بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 83

الفصل الثالث: في مجمل القول في الطهارة والنظافة

قال الله سبحانه:((رِجالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرينَ))[214].

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «الطهور نصف الإيمان»[215]. وقال[216]: «مفتاح الصلاة الطهور»[217]. وقال[218]: «بني الدين على النظافة»[219]. وقال[220]: «بئس العبد القاذورة»[221].

قال بعض العارفين: ليتفطن ذوو البصائر بهذه الظواهر أن الإيمان إنما يتم بعمارة القلوب والسرائر[222]، وأن المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:«الطهور نصف الإيمان»[223]أن عمارة الظاهر بالتطهير والتنظيف بإفاضة الماء نصف الإيمان، والنصف الآخر عمارة الباطن بالأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة.

[214]سورة التوبة/ 108.

[215]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور: 1/ 115، الفصل السابع/ ح33.

[216]أي: "النبي صلى الله عليه وآله وسلم".

[217]تفسير الإمام،الإمام العسكري عليه السلام:521،قصة رؤية إبراهيم عليه السلام ملكوت السموات/ح318.

[218]أي: "النبي صلى الله عليه وآله وسلم".

[219]جامع السعادات، النراقي: 3/ 248، الطهارة.

[220]أي: "النبي صلى الله عليه وآله وسلم".

[221]الجعفريات، الكوفي: 157، باب السنة في حلق الشعر يوم السابع للمولود وغيره.

[222]قال النراقي في جامع السعادات: إن تطهير الظاهر، والجوارح، والقلب، والسر، من النجاسات والمعاصي ورذائل الأخلاق وما سوى الله نصف الإيمان، ونصفه الآخر عمارتها بالنظافة والطاعات ومعالي الأخلاق، والاستغراق في شهود جمال الحق وجلاله.

جامع السعادات، النراقي: 3/ 249، الطهارة.

[223]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور: 1/ 115، الفصل السابع/ ح33.


صفحه 84

والطهارة لها أربع مراتب:

الأولى:تطهير الظاهر من الأحداث والأخباث والفضلات.

والثانية:تطهير الجوارح من الجرائم والآثام والتبعات.

والثالثة:تطهير القلب من مساوئ الأخلاق ورذائلها.

والرابعة:تطهير السر مما سوى الله جل وعلا، وهي طهارة الأنبياء والصديقين. والطهارة في كل رتبة نصف العمل الذي فيها.

وهذه مقامات الإيمان ، ولكل مقام طبقة، ولن ينال العبد الطبقة العالية إلا أن يتجاوز الطبقة السافلة، فلا يصل إلى طهارة السر مما سوى الله تعالى وعمارته بمعرفة الله وانكشاف جلاله وعظمته سبحانه ما لم يفرغ عن طهارة القلب من الخلق المذموم وعمارته بالمحمود، ولن يصل إلى ذلك من لم يفرغ عن طهارة الجوارح من المناهي وعمارتها بالطاعات والعبادات[224].

الفصل الرابع: في أسرار إزالة النجاسة والتخلي لقضاء الحاجة

قال الشهيد الثاني[225]: ليتذكر بذلك تطهير القلب من نجاسة الأخلاق

[224]أنظر: جامع السعادات، النراقي: 3/ 249، الطهارة.

[225]الشهيد الثاني: الشيخ الأجل زين الدين بن علي بن أحمد بن محمد بن جمال الدين بن تقي الدين بن صالح تلميذ العلامة العاملي الجبعي الشهيد الثاني، أمره في الثقة والعلم والفضل والزهد والعبادة والورع والتحقيق والتبحر وجلالة القدر وعظم الشأن وجمع الفضائل والكمالات أشهر من أن يذكر، ومحاسنه وأوصافه الحميدة أكثر من أن تحصى وتحصر، مصنفاته كثيرة مشهورة.

أمل الآمل، الحر العاملي: 1/ 85، باب الزاي.


صفحه 85

ومساوئها، فإنك إذا أمرت بتطهير ظاهر الجلد وهو القشر وتطهير الثياب وهي أبعد عن ذاتك فلا تغفل عن تطهير لبك الذي هو ذاتك وهو قلبك.

فاجتهد في تطهيره بالتوبة والندم على ما فرط، وتصميم العزم على ترك العود في المستقبل، وطهر بها باطنك فإنه موقع نظر المعبود.

وتذكر لتخليك لقضاء الحاجة نقصك وحاجتك، وما تشتمل عليه من الأقذار وما في باطنك، وأنت تزين ظاهرك للناس والله تعالى مطلع على خبث باطنك وخسة حالك، فاشتغل بإخراج نجاسات الباطن والأخلاق الداخلة في الأعماق المفسدة، لكن لا على الإطلاق لتستريح نفسك عند إخراجها ويسكن قلبك من دنسها ويخف لبك من ثقلها، وتصلح للوقوف على بساط الخدمة والتأهل للمناجاة.

قال الصادق عليه السلام ـ أي في مصباح الشريعة ـ: «سمي المستراح مستراحاً لاستراحة النفوس[226]من أثقال النجاسات واستفراغ الكثافات والقذر فيها»[227].

والمؤمن يعتبر عندها أن الخالص من حطام الدنيا كذلك تصير عاقبته، فيستريح بالعدول عنها ويتركها ويفرغ نفسه وقلبه عن شغلها، ويستنكف عن أخذها وجمعها استنكافه عن النجاسة والغائط والقذر، ويتفكر في نفسه المكرمة في حال كيف تصير ذليلة في حال.

ويعلم أن التمسك بالقناعة والتقوى يورث له راحة الدارين، فإن الراحة في هوان الدنيا والفراغ من التمتع بها، وفي إزالة النجاسة من الحرام والشبهة

[226]في المصدر "الأنفس".

[227]مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 126، الباب 59 في التبزر، والظاهر من سياق أحاديث الباب إن العنوان في التبرز وليس التبزر، وقد أوردنا النص أمانة للنقل.


صفحه 86

فيغلق عن نفسه باب الكبر بعد معرفته إياها، ويفر من الذنوب، ويفتح باب التواضع والندم والحياء، ويجتهد في أداء أوامره واجتناب نواهيه، طلباً لحسن المآب[228]وطيب الزلف[229]، ويسجن نفسه في سجن الخوف والصبر والكف عن الشهوات إلى أن يتصل بأمان الله في دار القرار ويذوق طعم رضاه، فإن المعول ذلك وما عداه لا شيء[230].

الفصل الخامس: في السواك

قال صلى الله عليه وآله وسلم: «صلاة على أثر سواك أفضل من خمس وسبعين صلاة بغير سواك»[231].

وقال الصادق عليه السلام: «إذا قمت بالليل فاستك، فإن الملك يأتيك فيضع فاه على فيك وليس من حرف تتلوه[232]إلا صعد به إلى السماء، فليكن قولك[233]طيب الريح»[234].

[228]المآب: المرجع.

غريب الحديث، ابن سلام: 2/ 69.

[229]الزلف والزلفة والزلفى: القربة والدرجة والمنزلة.

لسان العرب، ابن منظور: 9/ 138، مادة "زلف".

[230]رسائل الشهيد الثاني، الشهيد الثاني: 116 ــ 117، أسرار الصلاة.

[231]أعلام الدين، الديلمي: 273، فصل من كلام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفيه النص: «صلاة على اثر السواك خير من خمس وسبعين صلاة بغير سواك».

[232]في المصدر: "تتلوه وتنطق به".

[233]في المصدر: "فوك".

[234]الكافي، الكليني: 3/ 23، كتاب الطهارة، باب السواك/ ح7.


صفحه 87

وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «السواك مطهرة[235])للفم، مرضاة للرب»[236]).

وجعلها من سننه المؤكدة، وفيها منافع للظاهر والباطن ما لا يحصى لمن عقل. وكما تزيل ما تلوث من أسنانك من مطعمك ومأكلك بالسواك كذلك فأزلنجاسة ذنوبك بالتضرع والخشوع والتهجد والاستغفار بالأسحار، وطهر باطنك وظاهرك من كدورات المخالفات وركوب المناهي كلها خالصاً لله تعالى،فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد باستعمالهمثلاً لأهل اليقظة،وهو أن المسواك نبات لطيف نظيف وغصن شجر عذب مبارك.

