القسم الثالث:ما لا يدخل تحت الاختيار أوله وآخره، كالمصائب مثل موت الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وسائر أنواع البلاء، وهذا صبر مستنده اليقين، قال صلى الله عليه وآله وسلم: أسألك من اليقين ما يهون[1000]به عليّ مصائب الدنيا[1001]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى[1002]: «إذا وجهت على عبد[1003]من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله أو ولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً»[1004].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: انتظار الفرج بالصبر عبادة[1005].
وقال عليه السلام[1006]: ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمره الله تعالى «إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيراً منها» إلا فعل الله ذلك[1007].[1008]
[1000]في المحجة: "ما تهون".
[1001]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 126، كتاب الصبر والشكر، بيان مظان الحاجة إلى الصبر.
[1002]في الدعوات: "يقول الله عزّوجل".
[1003]في الدعوات: "إذا وجهت إلى عبد".
[1004]الدعوات، الراوندي: 172، الباب الثالث في ذكر المرض ومنافعه العاجلة والآجلة وما يجري مجراها، فصل في صلاة المريض وصلاحه وأدبه ودعائه عند المرض/ ح35.
[1005]الدعوات، الراوندي: 41، الباب الأول، الفصل الثاني في كيفية الدعاء وآدابه وأوقات استجاباته/ ح77.
[1006]أي: "النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
[1007]في المحجة: "ذلك به".
[1008]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 126، كتاب الصبر والشكر، بيان مظان الحاجة إلى الصبر، القسم الثالث.
وفي الكافي عن علي عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الصبر ثلاثة: صبر عند المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجه ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى العرش، ومن صبر على المعصية كتب الله له تسعمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين تخوم الأرض إلى منتهى العرش[1009].
وقال الباقر عليه السلام: الصبر صبران: صبر على البلاء حسن جميل، و[1010]أفضل الصبرين الورع عن محارم الله[1011].
واعلم أن الإنسان إنما يخرج من مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى، وهذه الأمور داخلة تحت الاختيار، فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بالقضاء، لا أنه لا يكره المصيبة في نفسه لأن ذلك غير مختار فلا يخرجه ذلك عن حد الصابرين ولا توجع القلب وفيضان العين، ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاضت عيناه، فقيل له: أما نهيتنا عن هذا؟ قال: إن هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحماء[1012]وقال صلى الله عليه وآله وسلم: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب[1013].
[1009]الكافي، الكليني: 2/ 91، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر/ ح15.
[1010]ليس في مجموعة ورام: حرف "الواو".
[1011]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 16.
[1012]أنظر: مسكن الفؤاد، الشهيد الثاني: 105 ــ 106، الباب الرابع في البكاء.
[1013]أنظر: تحف العقول، الحراني: 37، ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم في قصار هذه المعاني.
بل ذلك أيضاً لا يخرج عن مقام الرضا، فإن المقدم على الفصد[1014]والحجامة راض به وهو متألم بسببه لا محالة. نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب[1015]، فعن الباقر عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى: bمن مرض فلم يشك إلى عواد أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه، فإن عافيته عافيته ولا ذنب له، وإن قبضته قبضته إلى رحمتيv[1016]. وفُسّر التبديل بأن يبدله لحماً ودماً وبشرة لم يذنب فيها، وفسرت الشكاية بأن يقول: ابتليت بما لم يبتل به أحد وأصابني ما لم يصب أحداً وقال عليه السلام[1017]: وليس الشكوى أن يقول: سهرت البارحة وحممت اليوم ونحو هذا[1018].
وسئل الباقر عليه السلام عن الصبر الجميل فقال: ذاك صبر ليس فيه شكوى، وأما الشكاية إلى الله تعالى فلا بأس بها كما قال يعقوب: ((إِنَّما أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ))[1019].[1020]
[1014]الفصد قطع العروق. وافتصد فلان: قطع عرقه ففصد.
كتاب العين، الفراهيدي: 7/ 102، مادة "فصد".
[1015]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 142 ـ 148، المقالة الرابعة في مكارم الأخلاق وتحصيلها، الباب الأول في فضيلة الصبر. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 54 ــ 66، كتاب الصبر والشكر.
[1016]أنظر: الكافي، الكليني: 3/ 115،كتاب الجنائز، باب آخر منه/ ح1.
[1017]الإمام الصادق عليه السلام.
[1018]مشكاة الأنوار،الطبرسي:279، الباب السابع في ذكر المصائب والشدائد والبلايا وما وعد الله من الثواب وذكر الموت،الفصل الأول فيما جاء في الصبر على المصائب/ذيل الحديث.
[1019]سورة يوسف/ 86.
[1020]أنظر: التمحيص، الإسكافي: 63، باب 8 مدح الصبر وترك الشكوى واليقين والرضا بالبلوى/ ح22.
الفصل الثالث: في دواء الصبر وعلاجه
إعلم أن «الذي أنزل الداء أنزل الدواء»[1021]ووعد الشفاء، فالصبر وإن كان شاقاً ولكن يمكن تحصيله بمعجون العلم والعمل، بتقوية باعث الدين، وتضعيف باعث الهوى بالمجاهدة والرياضة وذكر قلة قدر الشدة ودقتها، وإضرار الجزع وقبحه، وأن يكثر فكره في ما ورد في فضل الصبر وحسن عواقبه في الدنيا والآخرة[1022]وأن يعلم أن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات[1023]، وأنه بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة، إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة الدنيا وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر.
ومن أسلم خسيساً[1024]في نفيس[1025]فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخيس[1026]في
[1021]الدعوات، الراوندي: 180 ــ 181، فصل في التداوي بتربة مولانا وسيدنا أبي عبد الله الحسينعليه السلام/ ح1.
[1022]نذكر ههنا بعض المصادر التي وضعت للصبر أبوابا، منها:
الكافي، الكليني: 2/ 87، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر. وسائل الشيعة، الحر العاملي: 3/ 255، باب 76 استحباب الصبر. ارشاد القلوب، الديلمي: 1/ 126، الباب الثامن والثلاثون في الصبر.
[1023]أنظر: غرر الحكم ودرر الكلم، الآمدي: 282، الباب الثاني النفس وما حولها، الفصل السابع في الصبر والحلم والاستقامة، الصبر على البلية.
[1024]الخسيس: الدنيء. وخس الشيء يخس ويخس خسة و خساسة، فهو خسيس: رذل.
لسان العرب، ابن منظور: 6/ 64، مادة "خسس".
[1025]النفيس والمنفس المال له قدر وخطر، ثم عم فقال: كل شيء له خطر وقدر فهو نفيس ومنفس.
لسان العرب، ابن منظور: 6/ 238، مادة "نفس".
[1026]الإنسان يخيس في المخيس حتى يبلغ منه شدة الغم والأذى ويذل ويهان.
كتاب العين، الفراهيدي: 4/288، مادة "خيس".
الحال، وأن يعوّد هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجاً حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجرئ عليها ويقوي منته في مصارعتها، فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال، ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد.
ثم إن كان ذلك بتعب قوي فتصبّر وإن كان بيسير فصبر، وإن كان بجهد ففرض وإن كان بتلذذ فشكر، وهو بالغيبة عن حظوظ النفس والشهود مع الله تعالى وعدم التميز بين الألم واللذة[1027].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الثالث
الرضا بالقضاء
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة