في الرجاء والخوف
وهما جناحان يطير بهما المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، وتحقيقهما في فصول:
الفصل الأول
الرجاء هو ارتياح القلب لانتظار ما هو محبوب عنده، ولكن ذلك المحبوب متوقع لابد وأن يكون له سبب، فإن كان انتظاره لأجل حصول أكثر أسبابه فاسم الرجاء عليه صادق، وإن كان ذلك انتظاراً مع انخرام[1134]أسبابه واضطرابها فاسم الغرور والحمق عليه أصدق من اسم الرجاء، وإن لم تكن الأسباب معلومة الوجود ولا معلومة الانتفاء فاسم التمني أصدق على انتظاره من اسم الرجاء.
وأيما كان فلا يطلق اسم الرجاء والخوف إلا على ما يتردد فيه، أما ما يقطع به فلا، فلا يقال: أرجو طلوع الشمس وقت الطلوع وأخاف غروبها وقت الغروب، ويقال: أرجو نزول المطر وأخاف انقطاعه.
[1134]ما خرم منه شيئا، أي: ما نقص وما قطع.
مختار الصحاح، الرازي: 98، مادة "خرم".
وقد علم أرباب القلوب والعرفان بالبيان والوجدان والعيان أن «الدنيا مزرعة الآخرة»[1135]والقلب كالأرض والإيمان كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها ومجرى الأنهار وسياق الماء إليها، والقلب المحب للدنيا كالأرض السبخة[1136]التي لا ينمو فيها البذر، ويوم القيامة يوم الحصاد، ولا يحصد أحد إلا ما زرع، ولا ينمى زرع إلا من بذر الإيمان، وقلما ينفع الإيمان مع خبث القلب بالأخلاق الرديئة، كما لا ينمى زرع في أرض سبخة فليقس رجاء العبد المغفرة برجاء صاحب الزرع.
فكل من طلب أرضاً طيبة وألقى فيها بذراً جيداً وأمده بما يحتاج إليه من سوق الماء في أوقاته ونقى الأرض عن الشوك والحشيش وسائر الموانع وجلس منتظراً من فضل الله دفع الصواعق المفسدة إلى أن يتم الزرع ويبلغ غايته سمي انتظاره رجاءً، وإن بث البذر في أرض صلبة سبخة مرتفعة لا ينصب إليها ماء ولم يشتغل بتعهد البذر أصلاً ثم انتظر الحصاد منه سمي انتظاره حمقاً وغروراً.
فينبغي للعبد أن يبث بذر الإيمان في القلب ويسقيه بماء الطاعات ويطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة وينتظر من فضل الله تثبيته على ذلك إلى الموت وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، فإذا فعل ذلك كان انتظاره رجاءً محموداً، وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحوناً
[1135]عوالي اللئالي، ابن أبي جمهور الأحسائي: 1/ 267، الفصل العاشر في أحاديث تتضمن شيئا من الآداب الدينية/ ح66.
[1136]السباخ: جمع سبخة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 2/333، باب السين مع الباء، مادة "سبخ".
برذائل الأخلاق وانتظر المغفرة فانتظاره حمق وغرور لا رجاء، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: الدنيا مزرعة الآخرة[1137]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله تعالى[1138]. وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هاجَرُواْ وَجاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ))[1139]أي أولئك ينبغي لهم أن يرجوا لا سواهم.
وقال تعالى: ((فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا))[1140].
وعن الصادق عليه السلام أنه قيل له: إن قوماً من مواليك يلمون بالمعاصي ويقولون: نرجو. فقال: كذبوا ليسوا لنا بموال، أولئك قوم ترجّحت بهم الأماني: من رجا شيئاً عمل له، ومن خاف شيئاً هرب منه[1141].
وقال عليه السلام[1142]: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو[1143].
[1137]عوالي اللئالي،ابن أبي جمهور الأحسائي: 1/ 267، المقدمة، الفصل العاشر في أحاديث تتضمن شيئا من الآداب الدينية/ ح66.
[1138]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 215، بيان آفة العجب. ونص الحديث: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله».
[1139]سورة البقرة/ 218.
[1140]سورة الأعراف/ 169.
[1141]أنظر:الكافي،الكليني:2/68 ــ 69،كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ح6.
[1142]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[1143]الكافي، الكليني: 2/ 71، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ ح11.
وقال حكيم[1144]: من خاف شيئاً هرب منه، ومن خاف الله هرب إليه[1145].
وقال آخر[1146]: من أعظم الاغترار التمادي في الذنوب على رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله عزّ وجل بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل[1147].
