بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 168

والاشتغال بمراعاة القلوب وحفظ الجاه ودفع كيد الحساد ومنع أذى الأعداء اشتغال عن الله وتعرض لمقته في العاجل والآجل. وجميع ذلك غموم عاجلة مكدرة للذة الجاه الموهومة فضلاً عما يفوت في الآخرة. هذا هو العلاج العلمي.

وأما العملي:فإسقاط الجاه عن قلوب الخلق بالأنس بالخمول والقناعة بالقبول من الخالق والاعتزال عن الناس والهجرة إلى مواضع الخمول، فإن المعتزل في بيته في البلدة التي هو بها مشهور لا يخلو عن حب المنزلة التي ترسخ له في القلوب بسبب عزلته، ومن قنع استغنى عن الناس وانقطع طمعه عنهم، وإذا استغنى عنهم لم يكن لقيام منزلته في قلوبهم عنده وزن، ويستعين على ذلك بالأخبار الواردة في ذم الجاه ومدح الخمول[725].

الفصل الثالث: في حب المدح والثناء

وسببه شعور النفس بالكمال والدلالة على أن الممدوح قد ملك قلب المادح وسخره، وملك القلوب أحب من ملك الأموال ــ كما تقدم.

ولهذين السببين يكره الذم ويتألم به القلب، والسبب الثالث أن ثناء المثني ومدح المادح سبب لاصطياد قلب كل من يسمعه، لاسيما إذا كان ذلك ممن يلتفت إلى قوله ويعتد بشأنه، وهذا يختص بثناء يقع على الملأ.

والرابع من المدح يدل على حشمة الممدوح واضطرار المادح إلى إطلاق اللسان بالثناء عليه إما طوعاً أو قهراً، والحشمة أيضاً لذيذة لما فيها من القهر والقدرة، وقد تجتمع هذه الأسباب فيعظم الالتذاذ ويندفع استشعار الكمال بأن

[725]أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 128 ــ 131، كتاب ذم الجاه والرياء، بيان علاج حب الجاه. جامع السعادات، النراقي: 2/ 364 ــ 366، فصل علاج حب الجاه. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 254 ــ 256، كتاب ذم الجاه والرياء، بيان علاج حب الجاه.


صفحه 169

يعلم الممدوح أنه غير صادق في مدحه، فإن كان يعلم أن المادح ليس يعتقد ما يقوله بطلت اللذة الثابتة ــ وهو استيلاؤه على قلبه ــ وبقيت لذة الاستيلاء بالحشمة.

وحب المدح والثناء كحب الجاه حرمة وإباحة ونفعاً وضراً، وعلاجه علاجه، وعلمه بأن الصفة الممدوح بها إن فقدت فاستهزاء وإن وجدت فالدنيوية كمال وهمي والدينية موقوفة على الخاتمة.

وعلاج كراهة الذم العلم بأن الصفة المذموم بها إن وجدت فتبصير للعيوب، وفيه الفرح والشغل بالإزالة، وإن فقدت فكفارة للذنوب وفيه الشكر لله والترحم للذام حيث أهلك نفسه، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما كسروا رباعيته: اللهم إهد قومي فإنهم لا يعلمون[726].

والإنسان يفرح ممن يذم عدوه وهو عدو نفسه، فينبغي أن يفرح إذا سمع ذمها ويشكر الذام عليها ويعتقد ذكاءه، وفطنته لما وقف على عيوبها، فيكون ذلك كالتشفي له من نفسه ويكون غنيمة عنده إذ صار بالمذمة أوضع في أعين الناس حتى لا يبتلى بفتنة الجاه، وإذا سبقت إليه حسنات لم يتعب فيها فعساه يكون جبراً لعيوبه التي هو عاجز عن إماطتها.

ولو جاهد نفسه طول عمره في هذه الخصلة الواحدة ــ وهي أن يستوي عند ذامه ومادحه ــ لكان له شغل شاغل فيه لا يتفرغ معه لغيره.

وبينه وبين السعادة عقبات كثيرة هذه إحدى تلك العقبات، ولا يقطع شيء منها إلا بالمجاهدة الشديدة في العمر الطويل[727].


صفحه 170

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 171

صفحه 172

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 173

في الغرور

وفيه فصول

الفصل الأول: في حقيقته وذمه

إعلم أن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة، والغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان، فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور[728]، قال الله تعالى:((لا[729]تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))[730]، وقال تعالى:((وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَْمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))[731].

