مقدمة التحقيق
لابد للقارئ أن يجد دليلا يرشده في كل كتاب، حول ماهية الكتاب، وأسلوبه، ومنهج من عمل عليه، لذا وضعنا هذه المقدمة، وهي تشتمل على أربعة فروع:
1 - تعريف التحقيق.
2 - لماذا هذا الكتاب.
3 - كتابنا وعلم الأخلاق.
4 - منهج التحقيق في هذا الكتاب.
الأول: تعريف التحقيق
التحقيق، هو: التثبت والتوثيق.
حيث يتم التأكد من النصوص القرآنية، والروائية، وغيرها، وإرجاعها إلى مصادرها، وتعريف الاصطلاحات، و ترجمة الكلمات التي فيها غرابة يصعب على القارئ فهمها، مع تعريف بالأعلام وهويتهم، والبلدان، والإيضاح لمنهج المؤلف وتأثره بمن سبقه، ومن وافق فكرته، وعمن أخذ، مع بيان حال المؤلف وسيرته.
ويختلف التحقيق حسب ذوق المحقق العلمي وأسلوبه، لاسيما في مقابلة المخطوط، خاصة في الإشارة إلى عنوان النص في المخطوط، أو المطبوع، بشكل يغني الباحث بالدلالة حين الرجوع إليه مع اختلاف الطبعات.
وذلك يرتبط وثقافة المحقق، فليس المحقق إلا موسوعة كلما زادت موضوعاتها حسن التعليق، وأهم ما يناط بالمحقق هو: الصبر، والأمانة في النقل، وتثبيت النص، وعدم الميل للهوى، والتجرد، ليعطي الكتاب والكاتب حقهما، حين التحقيق فيهما.
وهذا التخصيص كله يرتبط بالمطبوع، وليس المخطوط من الكتب، وسيضاف الكثير من الكلام إذا كان العمل على مخطوط، فيختلف آنذاك المنهج، وسوف يكون على ما تقدم الكثير من النقد، والتدقيق، والفحص، والتمييز، والمقارنة، والكشف عن الملخص، والمختصر، والمحذوف، والمدسوس، والعلم بالرموز، والإشارات، والإختصارات، والأسماء، والفرق بينها في العصور التاريخية، وهذا العبء لا ينهض به المحقق المبتدئ، والحديث العهد بالتحقيق، إذ يحتاج إلى الكثير من الخبرة والإطلاع على أعمال المحققين، والأساليب العلمية في عملية التحقيق.
وفي الحالتين يحتم عليه العلم بالأصول التي يرجع إليها في التوثيق من لغة، ومعاجم، وحديث، وملل حسبما يقتضيه موضوع الكتاب، من مصادر وعلوم مساعدة حتى يستطيع في نهاية التحقيق أن يخرج الكتاب بحلة باهرة، وأن يكتب الخلاصة، والإستنتاج للكتاب، أو المخطوط، إذ أنها بمثابة تقييم علمي من المحقق يعتمد عليه من يصل إليه الكتاب.
الثاني: لماذا هذا الكتاب
إن علم الأخلاق له الشرف بين العلوم، لذا عقدت اللجنة المشرفة على التحقيق والنشر في قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة رأيها في انتخاب كتاب أخلاقي، لما فيه للنفس من أثر.
ولما كان السيد عبد الله شبر إسم لامع في العلم والفضيلة، وكتبه كرامة تجد أسبابها في ترجمة حياته بعد هذه المقدمة تم اختيار كتابه الأخلاق، الذي ترتمس فيه النفوس حين الخلوة، وهو أنس العلماء، وجنينة الطالب، ليخرج بحلته الجديدة مع أول طبعة محققة تغني الباحث والطالب، ولما في هذا الكتاب من تهذيب للنفس وإحياء للفضيلة، وأحاديث الروح، وقع الاختيار عليه.
الثالث: كتابنا وعلم الأخلاق
قال الأزنـيـقــــــــــــــــــــــــي: هو علم يعرف منه أنواع الفضائل. وموضوع هذا العلم: الملكات النفسانية.
قال ابن صدر الدين: هو علم بالفضائل، وكيفية اقتنائها لتتحلى النفس بها، وبالرذائل وكيفية توقيها لتتخلى عنها. فموضوعه: الأخلاق، والملكات، والنفس الناطقة[2].
قال صدر الـمـتـألهيـن: علم الأخلاق، المعروف بعلم الطريقة[3].
قال الـســبــــــــــــــــزواري: علم الأخلاق يبحث عن كيفية المحافظة على الحد الوسط التي هي: الفضيلة، والاجتناب عن طرفي الإفراط والتفريط اللذين هما: الرذائل، لتصدر منه أفعال يصل بها إلى السعادة المرجوة[4].
قال الطباطبائــــــــــــي: علم الأخلاق، وهو: الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلقة بقواه النباتية والحيوانية والإنسانية وتمييز الفضائل منها من الرذائل[5].
[2]أبجد العلوم، السيد صديق بن حسن خان البخاري: 2/ 28، علم الأخلاق.
[3]تفسير صدرا، الملا صدرا: 3/501.
[4]تفسير مواهب الرحمن، السبزواري: 2/310 .
[5]تفسير الميزان، الطباطبائي: 1/371 .
المذاهب الأخلاقية
قــــــال الــــســـبــــــــــزواري: يختلف العلماء والباحثون في علم الأخلاق النظري في تقسيم المذاهب الأخلاقية المتعددة بين مفصل لها بتعداد سائر الاتجاهات، وبين مجمل لها بذكر أصولها، والسبب في ذلك أن طائفة منهم ربطت المذاهب الأخلاقية بالمذاهب الفلسفية في المعرفة الإنسانية من الواقعية والمثالية، والعقلية، والحدسية، والتجريبية، والمادية، والتشكيكية وغير ذلك.
وهذا المسلك وإن أمكن تطبيقه على بعض المذاهب الأخلاقية، فإنه يكون امتدادا لتلك المسألة إلا أنه لا يمكن تطبيقه على البعض الآخر مثل الأخلاق المسيحية فإن لها خصائص ما يخالف تلك الاتجاهات.
وطائفة أخرى أرجعت الاختلاف بعينه إلى الاختلاف في الغاية، و إنها هي المنفعة، سواء كانت فردية أو اجتماعية وابتغاء اللذة والسرور ودفع الآلام والشرور.
وهذا المنهج كسابقه فان كثيرا من المذاهب يخرج عن هذا التقسيم.
وطائفة ثالثة ذهبت إلى أنّ المناط هو الوجدان والزهد والتقشف كما يراه الاتجاه الصوفي.
والحق أنّ شيئا مما ذكر لا يصلح لأن يكون المناط في تقسيم المذاهب الأخلاقية، بل إنّ جميعها تتفق على أنّ الكمال والسعادة هما الغاية القصوى والمقصد الأسنى للإنسان، وإنّما الاختلاف في ما يصدق عليه الكمال والسعادة فالاختلاف في المصداق فقط، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم المذاهب الأخلاقية إلى ثلاثة:
الإتجاه العقلي
الاتجاه الذي يعتبر العقل هو الذي يحدد الغاية في حياتنا، وأنه الباعث الذي يحفزنا إلى ابتغاء الحياة السعيدة و العزوف عن اللذات وأنّه الداعي إلى الطاعة لأوامر الشرع أو العقل، وأصحاب هذا الاتجاه يعترفون بأصول مسلّمة لا يمكن العدول عنها كحسن العدل، وقبح الظلم وأمثال ذلك، فلابد للإنسان - الذي يتميز عن سائر الكائنات بطبيعته العاقلة - أن يتصرف وفق القوانين المجعولة من قبل العقل أو الشرع، وفي ذلك ابتغاء السعادة.
