كلمة رد أو قبول تذكر ما ينكشف له في آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول... إلى غيرك ذلك[270].
والحمام أشبه شيء بجهنم النار من تحت والظلام من فوق، فينبغي أن يتذكر حر النار بحرارته، ويقدر نفسه محبوساً في البيت الحار ساعة ويقيسه إلى جهنم ويستعيذ بالله منها[271].
قال الصادق عليه السلام: «فإذا دخلت البيت الثالث فقل: نعوذ بالله من النار ونسأله الجنة، ترددها إلى وقت خروجك من البيت الحار»[272].
الفصل التاسع: في سماع الأذان
قال أبو حامد[273]: إذا سمعت نداء المؤذن فأحضر في قلبك هول النداء يوم
[270]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 1/ 318، كتاب أسرار الطهارة. إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 133، كتاب أسرار الطهارة.
[271]نفس المصدر السابق.
[272]روضة الواعظين، الفتال: 2/ 307، مجلس في ذكر الآداب وأشياء شتى.
[273]أبو حامد: زين الدين أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد الطوسي الغزالي، ولد بطوس سنة خمسين وأربعمائة، وكانت وفاته بطوس صبيحة يوم الاثنين رابع عشر جمادي الآخرة سنة خمس وخمسمائة، وعمره خمس وخمسون سنة. خرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين، بمنارة الجامع، وصنف فيها كتبا،يقال:إن الإحياء منها، ثم صار إلى القدس والإسكندرية، ثم عاد إلى وطنه بطوس، مقبلا على التصنيف، والعبادة، وملازمة التلاوة، ونشر العلم، وعدم مخالطة الناس.
طبقات الشافعية، الأسنوي: 2/111 ــ 113/ الرقم 860.
القيامة، وتشمر بظاهرك وباطنك للإجابة والمسارعة، فإن المسارعين إلى هذا النداء هم الذين ينادون باللطف يوم العرض الأكبر، فاعرض قلبك على هذا النداء، فإن وجدته مملوءً بالفرح والاستبشار مشحوناً بالرغبة إلى الابتدار[274]فاعلم أنه يأتيك النداء بالبشرى والفوز يوم القضاء، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: «أرحنا يا بلال[275]» أي أرحنا بها وبالنداء إليها إذ كانت قرة عينه فيها[276]ــ انتهى[277].
وقال الشهيد الثاني[278]رحمه الله: واعتبر بفصول الأذان وكلماته كيف افتتحت بالله واختتمت بالله، واعتبر بذلك، أن الله جل جلاله هو الأول والآخر والظاهر والباطن، ووطن قلبك بتعظيمه وتكبيره عند سماع التكبير، واستحقر الدنيا وما فيها لئلا تكون كاذباً في تكبيرك، وانف عن خاطرك كل معبود سواء بسماع التهليل[279]، وأحضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتأدب بين يديه، واشهد له بالرسالة مخلصاً،
[274]يقال: ابتدر القوم أمرا وتبادروه، أي: بادر بعضهم بعضا إليه أيهم يسبق إليه فيغلب عليه.
تاج العروس، الزبيدي:3/33.
[275]قال الخطيب البغدادي: قال الخزاعي: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يا بلال أقم الصلاة أرحنا بها.
تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: 10/444.
وأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : أرحنا يا بلال.
الحبل المتين، البهائي: 154.
[276]أنظر: رسائل الكركي، المحقق الكركي: 3/ 225. سنن النسائي، أحمد بن شعيب النسائي: 7/ 61،كتاب عشرة النساء، باب حب النساء. وفيه: "وجعل قرة عيني في الصلاة".
[277]إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 158، كتاب أسرار الصلاة.
[278]مرت ترجمته.
[279]قال الليث: التهليل قول: لا إله إلا الله.
لسان العرب، ابن منظور: 11/ 705، مادة "هلل".
وصل عليه وآله، وحرك نفسك واسع بقلبك وقالبك عند الدعاء إلى الصلاة، وما يوجب الفلاح، وما هو خير الأعمال وأفضلها، وجدد عهدك بعد ذلك بتكبير الله وتعظيمه، واختمه بذكره كما افتتحت به، واجعل مبدأك منه وعودك إليه وقوامك به، واعتمادك على حوله وقوته، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم[280].