[728]((وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ)) سورة لقمان/ 33. الغرور، بالفتح: الشيطان، وكل من غر فهو غرور، وسمي الشيطان غرورا لأنه يحمل الإنسان على محابه ووراء ذلك ما يسوؤه. قال ابن السكيت: والغرور أيضا: ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه ومجهول. والغرور بضم المعجمة: الباطل، مصدر غررت وما اغتر به من متاع الدنيا.

مجمع البحرين، الشيخ الطريحي: 3 / 301، مادة "غرر".

[729]في النص القرآني: "فلا".

[730]سورة لقمان/ 33.

[731]سورة الحديد/ 14.


صفحه 174

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملء الأرض من المغترين.

وكل ما ورد في فضل العلم وذم الجهل فهو دليل ذم الغرور، لأن الغرور[732]نوع من الجهل، والذين غرتهم الحياة الدنيا بعض الكفار والعصاة الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة قائلين: إن الدنيا نقد والآخرة نسيئة[733]والنقد خير من النسيئة، ولذات الدنيا يقين والآخرة شك واليقين خير من الشك.

وهذا عين الجهل، لأن الدنيا لو كانت ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكان الخزف الباقي خيراً من الذهب الفاني، فكيف والدنيا خزف فانٍ والآخرة ذهب باقٍ، كما قال تعالى:((ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ))[734]وقال تعالى: ((وَللآْخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى))[735]وقال تعالى: ((وَما الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ))[736].

وكون النقد خيراً من النسيئة مطلقاً ممنوع، فإن النسيئة العظيمة الكثيرة خير من النقد القليل الحقير، وفعل هذا المغرور حجة عليه، فإنه يعطي خمسة دراهم نقداً ليأخذ عشرة نسيئة، ويترك لذائذ الأطعمة بتحذير الطبيب نقداً خوفاً من ألم المرض النسيئة، ويتحمل المشاق والأسفار وقطع البحار نقداً لتوهم النفع نسيئة، وكذا التاجر في سعيه وتصديعه[737]على يقين وفي ربحه على شك، وكذا المتفقه في

[732]إحياء علوم الدين،الغزالي:3/335،كتاب ذم الغرور،بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته.

[733]النسيئة: التأخير.

لسان العرب، ابن منظور: 1/ 147، مادة "كلأ ".

[734]سورة النحل/ 96.

[735]سورة الأعلى/ 17. ونصها: "والآخرة خير وأبقى".

[736]سورة آل عمران/ 185.

[737]الرجل يصدع بالحق: يتكلم به جهارا. صدعتهم فتصدعوا، أي: فرقتهم فتفرقوا.

كتاب العين، الفراهيدي: 1/ 291 ـ 292، مادة "صدع".


صفحه 175

اجتهاده شك وفي تعبه يقين، والمريض من مرارة الدواء على يقين ومن الشفاء على شك، فكون اليقين خيراً من الشك مطلقاً ممنوع، بل إذا كان مثله فالذي له شك في الآخرة يجب عليه بحكم الحزم أن يقول: الصبر أياماً قلائل في هذا العمر القصير قليل بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة، فإن كان ما يقال في الآخرة كذباً فما فاتني إلا نعم حقيرة فانية، وإن كان صدقاً خلدت في النار أبد الآبدين وهذا لا يطاق.

هذا كله مع قطع النظر عن كون الآخرة يقيناً يحكم بها العقل السليم والفهم المستقيم، وأخبر بها الأنبياء والمرسلون والأولياء والصالحون.

وأما الغرور بالله فمثل قول بعضهم: فإن كان لله معاد فنحن أحق به من غيرنا وأوفر حظاً وأسعد حالاً، كما أخبر الله تعالى من قول الرجلين المتحاورين. إذ قال: ((وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لأََجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً))[738].

وذلك لأنهم تارة ينظرون إلى نعم الله عليهم في الدنيا فيقيسون عليها نعم الآخرة، وينظرون إلى تأخير الله العذاب عنهم، فيقيسون عليه عذاب الآخرة، كما قال تعالى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ))[739].

وينظرون تارة إلى المؤمنين وهم فقراء شعث غبر، فيقولون: ((أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا))[740]ويقولون: ((لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُوناإِلَيْهِ))[741]، ويقولون:

[738]سورة الكهف/ 36.

[739]سورة المجادلة/ 8.

[740]سورة الأنعام/ 53.

[741]سورة الأحقاف/ 11.