وقال أمير المؤمنين عليه السلام لقائل بحضرته: أستغفر الله: ثكلتك أمك، أتدري ما الاستغفار؟ إن الاستغفار درجة العليين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ: أولها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً، والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة، والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها تؤدي حقها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد، والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: أستغفر الله[941].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: التوبة حبل الله ومدد عنايته، ولابد للعبد من مداومة التوبة على كل حال، فتوبة الأنبياء من اضطراب السر، وتوبة الأولياء من تلوين الخطرات، وتوبة الأصفياء من التنفيس، وتوبة الخلص من الاشتغال بغير الله، وتوبة العالم من الذنوب.
ولكل واحد منهم معرفة وعلم في أصل توبته ومنتهى أمره، وذلك يطول شرحه هنا.
فأما توبة العالم فأن يغسل باطنه من الذنوب بماء الحسرة والاعتراف بجنايته دائماً، واعتقاد الندم على ما مضى والخوف على ما بقي من عمره، ولا يستصغر ذنوبه فيحمله ذلك إلى الكسل، ويديم البكاء والأسف على ما فاته من طاعة الله، ويحبس نفسه عن الشهوات، ويستغيث إلى الله ليحفظه على وفاء توبته، ويعصمه من العود إلى ما سلف، ويروض نفسه في ميدان الجهاد والعباد، ويقضي الفوائت
[941]أنظر: نهج البلاغة، الشريف الرضي: 549 ــ 550، فصل نذكر فيه شيئا من غريب كلامه المحتاج إلى التفسير/ الحكمة رقم417.
من الفرائض، ويرد المظالم، ويعتزل قرناء السوء، ويسهر ليله ويظمأ نهاره، ويتفكر دائماً في عاقبته، ويستعين بالله سائلاً منه الاستقامة في سرائه وضرائه، ويثبت عند المحن والبلاء كي لا يسقط عن درجة التوابين، فإن ذلك طهارة من ذنوبه وزيادة في عمله ورفعة في درجاته قال الله عزّوجل: ((وَلَيَعْلَمَنَّ[942]اللّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ))[943].[944]
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الثاني
الصبر
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الصبر
وفيه فصول
الفصل الأول: في فضله
قال الله تعالى: ((إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ))[945]وقال تعالى: ((أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا))[946]وقال تعالى: ((وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ))[947]وقال تعالى: ((وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا))[948]وقال تعالى: ((وَجَعَلْناهُمْ[949]أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا))[950].
[945]سورة الزمر/ 10.
[946]سورة القصص/ 54.
[947]سورة النحل/ 96.
[948]سورة الأعراف/ 137.
[949]في النص القرآني: "وجعلنا منهم".
[950]سورة السجدة/ 24.
وما من طاعة إلا وأجرها بحساب إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر[951]قال تعالى: «الصوم لي وأنا أجزي به»[952].
ووعد الصابرين بأنه معهم فقال: ((وَاصْبِر إِنَّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ))[953].
وعلق النصرة على الصبر فقال: ((بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ))[954].
وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال: ((أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ))[955]).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الصبر نصف الإيمان[956]).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر، ومن أعطي حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار[957]).
وسئل صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان فقال: الصبر والسماحة[958].
[951]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 106، كتاب الصبر والشكر، الشطر الأول في الصبر.
[952]من لا يحضره الفقيه،الشيخ الصدوق:2/75، كتاب الصوم، باب فضل الصيام/ صدر الحديث 4.
[953]سورة الأنفال/ 46. ونصها : ((وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)).
[954]سورة آل عمران/ 125.
[955]سورة البقرة/ 157.
[956]مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 41، الباب الثاني في الصبر وما يلحق به. وفيه جميع الشرح أعلاه من بداية الباب الثاني مع نصوص الآيات الكريمة.
[957]مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 41، الباب الثاني في الصبر وما يلحق به. مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 2/ 425، كتاب الطهارة، أبواب الدفن وما يناسبه، باب 64 استحباب الصبر على البلاء/ صدر الحديث 23.
[958]شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 1/322، باب الخطب والأوامر، الخطبة رقم 23، فصل في مدح الصبر وانتظار الفرج.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الصبر كنز من كنوز الجنة[959].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس[960].
وقيل: أوحى الله إلى داود: تخلق بأخلاقي، أنا الصبور[961].
وقال الصادق عليه السلام: إذا دخل المؤمن قبره[962]كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره، والبر مظل عليه[963]، ويتنحى الصبر ناحية، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبر: دونكم صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه[964].
وعنه عليه السلام[965]: من ابتلى من المؤمنين ببلاء فصبر عليه كان له مثل أجر ألف شهيد[966].
وعنه عليه السلام[967]قال: إن الله تعالى أنعم[968]على قوم فلم يشكروا فصارت عليهم وبالاً، وابتلى قوماً بالمصائب فصبروا فصارت عليهم نعمة[969].
[959]مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 2/425، كتاب الطهارة، أبواب الدفن وما يناسبه، باب 64 استحباب الصبر على البلاء.
[960]مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 42، الباب الثاني في الصبر وما يلحق به.
[961]أنظر:إرشاد القلوب،الديلمي:1/127، الحكم والمواعظ، الباب الثامن والثلاثون في الصبر.
[962]في الكافي: "في قبره".
[963]في الكافي: "مطل عليه".
[964]الكافي، الكليني: 2/ 90، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر/ ح 8.
[965]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[966]مشكاة الأنوار، الطبرسي: 26، الباب الأول في الإيمان والإسلام وما يتعلق بهما, الفصل الخامس في الصبر.
[967]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[968]في مجموعة ورام: "إن الله أنعم".
[969]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 187.