ويشمل هذا الاتجاه من المذاهب الأخلاقية المذهب الحدسي، والواقعي، والمثالي، وبعض المذاهب اليونانية القديمة أمثال الرواقيين والأفلاطونيين وغيرهم.
الإتجاه المادي
وهذا الاتجاه يرفض كل القيم الإنسانية المسبقة التي تحدد للإنسان سلوكه والتي لها التأثير في تشكيل حياته، بل يعتبر عامل المادة له الأثر الكبير في سلوك الإنسان، وزاد بعضهم أن الأفكار والمشاعر والرغبات والقيم الخلقية والجمالية هي وليدة النظام الاقتصادي وما يستلزمه من العلاقات بين الأفراد بعضهم مع بعض، وإن المنفعة سواء في شكلها الحسي أو العقلي هي وحدها الخير الأقصى والمرغوب لذاته، وإنها السعادة، والضرر والألم وحده هو الشر الأقصى، فالأفعال الإنسانية لا تكون خيرا إلا إذا حققت النفع مطلقا وإذا جلبت ضررا أو عاقت عن وصول النفع كانت شرا.
وبالجملة: إنّ في هذا الاتجاه على اختلاف مذاهبه يتوجه النظر على نتائج الأفعال وآثارها، بلا فرق بين أن تكون المنفعة فردية حسية عاجلة، كما في مذهب القورنائيين أو حسية وعقلية وروحية كما في مذهب الابيقوريين، وجميعهم أصحاب اللذة الفردية الأنانية. نعم، تحول بعض المذاهب إلى منفعة المجموع والقول بالصالح العام ولكنه لا تخرجها عن ابتغاء اللذة والمنفعة، ولذا دعوا جميعا بـ(الأنانيين) حتّى في تصورهم للصالح العام، وتشترك جميع هذه المذاهب في تقييد حرمة الفرد، والقول بالجبر الأخلاقي والفوضى في الأخلاق. ومن ذلك يعرف أنّه لا علاقة بين الفكر الفلسفي والمذهب الخلقي في هذا الاتجاه.
الإتجاه الصوفي
وفي هذا الاتجاه يتنكر الإنسان للمادة في جميع مظاهرها، وأنّ العزوف عن ملاذ الدنيا هو المناط في الأخلاق الفاضلة، ويرى أصحابه أنّ السعادة هي الابتعاد عما يشغل بال الإنسان عن التفكر، والكمال هو الوصول إلى مرحلة يصل بها إلى درك الحقائق، وفي هذا الاتجاه تعتبر المحبة أصلا لكل خير.
هذه هي الاتجاهات الأساسية للمذاهب الأخلاقية المختلفة المتعددة وهي جميعها قد أخفقت في حلّ المشكلات الخلقية للإنسان سواء الفردية أو الاجتماعية، ولم يصل الفرد بها إلى ما يصبو من السعادة والكمال بل لم تجلب للإنسان إلا الشقاوة، والوقوع في صراعات فكرية لا يجتنى منها فائدة تذكر[6].
[6]مواهب الرحمن في تفسير القران، السيد السبزواري: 2/304 - 306 .
سيرة التآليف الأخلاقية
اشاره
جاء في كتاب دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية ذكر مجاميع كتب الأخلاق موضوعيا مع الإشارة لخصائصها نذكرها ههنا كما وردت.
نقسم مصادر علم الأخلاق إلى أربعة مجاميع متميزة:
المجموعة الأولى: الكتب الأخلاقية الفلسفية
من أمثلة هذه المجموعة «السعادة والإسعاد» و«تهذيب الأخلاق» وغيرها.
والملاحظ على هذه المجموعة ما يلي:
1 - التأثر بالآثار اليونانية، مما أدى إلى اضمحلال الاستفادة من المسائل المعنوية والأخروية، ذات الأثر القيم في تربية النفس وتزكيتها، وقد أصبح الأساس الذي ترتكز عليه هذه الكتابات هو المنافع المادية والمعايير العقلية والقيم الاجتماعية وحسب.