الفصل العاشر: في الوقت
قال الشهيد الثاني رحمه الله[281]: استحضر عند دخوله أنه ميقات جعله الله لك، لتقوم فيه بخدمته، وتتأهل للسؤال في حضرته والفوز بطاعته، وليظهر على قلبك السرور وعلى وجهك البهجة عند دخوله، لكونه سبباً لقربك ووسيلة إلى فوزك، واستعد له بالطهارة والنظافة ولبس الثياب الصالحة للمناجاة، كما تتأهب عند القدوم على ملك من ملوك الدنيا، وتلقاه بالوقار والسكينة والخوف والرجاء، واستحضر عظمة الله وجلاله، ونقصان قدرك وكماله.
وقد روي أن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه شغلاً بالله عن كل شيء[282].
[280]رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي: 121، أسرار الصلاة.
[281]زين الدين بن علي بن أحمد العاملي. مرت ترجمته.
[282]عدة الداعي، ابن فهد الحلي: 152، ما يكون قبل الدعاء كالطهارة وشم الطيب واستقبال القبلة والصدقة. عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور: 1/ 324، الباب الأول في الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه، المسلك الأول/ ح61.
وكان علي عليه السلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ[283]ويتزلزل[284]، فيقال له: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فيقول: «جاء وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها[285]»[286].
وكان علي بن الحسين عليه السلام إذا حضر الوضوء اصفر لونه[287].[288]
الفصل الحادي عشر: في لباس المصلي
قال أبو حامد[289]: وأما ستر العورة فاعلم أن معناه تغطية مقابح بدنك عن أبصار الخلق، فإن ظاهر بدنك موقع نظر الخلق، فما رأيك في عورات باطنك وفضائح سرك التي لا يطلع عليها إلا ربك، فأحضر تلك الفضائح ببالك وطالب
[283]قيل: قد تململ، وهو تقلبه على فراشه، قال: وتململه وهو جالس أن يتوكأ مرة على هذا الشق، ومرة على ذاك، ومرة يجثو على ركبتيه.
لسان العرب، ابن منظور: 11/ 631، مادة "ملل".
[284]ابن الأعرابي: رجف البلد إذا تزلزل، وقد رجفت الأرض وأرجفت إذا تزلزلت.
لسان العرب، ابن منظور: 9/113، مادة "رجف".
واهتز،أي: تزلزل.
مجمع البحرين، الطريحي: 4/ 426، مادة "هزز".
[285]إشارة إلى قوله تعالى: ((إِنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ عَلى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإِنسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولاً)) سورة الأحزاب/ 72.
[286]أنظر: تفسير نور الثقلين، الحويزي: 4/ 313، تفسير سورة الأحزاب/ ح265.
[287]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي:1/ 324،الباب الأول في الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه، المسلك الأول/ ح63.
[288]أنظر: رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي: 119 ــ 120.
[289]محمد بن محمد بن محمد الطوسي الغزالي. مرت ترجمته.
نفسك بسترها، وتحقق أنه لا يسترها عن عين الله ساتر وإنما يكفرها الندم والحياء والخوف، فتستفيد بإحضارها في قلبك انبعاث جنود الخوف والحياء من مكامنها، فتذل به نفسك وتسكن تحت الخجلة قلبك.
وتقوم بين يدي الله قيام العبد المجرم المسيء الآبق[290]الذي ندم فرجع إلى مولاه ناكساً[291]رأسه من الحياء والخوف[292].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «أزين اللباس للمؤمنين لباس التقوى، وأنعمه الإيمان، قال الله عزّوجل:((وَلِباسُ التَّقْوَىَ ذلِكَ خَيْرٌ))[293]، وإما اللباس الظاهر فنعمة من الله يستر بها عورات بني آدم، وهي كرامة أكرم الله بها عباده ذرية آدم عليه السلام ما لم يكرم بها غيرهم، وهي للمؤمنين آلة لأداء ما افترض الله عليهم.
وخير لباسك ما لا يشغلك عن الله تعالى بل يقربك من شكره وذكره وطاعته، ولا يحملك على العجب والرياء والتزين والمفاخرة والخيلاء، فإنها من آفات الدين ومورثة القسوة في القلب، وإذا لبست ثوبك فاذكر ستر الله عليك ذنوبك برحمته.
[290]الإباق: هرب العبد من سيده.
لسان العرب، ابن منظور: 10/ 3، مادة "أبق".
[291]نكس أنكسته نكسا: قلبته.
كتاب العين، الفراهيدي: 5/313، مادة "نكس".
