الفصل الثاني: في بيان فرق المغترين وجهات غرورهم
وهم كثيرون وجهات غرورهم مختلفة:
فمنهم: عصاة المؤمنين، يقولون إن الله كريم رحيم ونرجو رحمته وكرمه، وإن ((رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ))[749]، وأين معاصي العباد من رحمته، والرجاء مقام محمود. ووجه غرورهم ما يأتي إن شاء الله تعالى في الرجاء من أن هذا تمنٍ على الله وغرة به، فإن «من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً[750]، هرب منه»[751]، وكما أن الذي يرجو ولداً ولم يتزوج أو تزوج ولم يجامع أو جامع ولم ينزل فهو أحمق، فكذا من رجا رحمة ربه ولم يعمل الصالحات ولم يترك السيئات، وقد قال تعالى: ((إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ))[752]وقال تعالى:((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ))[753]يعني أن الرجاء إنما يليق بمثلهم[754].
ومنهم:العلوية والهاشمية، حيث اغتروا بالنسب وصلاح الآباء وعلو رتبتهم، وغفلوا عن كونهم مخالفين سيرة آبائهم في التقوى والورع، وأنهم ليسوا بأكرم على الله من آبائهم، وآباؤهم مع غاية التقوى والورع كانوا خائفين
[749]سورة الأعراف/ 156.
[750]في الكافي: "من شيء" بدل "شيئا".
[751]الكافي، الكليني:2/68، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ ذيل الحديث5.
[752]سورة الأعراف/ 56.
[753]سورة البقرة/ 218.
[754]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/215، بيان آفة العجب. وفيه النص: "يعني الرجاء الذي يليق بهم".
باكين[755]، وهم مع غاية المعاصي والمساوئ قد أصبحوا راجين آمنين[756]. وربما سول الشيطان لهم أن إنساناً إذا أحب أحداً أحب أولاده تبعاً، وأن الله يحب آباءكم فهو يحبكم تبعاً، فلا يحتاج في بذل الجهد في الطاعات وترك المعاصي. وغفلوا عن أنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، وأن الله إنما يحب المطيع ويبغض العاصي، وقد قال نوح: رب إن ابني من أهلي فقال تعالى: ((إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ))[757]وإن إبراهيم استغفر لأبيه فلم ينفعه ذلك[758].
[755]في تفسير عليّ بن إبراهيم: حدّثني أبي، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام: إن صفيّة بنت عبد المطّلب مات ابن لها. فأقبلت. فقال لها عمر: غطّي قرطك! فإنّ قرابتك من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا تنفعك شيئا. فقالت له: هل رأيت لي قرطا يا بن اللّخناء!؟ ثمّ دخلت على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم). فأخبرته بذلك و بكت. فخرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فنادى: الصّلاة جامعة! فاجتمع النّاس. فقال: ما بال أقوام يزعمون أنّ قرابتي لا تنفع!؟ لو قد قربت المقام المحمود، لشفعت في أحوجكم.
و الحديث طويل. أخذت منه موضع الحاجة.
تفسير القمي، القمي: 1/ 188، تفسير سورة المائدة، أقسام الصوم.
وفي مجمع البيان: قال (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ حسب ونسب منقطع، إلا حسبي ونسبي.
مجمع البيان، الطبرسي: 7/211، تفسير سورة المؤمنون.
ونشير ههنا بإيجاز أننا أوضحنا منابع المؤلف السيد عبد الله شبر (قدس سره) في كتابه هذا عن الفيض الكاشاني من مصنفاته، وهذا الأخير قد اعتمد بالأخذ عن الغزالي وقد حدث مزج وخلط بين عقائد المدرستين حين النسخ دون الإشارة إلى ذلك، فأوجزنا الإشارة لعدم الإطالة.
