في آداب المعيشة
والمجالسة
في آداب المعيشة والمجالسة مع أصناف الخلق إجمالاً، ملتقطة من كلام الحكماء وأخبار أهل البيت عليهم السلام.أأ/ا/أ:م
إذا أردت حسن المعيشة فالق صديقك وعدوك بوجه الرضا من غير ذلة لهم ولا وحشة منهم.
وتوقر[594]في غير كبر وتواضع في غير مذلة.
وكن في جميع أمورك في أوسطها، فكلا طرفي قصد الأمور ذميم.
ولا تنظر في عطفيك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف على الجماعات وإذا جلست فلا تستوفز[595].
[594]التوقير يستعمل في معنى التعظيم، يقال: وقرته، إذا عظمته.
الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري: 147، الفرق بين التوقير والوقار.
[595]قال أبو معاذ: المستوفز: الذي رفع إليتيه ووضع ركبتيه.
تاج العروس، الزبيدي: 10/ 67.
وتحفظ من تشبيك أصابعك، والعبث بلحيتك وخاتمك، وتخليل أسنانك وإدخال يدك في أنفك، وكثرة بصاقك وتنخمك[596]، وطرد الذباب عن وجهك، وكثرة التمطي[597]والتثاؤب في وجوه الناس وفي الصلاة وفي غيرها.
وليكن مجلسك هادئاً، وحديثك منظوماً مرتباً، واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك بغير إظهار تعجب مفرط، ولا تسأله إعادته.
واسكت عن المضاحك والحكايات، ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك ولا شعرك وتصنيفك وسائر ما يخصك.
ولا تتصنع تصنع المرأة في التزيين ولا تتبذل تبذل العبيد، وتوق كثرة الكحل والإسراف في الدهن، ولا تلح في الحاجات،ولا تشجع أحداً على الظلم.
ولا تعلم أهلك وولدك فضلاً عن غيرهم مقدار مالك، فإنهم إن رأوه قليلاً هنت عندهم، وإن كان كثيراً لم تبلغ قط رضاهم، واجفهم[598]من غير عنف، ولن لهم من غير ضعف.
ولا تهازل أمتك ولا عبدك فيسقط وقارك، وإذا خاصمت فتوقر وتحفظ من جهلك وتجنب عجلتك، وتفكر في حجتك، ولا تكثر من الإشارة بيديك، ولا تكثر الالتفات إلى من وراءك.
[596]النخامة، بالضم: النخاعة. يقال تنخم الرجل، إذا تنخع. والنخاعة: ما يخرجه الإنسان من حلقه من مخرج الخاء.
مجمع البحرين، الطريحي: 4/ 286، مادة "نخم".
[597]المط و المطو والمد واحد، المطيطاء بضم الميم ممدود، التبختر ومد اليدين في المشيء.
لسان العرب، ابن منظور: 7/ 404، مادة "مطط".
[598]الجفاء: ترك الصلة والبر.
الجفاء: البعد عن الشيء.
لسان العرب، ابن منظور: 14/149، مادة "جفا".
ولا تجث على ركبتيك، وإذا هدأ غيظك فتكلم، وإن قربك سلطان فكن منه على حد السنان، وإن استرسل إليك فلا تأمن انقلابه عليك، ورافق به رفقك بالصبي، وكلمه بما يشتهيه ولا يحملنّك لطفه بك أن تدخل بينه وبين أهله وولده وجيشه وإن كنت لذلك مستحقاً عنده، فإن سقطة الداخل بين الملك وأهله سقطة لا تنعش وزلة لا تقال.
وإياك وصديق العافية، فإنه أعدى الأعداء، ولا تجعل مالك أكرم من عرضك، وإذا دخلت مجلساً فالأدب البداية بالتسليم وترك التخطي لمن سبق والجلوس حيث تسعى وحيث يكون أقرب إلى التواضع، وأن تحيي بالسلام من قرب منك عند الجلوس، ولا تجلس على الطريق، وإن جلست فأدبه غض البصر، ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف وعون الضعيف وإرشاد الضال ورد السلام وإعطاء السائل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والارتياد لموضع البصاق، فلا تصبق عن جهة القبلة ولا عن يمينك ولكن عن يسارك وتحت قدمك اليسرى.
ولا تجالس الملوك، فإن فعلت فأدبه ترك الغيبة ومجانبة الكذب وصيانة السر وقلة الحوائج وتهذيب الألفاظ والإعراب في الخطاب، والمذاكرة بأخلاق الملوك وقلة المداعبة وكثرة الحذر منهم وإن ظهرت المودة، وأن لا يتجشأ[599]بحضرته ولا يتخلل بعد الأكل عنده.
