]في المسند: "الصيام جنة فإذا كان أحدكم يوما صائما".

[563]مسند الشاميين، سليمان بن أحمد الطبراني: 4/ 279/ ح 3284.

[564]سورة المائدة/ 42.

[565]كشف الخفاء، العجلوني: 2/ 215، حرف الميم/ ح2323.

[566]في البحار: "صيامه".

[567]بحار الأنوار،الشيخ المجلسي:93/294،كتاب الصوم،باب 36 آداب الصائم/ح24.

[568]أنظر: الفيض القدير، المناوي: 4/ 21 / شرح الحديث رقم 4404.


صفحه 179

الخامس:أن لا يستكثر من الحلال وقت الإفطار بحيث يمتلئ، فما من وعاء أبغض إلى الله من بطن مليء من الحلال. وكيف يستفاد من الصوم قهر عدو الله وكسر الهوى لتقوى النفس على التقوى، ثم تفطم عن الشهوات إلى الليل حتى تهيج شهوتها وتقوى رغبتها، ثم تطعم من اللذات إلى أن تمتلئ؟! ولعلها لو تركت على عادتها لكان أولى، بل ينبغي أن يأكل الأكلة المعتادة ولا يملئ بطنه.

السادس:أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقاً مضطرباً بين الخوف والرجاء إذ ليس يدري أيقبل صومه فيكون من المقربين، أو يرد عليه فيكون من الممقوتين[569].

أقول:وإلى هذا النوع من الصوم أشير في ما روي عن الصادق عليه السلام قال: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك...[570]وعد[571]أشياء غير هذا وقال: لا يكون يوم صومك كيوم فطرك[572]. ودع المراء وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصيام، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع امرأة تسب جاريتها وهي صائمة فدعى بطعام فقال لها كلي، فقالت إني صائمة، فقال كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟! إن الصوم ليس من الطعام والشراب فقط[573].

[569]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 221 ــ 223، كتاب أسرار الصوم، الفصل الثاني في أسرار الصوم وشروطه الباطنة.

[570]في الكافي الحديث متصل.

[571]في الكافي: "وجلدك وعدد أشياء".

[572]الكافي، الكليني: 4/ 87، كتاب الصوم، باب أدب الصائم/ ح1.

[573]أنظر: الإقبال، ابن طاووس: 86، الباب الخامس فيما نذكره من سياقة عمل الصائم، فصل فيما نذكره من كمال صفات الصوم.


صفحه 180

قال أبو حامد:وأما صوم خصوص الخصوص فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله بالكلية، ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر في ما سوى الله واليوم الآخر، وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين، فإن ذلك زاد الآخرة ـ انتهى[574].

وفي مصباح الشريعة : قال الصادق عليه السلام: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصوم جنة، أي ستر من آفات الدنيا وحجاب من عذاب الآخرة، فإذا صمت فانو بصومك كف النفس عن الشهوات وقطع الهمة عن خطرات الشيطان، فأنزل نفسك منزلة المرضى لا تشتهي طعاماً ولا شراباً، متوقعاً في كل لحظة شفاءك من مرض الذنوب، وطهر باطنك من كل كدر وغفلة وظلمة تقطعك عن معنى الإخلاص لوجه الله تعالى.

ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله عزّوجل: الصوم لي وأنا أجزي به، فالصوم يميت مواد النفس وشهوة الطمع، وفيه صفاء القلب وطهارة الجوارح وعمارة الظاهر والباطن والشكر على النعم والإحسان إلى الفقراء وزيادة التضرع والخشوع والبكاء وحبل الالتجاء إلى الله، وسبب انكسار الهمة وتخفيف الحساب وتضعيف الحسنات. وفيه من الفوائد ما لا يحصى وكفى بما ذكرنا منبه لمن عقل ووفق لاستعماله[575].


صفحه 181

الباب التاسع

أسرار الحج

وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم
والمشاهد المشرفة


صفحه 182

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 183

في أسرار الحج

وزيارة النبي والمشاهد

ولنفتح الباب بما رواه في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام.

قال: قال الصادق عليه السلام: إذا أردت الحج فجرد قلبك لله تعالى من كل شاغل وحجاب كل حاجب، وفوض أمورك كلها إلى خالقك، وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلم لقضائه وحكمه وقدره، وودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك أو راحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإن من ادعى رضاء الله واعتمد على ما سواه صيره عليه وبالاً وعدواً ليعلم أنه ليس له قوة وحيلة ولا لأحد إلا بعصمة الله وتوفيقه.

فاستعد استعداد من لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيه وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاوة وإيثار الزاد على دوام الأوقات.


صفحه 184

ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفا والخضوع والخشوع، وأحرم من كل شيء يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته، ولب بمعنى إجابة صادقة صافية خالصة زاكية لله تعالى في دعوتك متمسكاً بالعروة الوثقى، وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت، وهرول هرولة من هواك. وتبرأ من حولك وقوتك، واخرج من غفلتك وزلاتك بخروجك إلى منى. ولا تتمن ما لا يحل لك ولا تستحقه،واعترف بالخطأ بعرفات، وجدد عهدك عند الله تعالى بوحدانيته، وتقرب إليه واتقه بمزدلفة، واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة، وارم الشهوات والخساسة والدناءة والذميمة عند رمي الجمرات، واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك، وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته[576]من متابعة مرادك بدخولك الحرم ودخول البيت متحققاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه، واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزته، وودع ما سواه بطواف الوداع، واصف روحك وسرك للقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا وكن بمرأى من الله نقية أوصافك عند المروة، واستقم على شرط حجتك هذه ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربك وأوجبته له إلى يوم القيامة.

واعلم بأن الله تعالى لم يفرض الحج ولم يخصه من جميع الطاعات بالإضافة إلى نفسه بقوله تعالى: ((وَلِلّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً))[577]، ولا شرع نبيه سنة في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه إلا للاستعانة والإشارة إلى الموت

[576]اذهب في كنف الله وحفظه، أي: في كلاءته وحرزه وحفظه.

لسان العرب، ابن منظور: 9/ 308، مادة "كنف".

[577]سورة آل عمران/ 97.