[756]إن هذا الكلام مخالف لعقائد الخاصة تماما حيث فيه الإشارة إلى أن آباء العلويين، أي: الأئمة عليهم السلام يصدر منهم الذنب، وهذا مناف للعصمة، لذا ننوه أن الكلام مأخوذ عن العامة فتأمل، والظن بعيد أن يكون رأي السيد المؤلف (قدس سره) أعلاه على ما هو عليه من الورع كما هو مذكور.
[757]سورة هود / 46.
[758]قال القمي: قال إبراهيم لأبيه إن لم تعبد الأصنام استغفرت لك فلما لم يدع الأصنام تبرأ منه إبراهيم. تفسير القمي، القمي: 1/ 306 ، مسجد ضرار.
ومن ظن أنه ينجو بتقوى أبيه فهو كمن ظن أنه يشبع بأكل أبيه ويروى بشرب أبيه ويصير عالماً بعلم أبيه، ويصل إلى الكعبة ويراها بمسعى أبيه.
فصل: في غرور أهل العلم
وهم فرق: فمنهم من أحكم العلوم العقلية والشرعية وتعمق فيها وغفل عن تفقد الجوارح وحفظها عن المعاصي وإلزامها الطاعات، وغفل عن أن العلم إذا لم يعمل به كان وزراً ووبالاً ولم يزدد من الله إلا بعداً، و«أن العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل»[759]، وأن «أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه[760]»[761].
ومنهم:من أحكم العلم والعمل وواظب على الطاعات وترك المعاصي الظاهرة من الجوارح وأهمل تفقد الرئيس ليمحو عنه المعاصي المهلكة والسموم القاتلة التي تفوت حياة الأبد، كالحسد والرياء والحقد والكبر والعجب وحب الجاه ونحوها، وربما لم يعرف حقائق هذه الأمور وأقسامها فضلاً عن علاجها ومعالجتها، وقد أكب على الفضول وترك الفرض، وهو لم يتصف بحقيقة الإنسانية، ويظن أنه قد بلغ من العلم مبلغاً لا يعذب الله مثله، بل يقبل في الخلق شفاعته وأنه لا يطالبه بذنوبه لكرامته عند الله.
[759]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 4 / 66 ــ 67، الجملة الثانية في الأحاديث المتعلقة بالعلم وأهله وحامليه/26.
[760]في المنية: "لم ينفعه علمه".
[761]منية المريد، الشهيد الثاني: 135، الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم، القسم الأول آدابهما في أنفسهما، الأمر الأول.
ومنهم:من علموا هذه الأخلاق الباطنة وعلموا آفاتها وكيفياتها إلا أنهم للعجب بأنفسهم يظنون أنهم منفكون عن الأخلاق المذمومة، وأنهم أرفع عند الله من أن يبتليهم بها وإنما يبتلي بها العوام، ثم إذا ظهر على أحدهم مخائل الكبر والرئاسة وطلب العلو والشرف قال: ما هذا كبر وإنما هذا طلب عز الدين وإظهار شرف العلم ونصرة دين الله وإرغام أنف المخالفين. ومهما انطلق اللسان بالحسد في أقرانه وفي من رد عليه شيئاً من كلامه لم يظن بنفسه أن ذلك حسداً، ولكن قال: إنما هذا غضب للحق ورد على المبطل في عداوته وظلمه.
ثم لو طعن عليه غيره من أهل العلم لم يكن غضبه مثل غضبه الآن بل ربما يفرح به، وإذا خطر له خاطر الرياء قال: هيهات إنما غرضي من إظهار العلم والعمل اقتداء الخلق بي ليهتدوا إلى دين الله ويتخلصوا من عقاب الله.
ولا يتأمل المغرور أنه ليس يفرح باقتداء الناس بغيره كما يفرح باقتدائهم به، فلو كان غرضه صلاح الخلق لفرح بصلاحهم على يد من كان.
وربما يتذكر هذا المعنى فلا يخليه الشيطان أيضاً، بل يقول: إنما ذاك لأنهم إذا اهتدوا بي كان الأجر والثواب لي، وإنما فرحي بثواب الله لا بقول الخلق.
هذا ما يظنه بنفسه والله مطلع على سريرته، وقد ((زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً))[762]وضل سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنه يحسن صنعاً[763].
ومنهم:قوم اقتصروا على علم الفتاوى والحكومات والخصومات وتفاصيل المعاملات الدنيوية الجارية بين الخلق لمصالح المعائش، وصرفوا أعمارهم في معرفة دقائق السلم والإجارة والظهار واللعان والجراحات الدعاوي والبينات والحيض
[762]سورة فاطر/ 8.
[763]إشارة إلى قوله تعالى: ((الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) سورة الكهف/ 104.
والاستحاضة، وضيعوا الأعمال المظاهرة والباطنة، ولم يتفقدوا الجوارح ولم يحرصوا اللسان عن الغيبة ولا البطن عن الحرام ولا الرجل عن المشي إلى السلاطين، ولم يعالجوا أمراض قلوبهم بالكبر والرياء والحقد والعجب والحسد وسائر المهلكات مما هو من الواجبات العينية، واشتغل بفرض الكفاية والاشتغال بالكفائي[764]قبل الفراغ من العيني[765]معصية.
ومثالهم مثال من به علة البواسير[766]والسرسام[767]، وهو مشرف على الهلاك محتاج إلى تعلم الدواء واستعماله، فاشتغل بتعليم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلاً ونهاراً مع علمه بأنه رجل لا يحيض ولا يستحيض، ولكن يقول: ربما وقعت الاستحاضة أو الحيض لامرأة تسألني. وذلك غاية الغرور. وكذلك المتفقه المسكين الذي تسلط عليه حب الدنيا واتباع الشهوات والحسد والكبر والرياء وسائر المهلكات الباطنة، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي فيلقى الله وهو عليه غضبان[768].
[764]الواجب الكفائي: الواجب الذي لو قام به البعض بحد الكفاية (أي: بالعدد الكافي) سقط عن الآخرين، كغسل الميت.
معجم ألفاظ الفقه الجعفري، د. أحمد فتح الله: 439.
[765]الواجب العيني: ما يكلف به أعيان المكلفين ولا يسقط بفعل بعضهم له عن الباقين، أي: هو الواجب على كل فرد مكلف، كالصلاة.
معجم ألفاظ الفقه الجعفري، د. أحمد فتح الله: 438.
[766]الباسور واحد البواسير: وهي كالدماميل في المقعدة.
مجمع البحرين، الشيخ الطريحي: 1/ 198، مادة "بسر".
[767]السرسام: حمى دائمة مع صداع وثقل في الرأس والعين وحمرة فيها شديدة وكراهية الضوء. مفاتيح العلوم، الخوارزمي: 1/ 96، الفصل الثاني في الأمراض والأدواء.
[768]قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من تزين للناس بما يحب الله و بارز الله في السر بما يكره الله لقي الله و هو عليه غضبان و له ماقت.
قرب الإسناد، الحميري: 45.
ومنهم:من اشتغل بعلم الكلام والمجادلة في الأهواء والرد على المخالفين وتتبع مناقضاتهم، واعتقدوا أنه لا يكون للعبد عمل إلا بالإيمان ولا يصلح الإيمان إلا بأن يتعلم جدلهم وما يسمونه أدلة عقائدهم، وظنوا أنه لا أحد أعرف بالله وصفاته منهم، وأنه لا إيمان لمن لا يعتقد مذهبهم ولم يتعلم علمهم، ودعا كل فرقة منهم إلى نفسه، وهم فرق كثيرة يكفّر بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فيهم الأشاعرة[769]والمعتزلة[770]والخوارج[771]والنواصب[772]، وهؤلاء مغرورون.
أما الفرقة الضالة منهم فلغفلتها عن ضلالها وظنها بنفسها النجاة، وأما الفرقة المحقة فإنما اغترارها من حيث إنها ظنت أن الجدل أهم الأمور وأفضل القربات، وقد ورد في الحديث النبوي: «ما ضل قوم قط بعد هدى إلا أوتوا الجدل وحرموا العمل»[773].
[769]الأشاعرة: أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، من أحفاد أبو موسى الأشعري. موسوعة الفرق والجماعات، د. عبد المنعم الحفني: 82/ الرقم59 الأشعرية.
[770]المعتزلة: مدرسة فكرية عقلية أعطت للعقل القسط الأوفر، ومؤسس المذهب هو واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري.
وللمعتزلة ألقابا: العدلية، الموحدة، أهل الحق، القدرية.
الملل والنحل، جعفر السبحاني: 92 ــ 93/ الرقم 11 المعتزلة.
[771]الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)في صفين بعد قبول التحكيم، ويقال للخوارج: الحرورية أيضا، و النواصب، و الشراة.
موسوعة الفرق والجماعات، د.عبد المنعم الحفني: 348 ـ 349/ الرقم 374 الخوارج.
[772]النواصب: جمع ناصبي، وهو الغالي في بغض علي (عليه السلام).
موسوعة الفرق والجماعات، د.عبد المنعم الحفني: 349/ الرقم 374 الخوارج.
[773]أنظر: منية المريد، الشهيد الثاني: 171، الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم، النوع الأول آداب اشتركا فيها، الثاني أن لا يسأل أحدا تعنتا وتعجيزا. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/ 321، كتاب ذم الغرور.
ومنهم:من اشتغل بالوعظ، وأعلاهم رتبة من يتكلم في أخلاق النفس وصفات القلب من الخوف والرجاء والصبر والشكر والتوكل والزهد واليقين والإخلاص والصدق ونظائرها، ويظن بنفسه أنه إذا تكلم بهذه الصفات ودعا الخلق إليها صار موصوفاً بها، وهو منفك عنها عند الله إلا عن قدر يسير لا ينفك عنه عوام المسلمين، والأكياس يمتحنون أنفسهم في هذه الصفات ويطالبونها بالحقيقة، ولا يقنعون منها بالتزويق.
ومنهم:من قنع بحفظ كلام الزهاد وأحاديثهم، فهو حافظ للكلمات جاهل بالمعاني غير متصف بما يقول.
ومنهم:من استغرق أوقاته في علم الحديث[774]وسماعه وطلب الأسانيد
[774]الخبرُ والحديثُ: بمعنى: هو كلامٌ يكون لِنسبَته خارجٌ في أحدِ الأزمنةِ تُطابِقُه أولا.
وهو أعمُّ من أن يكون قولَ الرسولِ والإمام والصحابي والتابعي وغيرِهم. وفي معناه فعلُهم وتقريرُهم.
وقد يُخَصُّ الثاني بما جاء عن المعصومِ،والأوّلُ بما جاء عن غيرِه،أو يُجعل الثاني أعمَّ مطلقاً.
والأثرُ: أعمُّ مطلقاَ.
والمتنُ: لفظُ الحديثِ الذي يَتَقَوَّمُ بِه المعنى.
والسندُ: طريقُ المتنِ. وقيل: الإخبارُ عن طَرِيقه.
والإسنادُ: رَفعُ الحديثِ إلى قائِله. والأولى ردُّ المعنى الثاني إليه أيضاً.
ثمّ الخبرُ، مُنحصِرٌ في الصدقِ والكذبِ في الأصحِّ؛ لأنّه إن طابَقَ الواقعُ المحكيَّ فالأوّلُ، وإلاّ فالثاني، سواءٌ وافَقَ اعتقاَدَ المُخبِرِ أم لا، وسواء قصد الخبرَ أم لا.
ثمّ قد يُعلم صِدقُه قطعاً ضرورةً، كالمتواتر، وما عُلِمَ وجودُ مخبَرِه كذلك. أو كَسْباً، كخبر الله تعالى، والرسولِ، والإمامِ، والأُمةِ، والمتواتِر معنى، والمحتفِّ بالقرائن، وما عُلِمَ وجودُ مُخبَرِه بالنظر. وقد يُعلم كذبُه كذلك بالمقايسةِ. وقد يحتمل الأمرين، كأكثرِ الأخبارِ.
وينقسم مطلقاً إلى متواترٍ، وهو ما بَلَغَتْ رُواتُه في الكثرةِ مَبْلَغاً أحالَت العادةُ تواطُؤهم على الَكذبِ، واستمرَّ ذلك في الطبقاتِ حيث تتعدّد، فيكون أوَّلُه كآخِره، ووسطُه كَطَرَفَيْه. ولا يَنْحَصِرُ ذلك في عددٍ خاصٍّ.
وشرطُ العِلم به انتفاؤه اضطراراً عن السامعِ، وأن لا تَسْبِقَ شُبهةٌ إلى السامعِ أو تقليدٌ ينافي موجبَ خَبَرِه، واستنادُ المُخْبِرين إلى إحساسٍ.
وهو مُتَحَقِّقٌ في أصولِ الشرائعِ كثيراً، وقليلٌ في الأحاديث الخاصّةِ وإن تَواتر مدلولُها، حتى قيل: مَن سُئل عن إبرازِ مثال لذلك أعياه طلبُه. وحديثُ (إنّما الأعمالُ بالنيّاتِ) ليس منه وإن نقله عددُ التواترِ وأكثرُ؛ لأنّ ذلك طَرَأ في وَسَطِ إسناده. وأكثرُ ما ادّعي تواترهُ من هذا القبيلِ.
نعم، حديثُ: «مَن كذب عليّ متعمّداً فَلْيَتَبَوّأ مقعدَه من النارِ» نَقَلَه مِن الصَحابَة الجمُّ الغفيرُ. قيل: أربعون. وقيل: نَيِّفٌ وستّون، ولم يَزَل العددُ في ازديادٍ.
وآحاد، وهو ما لم يَنْتَه إلى المتواترِ منه.
ثمّ هو مستفيضٌ إن زادتْ رُواتُه عن ثلاثةٍ،أو اثنين. ويقال له:المشهور أيضاً.وقد يُغايَر بينهما. وغريبٌ إن انفردَ به واحدٌ.
وغيرُهما، وهو ما عدا ذلك. فمنه العزيزُ، ومنه المقبولُ، والمردودُ، والمُشْتَبَهُ.
والأخبارُ مطلقاً غيرُ منحصرةٍ. ومَن بالغ في تتبُّعها وحَصَرَها في عددٍ فَبِحَسَبِ ما وَصَلَ إليه. واعلم أنّ متنَ الحديث نفسه لا مَدْخلَ له في الاعتبار إلاّ نادراً، بل يَكتَسِبُ صفةً من القوّةِ والضعفِ وغيرِهما بِحَسَبِ أوصافِ الرواةِ مِنَ العَدالَةِ وعَدَمِها، أو الإسنادِ، مِن الاتّصالِ والانقطاعِ والإرسالِ وغيرِها.
وتحريرُ البحث عن ذلك ينجرُّ إلى بيان أنواعه من الصحَّةِ وأضدادها، وإلى الجَرْحِ والتعديلِ. والنظرُ إلى كيفيّةِ أخذهِ، وطُرقَ تحمُّلِه والبحثِ عن أسماء الرواة وأنسابِهم، ونحوِ ذلك.
الرعاية لحال البداية في علم الدراية، الشهيد الثاني:28ـ29، المقدمة في بيان أصوله واصطلاحاته.
الغريبة العالية، وغفل عن التدبر في دقائق معانيه.
ومنهم:من لم يغفل عن ذلك إلا أنه غفل عما هو أهم منه كما تقدم.