[292]إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 158، بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة.
[293]سورة الأعراف/ 26.
وألبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة، واعتبر بفضل الله عزّوجل، حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة، وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء.
ولا تفضح أحداً حيث ستر الله عليك أعظم منه، واشتغل بعيب نفسك، واصفح عما لا يعنيك حاله وأمره.
واحذر أن تفني عمرك بعمل غيرك، ويتجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك، فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل وأوفر أسباب العقوبة في الآجل، وما دام العبد مشتغلاً بطاعة الله ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل من الآفات، خائض في بحر رحمة الله، يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان، وما دام ناسياً لذنوبه جاهلاً بعيوبه راجعاً إلى حوله وقوته لا يفلح أبداً»[294].
الفصل الثاني عشر: في مكان المصلي
قال الشهيد الثاني رحمه الله[295]: استحضر فيه أنك كائن بين يدي ملك الملوك، تريد مناجاته والتضرع إليه والتماس رضاه ونظره إليك بعين الرحمة، فانظر مكاناً يصلح لذلك كالمساجد الشريفة[296]والمشاهد المطهرة[297]مع الإمكان، فإنه تعالى
[294]أنظر:مصباح الشريعة،الإمام الصادق عليه السلام:30،الباب الثالث عشر في اللباس.رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي:117 ــ 118. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:1/379 ــ 380.
[295]مرت ترجمته.
[296]مثل المسجد النبوي الشريف.
[297]وهي مراقد أهل البيت عليهم السلام وأبنائهم البررة صلوات الله عليهم أجمعين.
جعل تلك المواضع محلاً لإجابته ومظنة لقبوله ورحمته، ومعدناً[298]لمرضاته ومغفرته، على مثال حضرة الملوك الذين يجعلونها وسيلة لذلك، فادخلها ملازماً للسكينة والوقار، ومراقباً للخشوع والانكسار، سائلاً أن يجعلك من خلص عباده، وأن يلحقك بالماضين منهم.
وراقب الله كأنك على الصراط جائز، وكن متردداً بين الخوف والرجاء وبين القبول والطرد، فيخشع حينئذ قلبك ويخضع لبك، وتتأهل لأن يفيض عليك الرحمة وتنالك يد العاطفة، وترعاك عين العناية[299].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت ملكاً عظيماً لا يطأ بساطه إلا المطهرون، ولا يؤذن بمجالسته إلا الصديقون، وهب القدوم إلى بساط خدمته هيبة الملك، فإنك على خطر عظيم إن غفلت.
واعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك، لأن عطف عليك بفضله ورحمته قبل منك يسير الطاعة وأجزل لك عليها ثواباً كثيراً جزيلاً وإن طالبك باستحقاقه الصدق والإخلاص عدلاً بك حجبك ورد طاعتك وإن كثرت، وهو ((فَعّالٌ لِما يُرِيدُ))[300].
واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه، فإنك قد توجهت للعبادة له والمؤانسة به، واعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا يخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم، وكن كأفقر عباده بين يديه.
[298]المعدن: مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه نحو معدن الذهب والفضة والأشياء.
لسان العرب، ابن منظور: 13/ 279، مادة "عدن".
[299]أنظر: رسائل الشهيد، الشهيد الثاني: 118، أسرار الصلاة.
[300]سورة البروج/ 16.
وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك، فإنه لا يقبل إلا الأطهر والأخلص، فانظر من أي ديوان يخرج اسمك، فإن ذقت من حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته، وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجاباته وقد صلحت لخدمته، فادخل فلك الإذن والأمان، وإلا فقف وقوف مضطر قد انقطع عنه الحيل وقصر عنه الأمل وقضى الأجل، فإذا علم الله من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة،والعطف،ووفقك لما يحب ويرضى، فإنه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاته. قال الله تعالى:((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ))[301].[302]
الفصل الثالث عشر: في الاستقبال
قال أبو حامد[303]): وأما الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله، أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر الله ليس مطلوباً منك؟! هيهات فلا مطلوب سواه.
وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغى على القلب، فإنهاإذا بغت وظلمت في حركاتها إلى جهاتها استبغت القلب وانقلبت به عن وجه الله، فليكن وجه قلبكمع وجه بدنك.
[301]سورة النمل/ 62.
[302]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادقعليه السلام: 130 ــ 131، الباب الواحد والستون في دخول المسجد.
[303]مرت ترجمته.