وعلى الملك أن يتحمل كل شيء إلا إفشاء السر والقدح في الملك والتعرض للحرم. ولا تجالس العامة، فإن فعلت فأدبه ترك الخوض في حديثهم، وقلة الإصغاء إلى أراجيفهم[600]، والتغافل عما يجري في سوء ألفاظهم، وقلة اللقاء لهم مع الحاجة إليهم[601].
[599]التجشأ: إخراج الريح من الفم مع الصوت عند الشبع.
مستدرك سفينة البحار، النمازي: 2/ 63، مادة "جشأ".
[600]ارجف القوم إذا خاضوا في الأخبار السيئة وذكر الفتن.
لسان العرب، ابن منظور: 9/ 113، مادة "رجف".
[601]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 2/ 172، كتاب آداب الألفة والأخوة، جملة آداب العشرة والمجالسة مع أصناف الخلق. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 3/ 350 ــ 352، كتاب آداب الصحبة والمعاشرة، الباب الثاني في حقوق الأخوة والصحبة.
وإياك وأن تمازح لبيباً[602]أو غير لبيب، فإن اللبيب يحقد عليك والسفيه[603]يجترئ عليك، لأن المزاح يخرق الهيبة، ويسقط ماء الوجه، ويعقب الحقد، ويذهب بحلاوة الود، ويشين فقه الفقيه ويجرئ السفيه، ويسقط المنزلة عند الحكيم، ويمقته[604]المتقون. وهو يميت القلب، ويباعد عن الرب، ويكسب الغفلة، ويورث الذلة، وبه تظلم السرائر وتموت الخواطر، وبه تكثر العيوب وتبين الذنوب. وقد قيل: لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر، ومن بلي في مجلس بمزاح أو لفظ فليذكر الله تعالى عند قيامه. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من جلس في مجلس وكثر فيه لفظه فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: «سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك» غفر له ما كان في مجلسه ذلك[605].
الباب الثالث
الإخاء والإلفة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الإخاء والإلفة
قال تعالى في معرض الامتنان:((لَوْ أَنفَقْتَ ماا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ماا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْوَلكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ))[606].
وقال تعالى:((فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا))[607]يعني بالإلفة[608].
ثم ذم التفرقة وزجر عنها فقال:((وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُواْ))[609].
وقال:((وَلا تَكُونُواْ كالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ))[610].
[606]سورة الأنفال/ 63.
[607]سورة آل عمران/103.
[608]أمر تعالى بتذكر نعمه وأعظمها الإسلام وإتباع نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن به زالت العداوة والفرقة وكانت المحبة والألفة.
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي: 4/ 164، تفسير سورة آل عمران.
[609]سورة آل عمران / 103.
[610]سورة آل عمران/105.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من أراد الله به خيراً رزقه خليلاً صالحاً، إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه[611].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من آخى أخاً في الله[612]رفع الله له درجة[613]في الجنة لا ينالها بشيء من عمله[614].
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به[615].[616]
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله والتولي لأولياء الله[617]والتبري من أعداء الله[618].[619]
وقال الباقر عليه السلام: إذا أردت أن تعلم أن فيك خيراً فانظر إلى قلبك، فإن كان يحب أهل طاعة الله ويبغض أهل معصيته ففيك خير والله يحبك, وإذا كان يبغض أهل طاعة الله ويحب أهل معصيته فليس فيك خير والله يبغضك، والمرء مع من أحب[620].
[611]المعجم الأوسط، الطبراني: 4/294. وفيه النص: "من ولي من أمر المسلمين شيئا فأراد الله به خيرا رزقه وزيرا صالحا، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه".
[612]في الفيض: "الله عزّوجل".
[613]في الفيض: "رفعه الله درجة".
[614]فيض القدير، المناوي: 5/ 526/ ح7789.
[615]في النهج: "به منهم".
[616]نهج البلاغة، الشريف الرضي: 470، حكم أمير المؤمنين عليه السلام/ح12.
[617]في المعاني: "وتولي أولياء الله".
[618]في المعاني: "الله عزّوجل".
[619]معاني الأخبار، الصدوق: 398 ــ 399، باب نوادر المعاني/ح55.
[620]مصادقة الإخوان، الصدوق: 51، باب محبة الإخوان/ ح3.