بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 99

وألبس باطنك بالصدق كما ألبست ظاهرك بثوبك، وليكن باطنك في ستر الرهبة وظاهرك في ستر الطاعة، واعتبر بفضل الله عزّوجل، حيث خلق أسباب اللباس لتستر العورات الظاهرة، وفتح أبواب التوبة والإنابة لتستر بها عورات الباطن من الذنوب وأخلاق السوء.

ولا تفضح أحداً حيث ستر الله عليك أعظم منه، واشتغل بعيب نفسك، واصفح عما لا يعنيك حاله وأمره.

واحذر أن تفني عمرك بعمل غيرك، ويتجر برأس مالك غيرك وتهلك نفسك، فإن نسيان الذنوب من أعظم عقوبة الله تعالى في العاجل وأوفر أسباب العقوبة في الآجل، وما دام العبد مشتغلاً بطاعة الله ومعرفة عيوب نفسه وترك ما يشين في دين الله فهو بمعزل من الآفات، خائض في بحر رحمة الله، يفوز بجواهر الفوائد من الحكمة والبيان، وما دام ناسياً لذنوبه جاهلاً بعيوبه راجعاً إلى حوله وقوته لا يفلح أبداً»[294].

الفصل الثاني عشر: في مكان المصلي

قال الشهيد الثاني رحمه الله[295]: استحضر فيه أنك كائن بين يدي ملك الملوك، تريد مناجاته والتضرع إليه والتماس رضاه ونظره إليك بعين الرحمة، فانظر مكاناً يصلح لذلك كالمساجد الشريفة[296]والمشاهد المطهرة[297]مع الإمكان، فإنه تعالى

[294]أنظر:مصباح الشريعة،الإمام الصادق عليه السلام:30،الباب الثالث عشر في اللباس.رسائل الشهيد الثاني، زين الدين بن علي:117 ــ 118. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:1/379 ــ 380.

[295]مرت ترجمته.

[296]مثل المسجد النبوي الشريف.

[297]وهي مراقد أهل البيت عليهم السلام وأبنائهم البررة صلوات الله عليهم أجمعين.


صفحه 100

جعل تلك المواضع محلاً لإجابته ومظنة لقبوله ورحمته، ومعدناً[298]لمرضاته ومغفرته، على مثال حضرة الملوك الذين يجعلونها وسيلة لذلك، فادخلها ملازماً للسكينة والوقار، ومراقباً للخشوع والانكسار، سائلاً أن يجعلك من خلص عباده، وأن يلحقك بالماضين منهم.

وراقب الله كأنك على الصراط جائز، وكن متردداً بين الخوف والرجاء وبين القبول والطرد، فيخشع حينئذ قلبك ويخضع لبك، وتتأهل لأن يفيض عليك الرحمة وتنالك يد العاطفة، وترعاك عين العناية[299].

وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «إذا بلغت باب المسجد فاعلم أنك قصدت ملكاً عظيماً لا يطأ بساطه إلا المطهرون، ولا يؤذن بمجالسته إلا الصديقون، وهب القدوم إلى بساط خدمته هيبة الملك، فإنك على خطر عظيم إن غفلت.

واعلم أنه قادر على ما يشاء من العدل والفضل معك وبك، لأن عطف عليك بفضله ورحمته قبل منك يسير الطاعة وأجزل لك عليها ثواباً كثيراً جزيلاً وإن طالبك باستحقاقه الصدق والإخلاص عدلاً بك حجبك ورد طاعتك وإن كثرت، وهو ((فَعّالٌ لِما يُرِيدُ))[300].

واعترف بعجزك وتقصيرك وفقرك بين يديه، فإنك قد توجهت للعبادة له والمؤانسة به، واعرض أسرارك عليه، ولتعلم أنه لا يخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم، وكن كأفقر عباده بين يديه.

[298]المعدن: مكان كل شيء يكون فيه أصله ومبدؤه نحو معدن الذهب والفضة والأشياء.

لسان العرب، ابن منظور: 13/ 279، مادة "عدن".

[299]أنظر: رسائل الشهيد، الشهيد الثاني: 118، أسرار الصلاة.

[300]سورة البروج/ 16.


صفحه 101

وأخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك، فإنه لا يقبل إلا الأطهر والأخلص، فانظر من أي ديوان يخرج اسمك، فإن ذقت من حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته، وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وإجاباته وقد صلحت لخدمته، فادخل فلك الإذن والأمان، وإلا فقف وقوف مضطر قد انقطع عنه الحيل وقصر عنه الأمل وقضى الأجل، فإذا علم الله من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة،والعطف،ووفقك لما يحب ويرضى، فإنه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه المحترقين على بابه لطلب مرضاته. قال الله تعالى:((أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ))[301].[302]

الفصل الثالث عشر: في الاستقبال

قال أبو حامد[303]): وأما الاستقبال فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله، أفترى أن صرف القلب من سائر الأمور إلى أمر الله ليس مطلوباً منك؟! هيهات فلا مطلوب سواه.

وإنما هذه الظواهر تحريكات للبواطن وضبط للجوارح وتسكين لها بالإثبات في جهة واحدة حتى لا تبغى على القلب، فإنهاإذا بغت وظلمت في حركاتها إلى جهاتها استبغت القلب وانقلبت به عن وجه الله، فليكن وجه قلبكمع وجه بدنك.

[301]سورة النمل/ 62.

[302]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادقعليه السلام: 130 ــ 131، الباب الواحد والستون في دخول المسجد.

[303]مرت ترجمته.


صفحه 102

واعلم أنه كما لا يتوجه الوجه إلى جهة البيت إلا بالصرف عن غيرها فلا ينصرف القلب إلى الله تعالى إلا بالتفرغ عما سوى الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا قام العبد إلى صلاته وكان هواه وقلبه إلى الله[304]انصرف كيوم ولدته أمه»[305]ــ انتهى[306].

وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أما يخاف الذي يحول وجهه في الصلاة أن يحول الله وجهه وجه حمار»[307].

قيل: هذا نهي عن الالتفات عن الله وملاحظة عظمته في حال الصلاة، فإن الملتفت يميناً وشمالاً ملتفت عن الله تعالى وغافل عن مطالعة أنوار كبريائه ومن كان كذلك فيوشك أن تدوم تلك الغفلة عليه فيتحول وجه قلبه كوجه قلب الحمار في قلة عقله للأمور العلوية وعدم فهمه للعلوم.

وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: «إذا استقبلت القبلة فأيئس من الدنيا وما فيها والخلق وما هم فيه، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن الله تعالى، وعاين بسرك عظمة الله، واذكر وقوفك بين يديه ((يوم تَبْلُو[308]كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ))[309]، وقف على قدم الخوف والرجاء[310].

[304]في المستدرك: "إلى الله تعالى".

[305]مستدرك الوسائل، النوري: 3/ 59، كتاب الصلاة، باب 16 تأكد استحباب المداومة على النوافل والإقبال بالقلب على الصلاة/ ح11.

[306]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 158، كتاب أسرار الصلاة.

[307]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور: 1/ 322، الباب الأول في الأحاديث المتعلقة بأبواب الفقه، المسلك الأول/ ح58.

[308]النص في القرآن الكريم: ((هُنالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلى اللّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مّا كانُواْ يَفْتَرُونَ)).

[309]سورة يونس/30.

[310]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 87، باب 39 في افتتاح الصلاة.


صفحه 103

الفصل الرابع عشر: في القيام

قال أبو حامد[311]: وأما الاعتدال قائماً فهو مثول بالقلب والشخص بين يدي الله تعالى، فليكن رأسك الذي هو أرفع أعضائك مطرقاً متطأطئاً منكساً، وليكن وضع الرأس عن ارتفاعه تنبيها على إلزام القلب التواضع والتذلل والتبري عن الترؤس والتكبر، وليكن على ذكرك هنا خطر المقام بين يدي الله في هول المطلع عند التعرض للسؤال.

واعلم في الحال أنك قائم بين يدي الله تعالى وهو مطلع عليك، فقم بين يديه قيامك بين يدي بعض ملوك الزمان إن كنت تعجز عن معرفة كنه جلاله، بل قدر في دوام قيامك في صلواتك أنك ملحوظ ومرقوب بعين كالئة[312]من رجل صالح من أهلك أو ممن ترغب في أن يعرفك بالصلاح، فإنه تهدأ عند ذلك أطرافك وتخشع جوارحك ويسكن جميع أجزائك، خيفة أن ينسبك ذلك العاجز المسكين إلى قلة الخشوع.

وإذا أحسست من نفسك التماسك عند ملاحظة عبد مسكين فعاتب نفسك وقل لها: إنك تدعين معرفة الله وحبه أفلا تستحين من اجترائك عليه مع توقيرك عبداً من عباده أو تخشين الناس ولا تخشينه، وهو أحق أن يخشى؟![313].

[311]مرت ترجمته.

[312]كلأه يكلؤه وكلاء وكلاءة، بالكسر: حرسه وحفظه.

لسان العرب، ابن منظور: 1/ 146، مادة "كلأ".

[313]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/ 158 ــ 159، كتاب أسرار الصلاة ومهماتها، بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة. أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 113 ــ 115، أسرار أركان الصلاة وآدابها، الفصل الثاني في المقارنات. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 233، الفصل الثامن القيام في الصلاة. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 1/ 382 ـــ 383، كتاب أسرار الصلاة، بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة. أسرار العبادات، الفيض الكاشاني: 112، الآداب المعنوية لسائر مقدمات الصلاة وأفعالها، الآداب المعنوية للاعتدال. جامع السعادات، النراقي: 3/ 344 ـــ 345، فصل القيام.


صفحه 104

ولذلك لما قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: كيف الحياء من الله؟ فقال: «تستحي منه كما تستحي من الرجل الصالح من أهلك»[314].

الفصل الخامس عشر: في التوجه

قال الشهيد الثاني رحمه الله[315]: إذا توجهت بالتكبيرات فاستحضر عظمة الله سبحانه، وصغر نفسك وخسة عبادتك في جنب عظمته، وانحطاط همتك عن القيام بوظائف خدمته واستتمام حقائق عبادته.

وتفكر عند قولك:«اللهم أنت الملك الحق المبين»[316]في عظيم ملكه وعموم قدرته واستيلائه على جميع العوالم، ثم ارجع على نفسك بالذل والانكسار والاعتراف بالذنوب والاستغفار عند قولك: «عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»[317].

[314]نفس المصادر السابقة.

[315]مرت ترجمته.

[316]مفتاح الفلاح، البهائي : 49 ، الباب الأول فيما يعمل مابين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

[317]مهج الدعوات، ابن طاووس: 104.


صفحه 105

وأحضر دعوته لك بالقيام بهذه الخدمة، ومثل نفسك بين يديه، وأنه قريب منك مجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويسمع نداءه، وأن بيده خير الدنيا والآخرة لا بيد غيره عند قولك: «لبيك وسعديك والخير في يديك»[318]، ونزهه من الأعمال السيئة وأفعال الشر.

وأبدله بها محض الإرشاد والهداية عند قولك: «والشر ليس إليك والمهدي من هديت»[319]، واعترف له بالعبودية وأن قوام وجودك وبدأه ومعاده منه بقولك: «عبدك وابن عبديك منك وبك ولك[320]وإليك»[321]، أي منك وجوده وبك قوامه ولك ملكه وإليك معاده، ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَئ[322]الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلى))[323].

فأحضر في ذهنك هذه الحقائق، وترق منها إلى ما يفتح عليك من الأسرار والدقائق، وتلق الفيض[324]من العالم الأعلى[325].

[318]الكافي، الكليني: 3/310، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة والحد في التكبير/ ح7.

[319]نفس المصدر.

[320]ليس في الفلاح: "و لك".

[321]فلاح السائل، ابن طاووس: 132، صفة نوافل الزوال.

[322]في النص القرآني: "يبدؤا".

[323]سورة الروم/ 27.

[324]الفيض: الكثير.

كتاب العين، الفراهيدي: 7/ 65، مادة "فيض".

[325]أنظر: أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 108 ــ 109، في أسرار الاستقبال إلى القبلة. أسرار العبادات، الفيض الكاشاني: 112 ــ 113، الآداب المعنوية لسائر مقدمات الصلاة وأفعالها، الآداب المعنوية للتوجه بالتكبيرات. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 1/ 383 ــ 384، كتاب أسرار الصلاة.


صفحه 106

الفصل السادس عشر: في النية

قال أبو حامد: وأما النية فاعزم على إجابة الله في امتثال أمره بالصلاة وإتمامها، والكف عن نواقضها ومفسداتها، وإخلاص جميع ذلك لوجه الله رجاءً لثوابه وخوفاً من عقابه وطلباً للقربة منه، متقلداً للمنة بإذنه إياك في المناجاة، مع سوء أدبك وكثرة عصيانك.

وعظم في نفسك قدر مناجاته، وانظر إلى من تناجي وكيف تناجي وبماذا تناجي، وعند هذا ينبغي أن يعرق جبينك من الخجل وترتعد فرائصك[326]من الهيبة ويصفر وجهك من الخوف[327].

الفصل السابع عشر: في التكبير

ومعناه «الله أكبر من كل شيء»[328]، أو «من أن يوصف»[329]أو أن يدرك بالحواس[330]، أو أن يقاس بالناس[331].[332]

[326]ارتعدت فرائصه واصطكت فرائص الملائكة:هي جمع فريصة،وهي:اللحمة بين جنب الدابة وكتفها.

مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 385، مادة "فرص".

[327]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 1/159، كتاب أسرار الصلاة ومهماتها، بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كل ركن وشرط من أعمال الصلاة. أسرار الصلاة، الشهيد الثاني: 117 ــ 118، أسرار أركان الصلاة وآدابها، الفصل الثاني في المقارنات، في وظائف النية و أسرارها. أسرار العبادات، الفيض الكاشاني: 113 ــ 114، الآداب المعنوية لسائر مقدمات الصلاة و أفعالها، الآداب المعنوية للنية. الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 234، الفصل العاشر النية في الصلاة. جامع السعادات، النراقي: 3 / 347، فصل النية.

[328]الكافي، الكليني: 1/ 118، كتاب التوحيد، باب معاني الأسماء واشتقاقها/ ح9.

[329]نفس المصدر.

[330]أنظر: من لايحضره الفقيه، الشيخ الصدوق:1/306، كتاب الصلاة، باب وصف الصلاة/ ح7.

[331]أنظر: الأمالي، الطوسي: 220، المجلس الثامن/ ح32.

[332]أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 1/ 385، كتاب أسرار الصلاة.