واعلم أن الرجاء يورث طول المجاهدة بالأعمال والمواظبة على الطاعات في جميع الأحوال، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله والتنعم بمناجاته والتلطف في التملق له، فإن هذه الأحوال تظهر على من يرجو مثله من العبيد فكيف لا تظهر في حق الله. ومن ذلك يعلم أن جلّ رجائنا بل كله حمق وغرور، فالمستعان بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله[1148].
[1144]أبو القاسم الحكيم: إسحاق القاضي أبو قاسم الحكيم، الفقيه الحنفي، توفي 197، سبع وتسعون ومائة، له مختصر في الحيض.
هدية العارفين، إسماعيل باشا البغدادي: 1/ 196.
[1145]إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 136، كتاب الخوف والرجاء، بيان حقيقة الخوف. وفيه: قال أبوالقاسم الحكيم.
[1146]هو: يحيى بن معاذ بن جعفر الرازي، أبو زكريا: واعظ، زاهد، لم يكن له نظير في وقته. من أهل الري. أقام ببلخ، ومات في نيسابور. توفي سنة 258 هـ .
الأعلام، الزركلي: 8/ 172.
[1147]إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 125، كتاب الخوف والرجاء، بيان حقيقة الرجاء.
[1148]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 158 ــ 160، الباب الثالث في الرجاء والخوف. المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 249 ــ 252، كتاب الخوف والرجاء، بيان حقيقة الرجاء. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 124 ــ 126، كتاب الخوف والرجاء، بيان حقيقة الرجاء.
الفصل الثاني: في فضل الرجاء وترجيحه على الخوف
إعلم أن العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف، لأن أقرب العباد إلى الله أحبهم إليه، والحب يغلب بالرجاء. واعتبر ذلك بملكين يخدم أحدهما خوفاً من عقابه والآخر رجاءً لثوابه، ولذلك ورد في الرجاء وحسن الظن رغائب، ولاسيما وقت الموت، قال الله تعالى: ((قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))[1149]وقال تعالى: ((إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ))[1150].
وعيّر الله قوماً فقال: ((وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ))[1151]وقال:((وظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا))[1152].
وفي أخبار يعقوب[1153]:إن الله تعالى أوحى إليه:أتدري لِمَ فرقت بينك وبين يوسف[1154]؟
([1149]) سورة الزمر/ 53.
([1150]) سورة الرعد/ 6.
([1151]) سورة فصلت/ 23.
([1152]) سورة الفتح/ 12.
([1153]) يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام، وكان يعرف بإسرائيل، وهي كلمة عبرية، معناها: عبد الله، ويعقوب: اسم أعجمي. كان توأما مع أخيه عيص، أو عيصو، وأمه رفقة بنت بتوئيل أخي إبراهيم عليه السلام. وبعد أن أقام في مصر 17 سنة لبى نداء ربه وتوفي بها عن عمر ناهز 147 سنة، ودفن عند جبل المعظم، ثم حمل رفاته إلى فلسطين ودفن بها في بيت المقدس عند مرقد أبيه إسحاق عليه السلام وذلك حسب وصيته.
أعلام القرآن، عبد الحسين الشبستري: 1055 ــ 1056، نبي الله يعقوب عليه السلام.
([1154]) هو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام وأمه راحيل، أحد أنبياء بني إسرائيل، وكان راسخ الإيمان صديقا تقيا عفيفا صابرا، آية فيالجمال، ومن أحسن الناس وجها، ولد في فدان آرام في العراق، ونشأ في الشام تحت رعاية وتربية أبيه يعقوب عليه السلام. توفي بمصر عن عمر قارب 120 سنة، وقيل: 110 سنوات، وأوصى بأن يحمل جثمانه إلى فلسطين، ويدفن عند آبائه.
أعلام القرآن، عبد الحسين الشبستري: 1071 ــ 1076، نبي الله يوسف عليهالسلام.
لقولك: ((إِنِّي أَخافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ))[1155]لِمَ خفت الذئب ولم ترجني؟ ولِمَ نظرت إلى غفلة إخوته ولم تنظر إلى حفظي له؟[1156].
وقال عليه السلام[1157]: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله[1158].
وقال عليه السلام[1159]: يقول الله أنا عند ظن عبدي بي، فليظنّ بي ما شاء[1160].
ودخل عليه السلام[1161]على رجل وهو في النزع[1162]فقال: كيف تجدك؟ قال: أجدني أخاف ذنوبي وأرجو رحمة ربي. فقال عليه السلام: ما اجتمعا في قلب عبد في هذا الموطن إلا أعطاه الله ما رجا وآمنه مما يخاف[1163].
[1155]سورة يوسف/ 13. ونصها: ((وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ)).
