بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 183

في أسرار الحج

وزيارة النبي والمشاهد

ولنفتح الباب بما رواه في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام.

قال: قال الصادق عليه السلام: إذا أردت الحج فجرد قلبك لله تعالى من كل شاغل وحجاب كل حاجب، وفوض أمورك كلها إلى خالقك، وتوكل عليه في جميع ما يظهر من حركاتك وسكناتك، وسلم لقضائه وحكمه وقدره، وودع الدنيا والراحة والخلق، واخرج من حقوق تلزمك من جهة المخلوقين، ولا تعتمد على زادك أو راحلتك وأصحابك وقوتك وشبابك ومالك مخافة أن يصير ذلك عدواً ووبالاً، فإن من ادعى رضاء الله واعتمد على ما سواه صيره عليه وبالاً وعدواً ليعلم أنه ليس له قوة وحيلة ولا لأحد إلا بعصمة الله وتوفيقه.

فاستعد استعداد من لا يرجو الرجوع، وأحسن الصحبة، وراع أوقات فرائض الله وسنن نبيه وما يجب عليك من الأدب والاحتمال والصبر والشكر والشفقة والسخاوة وإيثار الزاد على دوام الأوقات.


صفحه 184

ثم اغسل بماء التوبة الخالصة ذنوبك، والبس كسوة الصدق والصفا والخضوع والخشوع، وأحرم من كل شيء يمنعك عن ذكر الله ويحجبك عن طاعته، ولب بمعنى إجابة صادقة صافية خالصة زاكية لله تعالى في دعوتك متمسكاً بالعروة الوثقى، وطف بقلبك مع الملائكة حول العرش كطوافك مع المسلمين بنفسك حول البيت، وهرول هرولة من هواك. وتبرأ من حولك وقوتك، واخرج من غفلتك وزلاتك بخروجك إلى منى. ولا تتمن ما لا يحل لك ولا تستحقه،واعترف بالخطأ بعرفات، وجدد عهدك عند الله تعالى بوحدانيته، وتقرب إليه واتقه بمزدلفة، واصعد بروحك إلى الملأ الأعلى بصعودك على الجبل، واذبح حنجرة الهوى والطمع عند الذبيحة، وارم الشهوات والخساسة والدناءة والذميمة عند رمي الجمرات، واحلق العيوب الظاهرة والباطنة بحلق شعرك، وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلاءته[576]من متابعة مرادك بدخولك الحرم ودخول البيت متحققاً لتعظيم صاحبه ومعرفة جلاله وسلطانه، واستلم الحجر رضاً بقسمته وخضوعاً لعزته، وودع ما سواه بطواف الوداع، واصف روحك وسرك للقائه يوم تلقاه بوقوفك على الصفا وكن بمرأى من الله نقية أوصافك عند المروة، واستقم على شرط حجتك هذه ووفاء عهدك الذي عاهدت به مع ربك وأوجبته له إلى يوم القيامة.

واعلم بأن الله تعالى لم يفرض الحج ولم يخصه من جميع الطاعات بالإضافة إلى نفسه بقوله تعالى: ((وَلِلّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً))[577]، ولا شرع نبيه سنة في خلال المناسك على ترتيب ما شرعه إلا للاستعانة والإشارة إلى الموت

[576]اذهب في كنف الله وحفظه، أي: في كلاءته وحرزه وحفظه.

لسان العرب، ابن منظور: 9/ 308، مادة "كنف".

[577]سورة آل عمران/ 97.


صفحه 185

والقبر والبعث والقيامة، وفضل بيان السابقة من الدخول في الجنة أهلها ودخول النار أهلها بمشاهدة مناسك الحج من أولها إلى آخرها لأولي الألباب وأولي النهى[578].

فصل: في العزم على الحج

ينبغي للعازم أن يعلم أنه عزم على أمر رفيع شأنه خطير أمره، فليجعل عزمه خالصاً لوجه الله بعيداً عن الرياء والسمعة، وإلا فقد أتلف ماله وأتعب بدنه واكتسب الإثم و((خَسِرَ الدُّنْيا وَالآخِرَةَ و[579]ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ))[580]، وليرد المظالم ويتب توبة خالصة، ولا يقدم على ربه قدوم العبد العاصي، فلا يكون له من سفره نصيب إلا التعب.

وليتذكر في سفره سفر الآخرة، فعن قريب إليه يصير ونحوه يسير.

فصل: في الزاد

ليتذكر فيه زاد سفر الآخرة، فإنه أبعد من هذا السفر والاحتياج فيه إلى الزاد من الأعمال الصالحة أكثر، وليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده لا تصحبه بعد الموت بل تفسدها شوائب الرياء.

فصل: في الراحلة

ليشكر الله على تسخير الدواب له لتحمل أثقاله إلى بلد لم يكن بالغه إلا بشق الأنفس، وليتذكر المركب الذي يركبه إلى الدار الآخرة، وهي الجنازة التي يحمل عليها، فالعجب لمن يستعد للسفر المشكوك فيه ولا يستعد للسفر المتيقن.

[578]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 47 ـ 50، الباب الواحد والعشرون في الحج.

[579]ليس في النص القرآني حرف "الواو".

[580]سورة الحج/ 11.


صفحه 186

فصل: في شراء ثوب الإحرام

ليذكر عنده الكفن ولفه فيه، فإنه سيرتدي ويتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله، وربما لا يتم سفره إليه، وإنه سيلقى الله ملفوفاً في ثياب الكفن لا محالة، فكما لا يلقى بيت الله إلا مخالفاً عادته في الزي والهيئة فلا يلقى الله بعد الموت إلا في زي مخالف لزي الدنيا، وهذان الثوبان متقاربان لعدم الخياطة فيهما.

فصل: في الخروج من البلد

ليعلم أنه فارق الأهل والوطن متوجهاً إلى الله في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا، فليحضر في قلبه ماذا يريد وأين يتوجه وزيارة من يقصد، وسفر الآخرة ومفارقة الأهل والوطن مفارقة لا رجوع فيها.

فصل: في دخول البادية ومشاهدة العقبات

ليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات، وليتذكر من هول قطع الطريق سؤال منكر ونكير ومن سباع البوادي عقارب القبر وديدانه وما فيه من الأفاعي والحيات، ومن انفراده عن أهله وأقاربه وحشة القبر وكربته ووحدته، وليتزود في هذه الأحوال لمخاوف القبر.

فصل: في الإحرام والتلبية بالميقات

ليعلم أن معناه إجابة نداء الله، فليرج القبول وليخش أن يقال له bلا لبيك ولا سعديكv فإن وقت التلبية بداية الأمر وهو محل الخطر، فقد روي أن السجاد عليه السلام لما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطيع أن يلبي فقال: أخشى أن يقول لي ربي لا لبيك ولا سعديك، فلما لبى عليه السلام غشي عليه وسقط من راحلته،فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجته[581].

[581]أنظر: عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 4/ 35، الجملة الأولى في أحاديث متفرقة/ح121.


صفحه 187

فصل: في دخول مكة

ليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم آمن، وليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب الله، وليخش أن لا يكون أهلاً للقرب، فيكون بدخول الحرم خائناً مستحقاً للمقت، وليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالباً، فالكرم عميم ورب البيت كريم، وحق الزائر يرعى وذمام[582]المستجير غير مضيع.

فصل: في وقوع البصر على البيت

ليحضر عظمة البيت في القلب ويقدر أنه حاضر بين يدي رب البيت، وليرجُ أن يرزقه لقاءه في الآخرة كما رزقه لقاء بيته في الدنيا، وليتذكر انصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة آملين لدخولها كافة فيؤذن لبعض ويمنع الآخرون.

فصل: في الطواف بالبيت

ليعلم أنه في الطواف متشبه بالملائكة الحافين[583]حول العرش الطائفين حوله، وأن المقصود الحقيقي طواف قلبه بذكر رب البيت حتى لا يبتدئ الذكر إلا به ولا يختم إلا به كما يبتدئ الطائف بالبيت ويختم به.

[582]الذمام والمذمة: الحق والحرمة، والجمع: أذمة والذمة: العهد والكفالة، وجمعها ذمام. وفلان له ذمة، أي: حق.

لسان العرب، ابن منظور: 12/ 221، مادة "ذمم".

[583]حف القوم بالشيء و حواليه يحفون حفا وحفوه و حففوه: أحدقوا به و أطافوا به و عكفوا واستداروا.

لسان العرب، ابن منظور: 9/ 49، مادة "حفف".


صفحه 188

فصل: في استلام الحجر

ليعتقد أنه حينئذ يبايع الله على طاعته والتجنب عن معصيته، فليصمم العزم على الوفاء، ومن غدر في المبايعة استحق المقت، فقد روي أن الحجر يمين الله في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرجل أخاه[584].

