ومن حيث قلة الباقي منها بالإضافة إلى الماضي قال صلى الله عليه وآله وسلم: مثل هذه الدنيا مثل ثوب شق من أوله إلى آخرة فبقي بخيط في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع[645].
ومن حيث أدائها إلى إهلاك طالبها قال فيها عيسى عليه السلام: مثل طالب الدنيا مثل شارب البحر[646]كلما ازداد عطشاً حتى تقتله[647].[648]
ومن حيث نسبتها إلى الآخرة قال فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل[649]ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم[650]فلينظر بم يرجع»[651]إليه من الأصل.
وقال الكاظم عليه السلام: إن لقمان قال لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيه عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله وحشوها الإيمان وشراعها التوكل وقيمتها[652]العقل ودليلها العلم وسكانها الصبر[653].
وقال الباقر عليه السلام: مثل الحريص على الدنيا كمثل دودة القز كلما ازدادت على نفسها لفاً كان أبعد له من الخروج حتى تموت غماً[654].
[645]مشكاة المصابيح، محمد بن عبد الله الخطيب: 3/ 1526، الفصل الثالث.
[646]في مجموعة ورام: "مثل شارب ماء البحر".
[647]في مجموعة ورام: "يقتله".
[648]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 149، باب ذم الدنيا.
[649]في المشكاة: "إلا مثل".
[650]اليم: البحر الذي لا يدرك قعره، ولا شطاه.
كتاب العين، الفراهيدي: 8/ 431، مادة "يم".
[651]مشكاة الأنوار، الطبرسي: 268، الفصل السابع في ذم الدنيا.
[652]في التحف: "وقيمها".
[653]تحف العقول، ابن شعبة الحراني: 386، وصية الإمام الكاظم عليه السلاملهشام بن الحكم/ قطعة من الحديث.
[654]الكافي، الكليني:2/134،كتاب الإيمان والكفر،باب ذم الدنيا والزهد فيها/ح20.
ومن أحسن ما يمثل به حال الإنسان في الدنيا بحال رجل يمشي في صحراء وسيعة، فإذا بأسد عظيم ذي خلق جسيم مقبل عليه ليفترسه، فبقي هذا الضعيف المهان متحيراً مدهوشاً لا يدري ما الحيلة وليس له سلاح يدفعه به ولا ملجأ يتحصن به ، فنظر إلى بئر هناك فولج[655])فيها ((خائِفاً يَتَرَقَّبُ))[656])، فمنذ وصل إلى وسطها رأى حشيشاً نابتاً في وسطها على الحائط، فتشبث به وهو يعلم أنه لا يفيده ولكن الغريق يتشبث بالحشيش، فنظر إلى فوقه فرأى الأسد منتظراً لخروجه حتى يفترسه، فنظر إلى قعر البئر فرأى أفاعي أربعاً فاتحة فاها لالتقامه بعد السقوط، فبينما هو في هذه الأهوال الجسيمة والأحوال العظيمة لا يمكنه الصعود من الأسد والهبوط من الأفاعي والحشيش لا يحتمله إذ قد خرج من الحائط جرذان أسود وأبيض وشرعا يقترضان ذلك الحشيش آناً فآناً، فبينما هو في هذه الأحوال إذ رأى قليلاً من العسل ممزوجاً ببعض التراب القذر قد اجتمع عليه الزنابير والذباب، فشرع في مخاصمتهم والأكل معهم وقد صرف جميع باله وخاطره إلى ذلك العسل ونسي ما هو فيه من البلاء، فهذا مثل الإنسان في انهماكه بلذات الدنيا.
فالأسد هو الموت الذي لا محيص منه ولا مفر عنه ((أَيْنَماا تَكُونُواْ يُدْرِككُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ))[657]والأفاعي الأربع الأخلاط الأربعة[658]أيها
([655]) ولج يلج ولوجا ولجة: دخل.
القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 1/ 211، مادة "ولج".
([656]) سورة القصص/ 18.
([657]) سورة النساء/ 78.
([658]) رأي ديمقريطيس وشيعته: يقول في المبدع الأول: إنه ليس هو العنصر فقط، ولا العقل فقط، بل الأخلاط الأربعة، وهي: الأسطقسات، أوائل الموجودات كلها.
الملل والنحل، الشهرستاني: 171، الفصل الثاني الحكماء الأصول، الرقم 4 رأي ديمقريطيس وشيعته.
الطبائع، أي: الأخلاط الأربعة، أو الأمزجة الأربعة، من الحار والبارد والرطب واليابس، أو الأربعة المركبة من الحار اليابس والحار الرطب والبارد اليابسوالبارد الرطب.
تحب ما يشاكلها،أي: تطلب ما يوافقها فصاحب المزاج الحار يطلب البارد والرطب يطلب اليابس، وهكذا.
فاغتذ في بعض النسخ بالغين والذال المعجمتين، أي: اجعل غذاءك، وفي بعضها بالمهملتين من الاعتياد لم يغذه، يقال: غذوت الصبي اللبن فضمير لم يغذه،إما راجع إلى الطعام، أي: لم يجعل الطعام غذاء لجسده، أو إلى الجسد، وعلى التقديرين أحد المفعولين مقدر،والحاصل أنك إذا تناولت من الغذاء أكثر من قدر الحاجة يصير ثقلا على المعدة، وتعجز الطبيعة عن التصرففيه، ولا ينضج، ولا يصير جزء البدن، ويتولد منه الأمراض، ويصير سببا للضعف، وكذلك الماء، أي: ينبغي أن تشرب من الماء أيضا قدر الحاجة.
بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 59/ 331، كتاب السماء والعالم، باب 90 الرسالة الذهبية، ذكر فصول السنة.
غلب قتل الإنسان والبئر هو الدنيا، والحبل هو العمر، والجرذان الليل والنهار يقرضان العمر، والعسل المخلوط بقذر التراب لذات الدنيا الممزوجة بالكدورات، والزنابير والذباب هم أبناء الدنيا المتزاحمون عليها[659].
الباب الحادي عشر
المال
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في المال
إعلم أنه قد ورد من الشرع مدح المال وذمه، وقد تقدم من الأخبار ما يدل على مدحه، وجميع ما دل على الحث على الحج والزكاة والخمس والتصدق والهبة والعطية والإحسان والإنعام والإطعام مما لا يتم إلا بالمال فهو مدح له، وقد سماه الله تعالى خيراً في مواضع، فقال تعالى:((إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ))[660][661]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم:نعم المال الصالح للرجل الصالح[662].
وورد ذمه أيضاً فقال تعالى:((إِنَّماا أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ))[663]وقال تعالى:((لا تُلْهِكُمْ أَمْواالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُوْلئِكَ
[660]سورة البقرة/ 180.
[661]أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 158، بيان مدح المال.
[662]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 158، بيان مدح المال.
[663]سورة التغابن/ 15.
هُمُ الْخاسِرُونَ))[664]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: حب المال والشرف ينبتان النفاق كما ينبت الماء البقل[665]. ونحوه كثير[666].
والسر في ذلك أن المال ذو وجهتين: نافعة، ومضرة، ومثاله مثال الحية فيها سم وترياق[667]، ففوائدها ترياقها وغوائلها[668]سمومها. والمال إن صرف في طاعة الله ومرضاته كان من الآخرة، وإلا كان من الدنيا.
والمال فيه فوائد وغوائل، من عرفها وأخذ الفوائد واجتنب عن الغوائل نجا.
وفوائد المال الدنيوية معلومة ولهذا تهالك أهل الدنيا عليها، وأما الدينية فهي ثلاثة أنواع:
الأول:ما ينفقه على نفسه في عبادة أو الاستعانة عليها.
والثاني:ما يصرفه إلى الناس، وهو أربعة أقسام: الصدقة، والمروة، ووقاية العرض، وأجرة الاستخدام:
[664]سورة المنافقون/ 9.
[665]منية المريد، الشهيد الثاني: 156، الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم، النوع الأول آداب اشتركا فيها، القسم الأول آدابهما في أنفسهما، الأمر الثاني استعمال ما يعلمه كل منهما، الفصل الثاني في الغرور في طلب العلم و المغترين من أهل العلم.
[666]أنظر في حب المال: كتاب الزهد، الأهوازي: 58، باب 10 باب التواضع والكبر. الأمالي، الطوسي: 532، المجلس 19/ ح 1. معدن الجواهر، الكراجكي: 53، باب ذكر ما جاء في ستة. غرر الحكم، الآمدي: 368، حب المال/ ح 8315. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 7/253، الخطبة 113. أعلام الدين، الديلمي: 195، وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر.
[667]الترياق: لغة في الدرياق، وهو: دواء.
كتاب العين، الفراهيدي: 5/ 127، مادة "ترق".
[668]الغائلة: الحقد الباطن. الغوائل: الدواهي. فلان قليل الغائلة والمغالة، أي: الشر.
لسان العرب، ابن منظور: 11/512، مادة "غيل".
أما الصدقة فقد حث الشارع عليها ورغب فيها بالثواب وقال إنها تطفئ غضب الرب[669].
وأما المروة وهي صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة وهدية وإعانة وإطعام الطعام، وهذا أيضاً مما رغب الشارع فيه ووعد عليه الثواب.
وأما وقاية العرض وهو بذل المال لدفع هجو[670]الشعراء وثلب[671]السفهاء ودفع شر الأشرار، فمع تنجز فائدته في الدنيا حث الشارع عليه أيضاً، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ما وقى المرء به[672]عرضه فهو له صدقة[673].
وأما الاستخدام في الأعمال التي اضطر إليها الإنسان من المأكول والمشروب والملبس ونحوها فهو ضروري لولاه لتعذر عليه سبيل الآخرة، ولو تولاها بنفسه لضاعت أوقاته وتعذر عليه الفكر والذكر.
النوع الثالث:ما لا يصرفه الإنسان إلى إنسان معين ولكن يحصل به خير عام، كبناء المساجد والقناطر والرباطات ودار المرضى ونصب الحباب في الطرق وغير ذلك. هذا كله مضافاً إلى ما يتعلق بالحظوظ العاجلة من الخلاص من ذل السؤال وحقارة الفقر، ولكثرة الإخوان والأعوان والأصدقاء.
[669]قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "صدقة السر تطفئ غضب الرب".
الكافي، الكليني: 4/ 7، أبواب الصدقة، باب فضل صدقة السر/ ح1.
[670]هجا يهجو هجاء، ممدود: الوقيعة في الأشعار.
كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 65، مادة "هجو".
[671]ثلبه ثلبا: إذا صرح بالعيب وتنقصه.
الصحاح، الجوهري: 1/ 94، مادة "ثلب".
[672]في مجموعة ورام: "ما وقى به المرء".
[673]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 160، بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم.