این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الغرور
وفيه فصول
الفصل الأول: في حقيقته وذمه
إعلم أن مفتاح السعادة التيقظ والفطنة، ومنبع الشقاوة الغرور والغفلة، والغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان، فمن اعتقد أنه على خير إما في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور[728]، قال الله تعالى:((لا[729]تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))[730]، وقال تعالى:((وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَْمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ))[731].
[728]((وَلا يَغُرَّنَّكُم بِاللّهِ الْغَرُورُ)) سورة لقمان/ 33. الغرور، بالفتح: الشيطان، وكل من غر فهو غرور، وسمي الشيطان غرورا لأنه يحمل الإنسان على محابه ووراء ذلك ما يسوؤه. قال ابن السكيت: والغرور أيضا: ما رأيت له ظاهرا تحبه وفيه باطن مكروه ومجهول. والغرور بضم المعجمة: الباطل، مصدر غررت وما اغتر به من متاع الدنيا.
مجمع البحرين، الشيخ الطريحي: 3 / 301، مادة "غرر".
[729]في النص القرآني: "فلا".
[730]سورة لقمان/ 33.
[731]سورة الحديد/ 14.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حبذا نوم الأكياس وفطرهم كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم، ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين أفضل من ملء الأرض من المغترين.
وكل ما ورد في فضل العلم وذم الجهل فهو دليل ذم الغرور، لأن الغرور[732]نوع من الجهل، والذين غرتهم الحياة الدنيا بعض الكفار والعصاة الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة قائلين: إن الدنيا نقد والآخرة نسيئة[733]والنقد خير من النسيئة، ولذات الدنيا يقين والآخرة شك واليقين خير من الشك.
وهذا عين الجهل، لأن الدنيا لو كانت ذهباً فانياً والآخرة خزفاً باقياً لكان الخزف الباقي خيراً من الذهب الفاني، فكيف والدنيا خزف فانٍ والآخرة ذهب باقٍ، كما قال تعالى:((ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ))[734]وقال تعالى: ((وَللآْخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى))[735]وقال تعالى: ((وَما الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ))[736].
وكون النقد خيراً من النسيئة مطلقاً ممنوع، فإن النسيئة العظيمة الكثيرة خير من النقد القليل الحقير، وفعل هذا المغرور حجة عليه، فإنه يعطي خمسة دراهم نقداً ليأخذ عشرة نسيئة، ويترك لذائذ الأطعمة بتحذير الطبيب نقداً خوفاً من ألم المرض النسيئة، ويتحمل المشاق والأسفار وقطع البحار نقداً لتوهم النفع نسيئة، وكذا التاجر في سعيه وتصديعه[737]على يقين وفي ربحه على شك، وكذا المتفقه في
[732]إحياء علوم الدين،الغزالي:3/335،كتاب ذم الغرور،بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته.
[733]النسيئة: التأخير.
لسان العرب، ابن منظور: 1/ 147، مادة "كلأ ".
[734]سورة النحل/ 96.
[735]سورة الأعلى/ 17. ونصها: "والآخرة خير وأبقى".
[736]سورة آل عمران/ 185.
[737]الرجل يصدع بالحق: يتكلم به جهارا. صدعتهم فتصدعوا، أي: فرقتهم فتفرقوا.
كتاب العين، الفراهيدي: 1/ 291 ـ 292، مادة "صدع".
اجتهاده شك وفي تعبه يقين، والمريض من مرارة الدواء على يقين ومن الشفاء على شك، فكون اليقين خيراً من الشك مطلقاً ممنوع، بل إذا كان مثله فالذي له شك في الآخرة يجب عليه بحكم الحزم أن يقول: الصبر أياماً قلائل في هذا العمر القصير قليل بالإضافة إلى ما يقال من أمر الآخرة، فإن كان ما يقال في الآخرة كذباً فما فاتني إلا نعم حقيرة فانية، وإن كان صدقاً خلدت في النار أبد الآبدين وهذا لا يطاق.
هذا كله مع قطع النظر عن كون الآخرة يقيناً يحكم بها العقل السليم والفهم المستقيم، وأخبر بها الأنبياء والمرسلون والأولياء والصالحون.
وأما الغرور بالله فمثل قول بعضهم: فإن كان لله معاد فنحن أحق به من غيرنا وأوفر حظاً وأسعد حالاً، كما أخبر الله تعالى من قول الرجلين المتحاورين. إذ قال: ((وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لأََجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً))[738].
وذلك لأنهم تارة ينظرون إلى نعم الله عليهم في الدنيا فيقيسون عليها نعم الآخرة، وينظرون إلى تأخير الله العذاب عنهم، فيقيسون عليه عذاب الآخرة، كما قال تعالى: ((وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ))[739].
وينظرون تارة إلى المؤمنين وهم فقراء شعث غبر، فيقولون: ((أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا))[740]ويقولون: ((لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُوناإِلَيْهِ))[741]، ويقولون:
[738]سورة الكهف/ 36.
[739]سورة المجادلة/ 8.
[740]سورة الأنعام/ 53.
[741]سورة الأحقاف/ 11.
قد أحسن الله إلينا بنعيم الدنيا، وكل محسن محب، والمحب يحسن في المستقبل أيضاً، ولم يعلموا أن نعيم الدنيا ولذاتها والاستدراج فيها يدل على الهوان، وأن هذه اللذات سموم قاتلات، وأن الله يحمي المؤمن من الدنيا كما يحمي الطبيب المريض عن الطعام.
ولو كانت الدنيا لها قدر عند الله لما سقى الكافر منها شربة ماء، وقال تعالى: ((أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ(55)نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ))[742]وقال تعالى:((سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ))[743]وقال تعالى:((فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ))[744].
ومنشأ هذا الغرور الجهل بالله وصفاته، فإن من عرفه لا يأمن مكره ولا يغير به بأمثال هذه الخيالات، وينظر إلى فرعون وقارون وإلى ملوك الأرض كيف أحسن الله إليهم ثم دمرهم تدميراً ((وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ))[745]، ((وَلا يَأْمَنُ[746]مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ))[747].[748]
[742]سورة المؤمنون/ 55 ــ 56.
[743]سورة الأعراف/ 182.
[744]سورة الأنعام/ 44.
[745]سورة آل عمران/ 54.
[746]في النص القرآني: "فلا يأمن".
[747]سورة الأعراف/ 99.
[748]أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 291 ــ 302، كتاب ذم الغرور، بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته. جامع السعادات، النراقي: 3/ 6 ــ 12. إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 335 ــ 339، كتاب ذم الغرور، بيان ذم الغرور وحقيقته وأمثلته.
الفصل الثاني: في بيان فرق المغترين وجهات غرورهم
وهم كثيرون وجهات غرورهم مختلفة:
فمنهم: عصاة المؤمنين، يقولون إن الله كريم رحيم ونرجو رحمته وكرمه، وإن ((رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ))[749]، وأين معاصي العباد من رحمته، والرجاء مقام محمود. ووجه غرورهم ما يأتي إن شاء الله تعالى في الرجاء من أن هذا تمنٍ على الله وغرة به، فإن «من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً[750]، هرب منه»[751]، وكما أن الذي يرجو ولداً ولم يتزوج أو تزوج ولم يجامع أو جامع ولم ينزل فهو أحمق، فكذا من رجا رحمة ربه ولم يعمل الصالحات ولم يترك السيئات، وقد قال تعالى: ((إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ))[752]وقال تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ))[753]يعني أن الرجاء إنما يليق بمثلهم[754].
ومنهم:العلوية والهاشمية، حيث اغتروا بالنسب وصلاح الآباء وعلو رتبتهم، وغفلوا عن كونهم مخالفين سيرة آبائهم في التقوى والورع، وأنهم ليسوا بأكرم على الله من آبائهم، وآباؤهم مع غاية التقوى والورع كانوا خائفين
[749]سورة الأعراف/ 156.
[750]في الكافي: "من شيء" بدل "شيئا".
[751]الكافي، الكليني:2/68، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ ذيل الحديث5.
[752]سورة الأعراف/ 56.
[753]سورة البقرة/ 218.
[754]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/215، بيان آفة العجب. وفيه النص: "يعني الرجاء الذي يليق بهم".