2 - أن الإطار الفكري للفيلسوف والحكيم يتناول الإنسان كمتفكر وعالم، ولهذا فإن تعامل الفيلسوف والحكيم مع الإنسان ينحصر بالكمال الفكري له فقط، وهذه الطريقة ليست إلا نظرة ناقصة للإنسان. صحيح إن للكمال العقلي أصالة متميزة، ولكن يجب أن لا تكون على حساب سائر الكمالات الإنسانية الأخرى، بحيث تهمل ولا يعتنى بها، ويبحث عن كمالات الإنسان من خلال زاوية ضيقة هي الكمال العقلي فقط. فهذا النوع من أسلوب اللامبالاة والتقصير في مراعاة سائر الجوانب الكمالية للإنسان هو بلا شك أسلوب ناقص في الدراسات الأخلاقية.
3 - يعتبر تهذيب النفس وبناؤها من التمارين الشاقة التي تتطلب همة عالية وجهدا منقطع النظير وتربية طويلة الأمد، وأقل ما ينتظر من مصنفات الأخلاق في هذا السبيل هو أن تكون دليلا وبرنامجا يعين
الإنسان على تخطي صعاب ومشاق العملية التربوية، ومما يؤسف له أن الكتب الأخلاقية الفلسفية تنقصها هذه الخصوصية، فهي غير كفوؤة في هذا الجانب، وغير قادرة على احتواء قلب وفكر الإنسان، وبالنتيجة لم تترك أي أثر إيجابي في بناء الإنسان وتقويم خلقه.
4 - إن هذه المجموعة من التصانيف الأخلاقية تزخر باصطلاحات ومطالب علمية وفنية كثيرة، وقد صنفت بطراز خاص يصعب معه إدراك مضامينها بسهولة، بل لم يكن ذلك متيسرا لكل الفئات والطبقات الاجتماعية ذات الثقافات المتباينة، ولهذا لم تجد لها طريقا بين عامة الناس، بل انحصرت بفئة اجتماعية خاصة وانحرمت منها كثير من الفئات.
المجموعة الثانية: الكتب الأخلاقية العرفانية
من أمثلة هذه المجموعة (أوصاف الأشراف) و(رسالة السير والسلوك) و(مثنوي معنوي) و(تذكرة المتقين) وغيرها.
وهذه المجموعة من الآثار الأخلاقية تحتوي على جوانب عملية وعرفانية تكشف عن صورة الإنسان مع نفسه ومع العالم المحيط به ومع خالقه، وتعتمد على أفكار وأقوال السالكين، وتبين طبيعة وأخلاق وقواعد العظماء من العلماء المتعبدين الذين عرفوا بين الناس أهل سير وسلوك عرفاني خاص.
ولكن من الملاحظ على هذه المجموعة ما يلي:
1 - هذه الكتب تشتمل على طرق العرفاء العملية والأخلاقية لأجل السير والسلوك، وتخلو من المباحث العلمية والنظرية في مورد الأخلاق والفضائل والرذائل وطريقة كسب الفضائل وطرق معالجة الرذائل.
2 - يستفاد من هذه الكتب والرسائل لأولئك الذين طوو بعض المراحل من منازل تزكية النفس والسير، وقطعوا شوطا فيهما، لأنها تشتمل على مباحث أخلاقية صعبة ورياضات طويلة شاقة لتهذيب النفس وتزكيتها، ولهذا فان هذه المجموعة من الكتب والرسائل أيضا لم تكن صالحة لاستفادة كل الطبقات سيما عامة الناس الذين هم أحوج أفراد المجتمع إلى دروس الأخلاق، لأنهم لم يكونوا قد أمضوا شيئا من مراحل ومنازل تزكية النفس والسير أو مقدماتهما.