والأسنان خلق خلقه الله تعالى في الحلق آلة وأداة للمضغ وسبباً لاشتهاء الطعام وإصلاح المعدة، وهي جوهرة صافية تتلوث بما يمضغ من الطعام وتتغير بها رائحة الفم، ويتولد منها الفساد في الدماغ، فإذا استاك المؤمن الفطن بالنبات اللطيف ومسحه على الجوهرة الصافية أزال عنها الفساد والتغيير وعادت إلى أصلها، كذلك خلق الله القلب طاهراً صافياً، وجعل غذاءه الفكر والذكر والهيبة والتعظيم، وإذا شيب القلب الصافي فعدلته بالغفلة والكدر صقلبمصقلة التوبة ونظف بماء الإنابة، ليعود الى حالته الأولى، وجوهرته الأصلية الصافية. قال الله عزّوجل:((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ))[237]).

وإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا باستواك ظاهرالأسنانوأراد بهذا المعنى المثل، ومن أناخ تفكره على باب العبرة في استخراج مثلهذه الأمثال في الأصل والفرع فتح اللهله عيون الحكمة، والمزيد من فضل الله و((اللّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ))[238].

[235]في المصباح: "مطهر".

[236]مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 123، الباب الثامن والخمسون في السواك.

[237]سورة البقرة/ 222.

[238]سورة التوبة/ 120.


صفحه 88

الفصل السادس: في الوضوء

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «من توضأ فذكر اسم الله طهر جميع جسده، وكان الوضوء إلى الوضوء كفارة لما بينهما من الذنوب، ومن لم يسم لم يطهر جسده[239]إلا ما أصابه الماء»[240].

وكأن السر في ذلك أن التسمية تنبه القلب وتطهره عن الغفلة عن ذكر الله، وإذا طهر القلب الذي هو الرئيس طهرت جميع الأعضاء.

قال الشهيد الثاني[241]رحمه الله: أما الطهارة فليستحضر في قلبه أن تكليفه فيها بغسل الأطراف الظاهرة وتنظيفها لاطلاع الناس عليها، ولكون تلك الأعضاء مباشرة للأمور الدنيوية المنهمكة في الكدورات الدنية، فلأن يطهر مع ذلك قلبه الذي هو موضع نظر الحق تعالى، فإنه لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر الى قلوبكم[242]، ولأنه الرئيس الأعظم لهذه الجوارح والمستخدم لها في الأمور للبعدة عن جنابه تعالى وتقدس أولى وأحرى، بل هذا تنبيه واضح على ذلك وبيان شاف لما هنالك.

وليعلم من يطهر تلك الأعضاء عند الاشتغال بعبادة الله تعالى والإقبال عليه والالتفات عن الدنيا، فلذلك أمر بالتطهير من الدنيا عند الاشتغال والإقبال على الأخرى، فأمر في الوضوء بغسل الوجه لأن التوجه والإقبال بوجه القلب على الله به، وفيه أكثر الحواس الظاهرة التي هي أعظم الأسباب الباعثة على مطالب الدنيا، فأمر بغسله ليتوجه به وهو خال من تلك الأدناس، ويترقى بذلك الى تطهير ما هو الركن الأعظم في القياس.

[239]في المصدر: "لم يطهر من جسده".

[240]جامع الأخبار، الشعيري: 63، الفصل 29 في الوضوء.

[241]مرت ترجمته.

[242]أنظر: جامع الأخبار، الشعيري: 100، الفصل 56 في الإخلاص.


صفحه 89

ثم أمر بغسل اليدين لمباشرتهما أكثر أحوال الدنيا الدنية والمشتهيات الطبيعية.

ثم أمر بمسح الرأس لأن فيه القوة المفكرة التي يحصل بواسطتها القصد إلى تناول المرادات الطبيعية، وتنبعث الحواس حينئذ إلى الإقبال على الأمور الدنيوية المانع من الإقبال على الآخرة السنية.

ثم بمسح الرجلين لأن بهما يتوصل إلى مطالبه، ويتوصل إلى تحصيل مآربه على نحو ما ذكر في باقي الأعضاء، وحينئذ فيسوغ له الدخول في العبادة والإقبال عليها فائزاً بالسعادة ــ انتهى[243].

وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام: «إذا أردت الطهارة والوضوء فتقدم إلى الماء تقدمك الى رحمة الله، فإن الله قد جعل الماء مفتاح قربته ومناجاته، ودليلاً إلى بساط خدمته، وكما أن رحمته تطهر ذنوب العباد كذلك نجاسات الظاهر يطهرها الماء لا غيره»، قال الله تعالى:((وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنا مِنَ السَّماء مَاء طَهُورًا))[244]وقال عزّوجل:((وَجَعَلْنا مِنَ الْماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ))[245]، فكما أحيا به كل شيء من نعيم الدنيا كذلك بفضله ورحمته حياة القلوب بالطاعات.

وتفكر في صفاء الماء ورقته وطهوره وبركته ولطيف امتزاجه بكل شيء وفي كل شيء، واستعمله في تطهير الأعضاء التي أمرك الله بتطهيرها، وآت بآدابها فرائضه وسننه، فإن تحت كل واحدة منها فوائد كثيرة، إذا استعملتها بالحرمة انفجرت لك عين فوائده عن قريب.

[243]رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي الشهيد الثاني: 113 ــ 114.

[244]سورة الفرقان/ 48.

[245]سورة الأنبياء/30.


صفحه 90

ثم عاشر خلق الله كامتزاج الماء بالأشياء، يؤدي كل شيء حقه ولا يتغير عن معناه معتبراً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مثل المؤمن الخاص كمثل الماء»[246].

ولتكن صفوتك مع الله في جميع طاعاتك كصفوة الماء حين أنزله من السماء وسماه طهوراً[247]، وطهر قلبك بالتقوى واليقين عند طهارة جوارحك بالماء[248].

وفي علل[249]الفضل بن شاذان[250]عن الرضا عليه السلام: «إنما أمر بالوضوء ليكون العبد طاهراً إذا قام بين يدي الجبار عند مناجاته إياه، مطيعاً له في ما أمره، نقياً من الأدناس والنجاسة، مع ما فيه من ذهاب الكسل وطرد النعاس، وتزكية الفؤاد للقيام بين يدي الجبار»[251].

[246]مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 128 ــ 129، الباب الستون في الطهارة.

[247]إشارة إلى قوله تعالى في سورة الفرقان/ الآية 48. ونصها: ((وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنا مِنَ السَّماء ماء طَهُورًا)).

[248]مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 128 ــ 129، الباب الستون في الطهارة.

[249]إن كتاب العلل الذي ينقل منه الشهيد الثاني، وعنه ينقل الفيض الكاشاني، ومنه يروي أحاديثه السيد شبر، وهو للعلامة الفضل بن شاذان النيشابوري المتوفي سنة 260 هـ، لا تتوفر له طبعة يتم الرجوع إليها لذا يتم مقابلة الحديث عمن نقله من نسخته، ومن نقل عنهم، منهم: محمد بن علي الصدوق في من لا يحضره الفقيه، وزين الدين بن علي الشهيد الثاني في رسائله، والفيض الكاشاني في المحجة البيضاء، وغيرهم.

[250]الفضل بن شاذان النيسابوري: أبو محمد متكلم فقيه جليل القدر، كان أبوه من أصحاب يونس، وروى عن أبي جعفر الثاني، وقيل عن الرضا عليه السلام أيضا، وكان أحد أصحابنا الفقهاء العظام المتكلمين، حاله أعظم من أن يشار إليها. رجال ابن داود، ابن داود: 272/ الرقم1179.

[251]أنظر: علل الشرائع، الصدوق: 1/257، باب 182 علل الشرائع وأصول الإسلام/ ح9. وسائل الشيعة، الحر العاملي: 1/ 367، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، باب 1 وجوبه للصلاة ونحوها/ ح9.