فصل: في التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم

لتكن نيته في الالتزام طلب القرب حباً وشوقاً للبيت ولرب البيت وتبركاً بالمماسة ورجاءً للتحصن عن النار في كل جزء لا في البيت، ولتكن نيته في التعلق بالستر الإلحاح في طلب المغفرة وسؤال الأمان كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه ولا مفزع له إلا عفوه وكرمه، وأنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو وبذل الأمن في المستقبل.

فصل: في السعي بين الصفا والمروة في فناء البيت

ليتذكر أنه متردد تردد العبد في فناء ملك الملوك جائياً وذاهباً مرة بعد أخرى وكرة بعد أولى، إظهاراً للخلوص في الخدمة ورجاءً للملاحظة بعين الرحمة، كالذي دخل على الملك وخرج وهو لا يدري ما الذي يقضي به الملك في حقه من قبول أو رد، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى.

[584]عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: «اسْتَلِمُوا الرُّكْنَ فَإِنَّهُ يَمِينُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ يُصافِحُ بِها خَلْقَهُ مُصافَحَةَ الْعَبْدِ أَوِ الرَّجُلِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالْمُوَافَاةِ».

الكافي، الكليني: 4/ 406، كتاب الحج، باب المزاحمة على الحجر الأسود/ ح9.


صفحه 189

وليتذكر عند تردده تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة، وليمثل الصفا بكفة الحسنات والمروة بكفة السيئات، وليتذكر تردده بين الكفتين ناظراً إلى الرجحان والنقصان مردداً بين العذاب والغفران.

فصل: في الوقوف بعرفة

ليتذكر بما يرى من ازدحام الخلق وارتفاع الأصوات واختلاف اللغات واتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشاعر اقتفاءً لهم وسيراً بسيرتهم وكأنه في عرصات القيامة واجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة، واقتفاء كل أمة نبياً وطمعهم في شفاعتهم وتحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد والقبول.

وإذا تذكرت ذلك فألزم قلبك الضراعة[585]والابتهال إلى الله حتى تحشر في زمرة الفائزين المرحومين، وحقق رجاءك بالإجابة، فالموقف شريف.

فصل: في الوقوف بالمشعر

استحضر أنه قد أقبل عليك مولاك بعد أن كان مدبراً عنك طارداً لك عن بابه فأذن لك في دخول حرمه، فإن المشعر من جملة الحرم وعرفة خارجة عنه، فقد أشرف على أبواب الرحمة وهبت عليك نسمات الرأفة، وكسبت خلع القبول بالإذن في دخول حرم الملك.

فصل: في رمي الجمار

ليقصد به الانقياد للأمر، إظهاراً للرق والعبودية وانتهاضاً لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس، وليقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس

[585]الضراعة: هي شدة الفقر والحاجة إلى الله عزّوجل.

تاج العروس، الزبيدي: 5/ 431.


صفحه 190

عليه اللعنة في هذا الموضع ليدخل على حجة الشبهة فأمره الله أن يرميه بالحجارة طرداً له وقطعاً لأصله.

فصل: في ذبح الهدي

ليعلم أنه تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال، وليرج أن يعتق بكل جزء منه جزءاً من النار، وهكذا ورد[586]الوعد، وكلما كان الهدي أكثر وأجزاؤه أوفر كان فداؤه من النار أعم.

فصل: في رؤية المدينة

إذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي اختارها الله عزّوجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم وجعل إليها هجرته وأنها داره التي فيها شرع فرائض ربه وسننه وجاهد عدوه وأظهر بها دينه إلى أن توفاه الله وجعل تربته فيها.

ثم مثل في نفسك مواقع أقدام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند تردداتك فيها، وأنه ما من موضع قدم تطؤه إلا وهي موضع قدمه العزيز، فلا تضع قدمك عليه إلا على سكينة ووجل، وتذكر مشيه وتخطيه في سككها، وتصور خشوعه صلى الله عليه وآله وسلم وسكينته في المشي وإحباط عمل من هتك حرمته برفع صوته فوق صوته[587].[588]

[586]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 254، كتاب أسرار الحج، الباب الثالث في الآداب الدقيقة والأعمال الباطنة.

[587]إشارة إلى قوله تعالى: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ)) سورة الحجرات/ 2.

[588]قال ابن شهر آشوب: قوله سبحانه: ((لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ)) إلى قوله: ((أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُم ْ)) لو وقع رفع الصوت على صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل الإجابة له لم يستحق العقاب و إذا وقع على خلاف ذلك انحبط الفعل.

متشابه القرآن، ابن شهر آشوب: 2/ 86، باب المفردات.