[1156]فيض القدير، المناوي: 2/ 332.
[1157]النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
[1158]روضة الواعظين،الفتال النيسابوري:2/503،مجلس في ذكر الرجاء وسعة رحمة الله تعالى.
[1159]أي: "النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
[1160]أنظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 10/ 155، خطبة 186 له عليه السلام، ذكر الخوف وما ورد فيه من الآثار.
[1161]أي: "النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم".
[1162]قولهم فلان في النزع:أي في قلع الحياة. يقال:فلان ينزع نزعا إذا كان في السياق عند الموت. لسان العرب، ابن منظور: 8/349، فصل النون، مادة "نزع".
[1163]أنظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 10/ 155، خطبة 186 له عليه السلام، ذكر الخوف وما ورد فيه من الآثار.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكر فإن لقنه الله حجته، قال: يا رب رجوتك وخفت الناس. قال: فيقول الله تعالى: قد غفرت لك[1164].
وقال الباقر عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قال الله تعالى: bلا يتكل العاملون على أعمالهم التي يعملونها لثوابي، فإنهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم في عبادتي كانوا مقصرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي في ما يطلبون عندي من كرامتي والنعيم في جناتي ورفيع الدرجات العلى في جواري، ولكن برحمتي فليتقوا وفضلي فليرجوا وإلى حسن الظن بي فليطمئنوا، فإن رحمتي عند ذلك تدركهم، فإني أنا الله الرحمان الرحيم وبذلك تسميتv[1165].
وعنه عليه السلام[1166]قال: وجدنا في كتاب علي عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو على منبره: والذي لا إله إلا هو ما أعطي مؤمن خير الدنيا والآخرة إلا بحسن ظنه بالله ورجائه له وحسن خلقه والكف عن اغتياب المؤمنين، والذي لا إله إلا هو لا يعذب الله مؤمناً بعد التوبة والاستغفار إلا بسوء ظنه بالله وتقصيره من رجائه وسوء خلقه واغتيابه للمؤمنين، والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن، لأن الله كريم بيده الخيرات يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخالف ظنه ورجاه، فأحسنوا بالله الظن وارغبوا إليه[1167].
وقال الصادق عليه السلام: حسن الظن بالله أن لا ترجوا إلا الله ولا تخاف إلا ذنبك[1168].
[1164]أنظر: مسند أحمد، ابن حنبل: 3/ 27، مسند أبي سعيد الخدري.
[1165]أنظر: أعلام الدين، الديلمي: 42 ــ 43، فصل في السؤال والبيان.
[1166]أي: "الإمام الباقر عليه السلام".
[1167]أنظر: الكافي، الكليني:2/71 ــ72، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الظن بالله عزّوجل/ ح2.
[1168]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 185.
الفصل الثالث: في دواء الرجاء وسبب حصوله
إعلم أن هذا الدواء يحتاج إليه أحد رجلين: إما رجل غلب عليه اليأس فيترك العبادة، وإما رجل غلب عليه الخوف فأسرف في المواظبة على العبادة حتى أضر بنفسه وأهله، وهما مائلان عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط فيحتاجان إلى علاج ودواء يردهما إلى الاعتدال.
وأما العاصي المغرور المتمني على الله مع الإعراض عن العبادة واقتحام المعاصي فالرجاء في حقه سم قاتل، بل دواؤه الخوف والأسباب المهيجة له، ودواء الرجاء أمران: الاعتبار، والآيات والأخبار:
أما الاعتبار:فالتدبر في كثرة نعم الله على العبد في الدنيا. وسوابق فضل الله من دون شفيع، وما وعد من جزيل ثوابه من دون استحقاق، وما أنعم بما يمد في الدارين من دون سؤال وسعة الرحمة وسبقها الغضب، وأنه أرحم من الأم الشفيقة بأولادها الصغار، ورحمته في الآخرة أوسع منها في الدنيا كما ورد[1169]، فهو لا محالة يرحمهم في الآخرة كما رحمهم في الدنيا.
والثاني: استقراء الآيات والأخبار الواردة في فضل الرجاء[1170]، سيما في ما ورد في أدعية أئمة الهدى، ففي ما ورد عنهم عليهم السلام: إلهي أمرتنا أن نعفو عمن
[1169]إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والبهائم والهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها يعطف الوحش على ولدها فأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة.
نجم الحق، الحلي: 374، إيضاح خرافة الجبر.
[1170]أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 7/ 256 ــ 257، كتاب الخوف والرجاء، بيان دواء الرجاء والسبب الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 127 ــ 128، كتاب الخوف والرجاء، بيان دواء الرجاء والسبيل الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب.