بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 29

وسئل السجاد عليه السلام عن الكلام والسكوت أيهما أفضل؟ فقال عليه السلام: لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت. قيل: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟ قال: لأن الله عزّوجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما بعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجبت ولاية الله بالسكوت، ولا توقيت النار بالسكوت، ولا تجنب سخط الله بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام، ما كنت لأعدل القمر بالشمس إنك تصف فضل السكوت بالكلام ولست تصف فضل الكلام بالسكوت[87].

الفصل الثاني: في آفات اللسان، وهي أمور

الأول:وهو أهونها وأحسنها ــ التكلم في المباح، وهو تضييع للعمر الشريف ويحاسب عليه ويكون قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير[88].

روي أن لقمان دخل على داود عليه السلام وهو يسرد الدرع ولم يكن رآها قبل ذلك، فجعل يتعجب مما يرى، فأراد أن يسأله عن ذلك فمنعته الحكمة فأمسك نفسه ولم يسأله، فلما فرغ قام داود ولبسها فقال: نعم الدرع للحرب. فقال لقمان: الصمت حكم وقليل فاعله ــ أي حصل العلم به من غير سؤال. وقيل: كان يتردد إليه سنة وهو يريد أن يعلم ذلك ولم يسأل[89].

[87]أنظر: الاحتجاج، الطبرسي: 2/ 315، احتجاجه عليه السلام في أشياء شتى من علوم الدين وذكر طرف من مواعظه البليغة.

[88]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 102، كتاب آفات اللسان، الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعنيك.

[89]أنظر: قصص الأنبياء، الجزائري: 329، باب فيه قصص لقمان وحكمه عليه السلام.


صفحه 30

وعلاج هذا أن يعلم أن الموت بين يديه، وأنه مسؤول عن كل كلمة، وأن أنفاسه رأس ماله، وأن لسانه شبكة يقدر على أن يقتنص بها الحور العين، فإهماله وتضييعه خسران. والعلاج من حيث العمل أن يلزم نفسه السكوت عن بعض ما يعنيه ليتعود اللسان ترك ما لا يعنيه.

الثاني:الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي، كحكايات أحوال النساء ومجالس الخمر ومقامات الفساق وتنعم الأغنياء وتجبر الملوك وأحوالهم.

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك[90]بها جلساءه يهوى[91]بها أبد من الثريا[92].[93]

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أعظم الناس خطايا يوم القيامة هو[94]أكثرهم خوضاً في الباطل[95].

وإليه الإشارة بقوله تعالى:((وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخاائِضِينَ))[96]. ويدخل في هذا الخوض حكايات البدع والمذاهب الفاسدة، فإن الحديث في ذلك كله خوض في الباطل[97].

[90]في مجموعة ورام: "ليضحك".

[91]في مجموعة ورام: "فيهوي".

[92]الثريا: من الكواكب، سميت لغزارة نوئها. وقيل: سميت بذلك لكثرة كواكبها مع صغر مرآتها. لسان العرب، ابن منظور: 14/ 112، مادة "ثرا".

[93]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 111، باب ما جاء في المراء والمزاح والسخرية.

[94]ليس في المحجة كلمة: "هو".

[95]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:5/207، كتاب آفات اللسان، الآفة الثالثة الخوض في الباطل.

[96]سورة التوبة/ 65.

[97]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني:5/207، كتاب آفات اللسان، الآفة الثالثة الخوض في الباطل.


صفحه 31

الثالث:المراء[98]والمجادلة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تمار أخاك ولا تمازحه ولا تعده موعداً فتخلفه[99].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من ترك المراء وهو محق بني له[100]في أعلى الجنة، ومن ترك المراء وهو مبطل بني له بيت في مربض الجنة[101].[102]

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا يستكمل عبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء والجدال[103]وإن كان محقاً[104].

وقال لقمان لابنه: يا بني لا تجادل العلماء فيمقتوك[105].

واعلم أن المراء عبارة عن الطعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير وإظهار مزيد الكياسة[106]. والجدال عبارة عن مراء يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها.

[98]المراء: الجدال. والتماري والمماراة: المجادلة على مذهب الشك والريبة.

لسان العرب، ابن منظور: 15/ 278، مادة "مرا".

[99]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 108، باب ما جاء في المراء والمزاح والسخرية.

[100]في منية المريد: "بني له بيت".

[101]في منية المريد: "في ربض الجنة".

[102]منية المريد،الشهيد الثاني:170،الباب الأول في آداب المعلم والمتعلم،النوع الأول آداب اشتركا فيها،القسم الثاني آدابهما في درسهما واشتغالهما،الثاني أن لا يسأل تعنتا وتعجيزا.

[103]في المحجة: "والجدل".

[104]المحجة البيضاء،الفيض الكاشاني:5/208،كتاب آفات اللسان،الآفة الرابعة المراء والجدال.

[105]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 109، باب ما جاء في المراء والمزاح والسخرية.

[106]الكيس: خلاف الحمق، والجماع، والطب، والجود، والعقل، والغلبة بالكياسة، وقد كاسه يكيسه.

القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 2/ 248، مادة "الكيس".


صفحه 32

الرابع:الخصومة، وهي لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو حق مقصود، وذلك تارة يكون ابتداءً وتارة يكون اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً على كلام سبق.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن أبغض الرجال إلى الله الألد[107]الخصم[108].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع[109].

الخامس:الفحش والسب وبذاءة اللسان، مصدره الخبث[110]واللؤم.

قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: إياكم والفحش، فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش[111].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم:ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفحاش[112]ولا البذي[113].

[107]رجل ألد بين اللدد، شديد الخصومة لغيرة.

مجمع البحرين،الطريحي : 4/ 116، مادة "لدد".

[108]مسند ابن راهويه، ابن راهويه: 3/ 653، بدء مسند عائشة. وقد أورده بهذا المضمون الفيض الكاشاني في كتابه: المحجة البيضاء: 5/ 211، كتاب آفات اللسان، الآفة الخامسة: الخصومة.

[109]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 109، باب ما جاء في المراء والمزاح والسخرية.

[110]الخبث: ضد الطيب. وقد خبث الشيء خباثة، وخبث الرجل خبثا، فهو خبيث، أي: خب ردئ.

الصحاح، الجوهري: 1/ 281، فصل الخاء، مادة "خبث".

[111]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 215، كتاب آفات اللسان، الآفة السابعة الفحش والسب وبذاءة اللسان.

[112]في الجامع الصغير: "ولا الفاحش".

[113]الجامع الصغير، السيوطي: 2/ 453/ ح7584.


صفحه 33

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها[114].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: يا عائشة لو كان الفحش رجلاً لكان رجل سوء[115].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله لا يحب الفاحش المتفحش الصياح[116]في الأسواق[117].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر[118].

السادس:اللعن لإنسان أو حيوان أو جماد. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: المؤمن ليس بلعان[119].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضبه[120]، ومن كان يستحق اللعن لإبداعه في الدين جاز لعنه بل وجب. قال تعالى:((أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ))[121]. وقال تعالى:((أُولئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ))[122].

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لعن الله الكاذب[123]ولو كان مازحاً[124].

[114]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 110، باب ما جاء في المراء والمزاح والسخرية.

[115]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 216، كتاب آفات اللسان، الآفة السابعة الفحش والسب وبذاءة اللسان.

[116]في الأدب المفرد: "ولا الصياح".

[117]الأدب المفرد، البخاري: 74، فضل من يعول يتيما له/ ح310.

[118]مسند أحمد، أحمد بن حنبل: 1/ 385.

[119]إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 111، كتاب آفات اللسان، الآفة الثامنة: اللعن.

[120]مسند أحمد، أحمد بن حنبل: 5/ 15. وفي ذيل الحديث: "ولا بالنار".

[121]سورة البقرة/ 161.

[122]سورة البقرة/ 159.

[123]في كشف الخفاء: "الكذاب".

[124]كشف الخفاء، العجلوني: 2/ 143، حرف اللام/ ح2050.


صفحه 34

وكان أمير المؤمنينعليه السلاميقنت في بعض نوافله بلعن صنمي قريش[125]).[126]

السابع:الغناء والشعر. قال الله تعالى:((فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ))[127]). قال الصادقعليه السلام: هو الغناء[128]).

وقالعليه السلام[129])في قوله تعالى:((لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ))[130])قال: الغناء[131]).

وقال عليه السلام[132]): الغناء عشر[133])النفاق[134]).

وقال الباقر عليه السلام: الغناء مما وعد الله عزّوجل عليه النار،وتلا هذه الآية:((وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي[135]لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ))[136].[137]

[125]أنظر: بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 30/ 394، كتاب الفتن والمحن، باب 20/ ذيل حديث 167. مستدرك الوسائل، المحدث النوري: 4/ 405، كتاب الصلاة، أبواب القنوت، باب 6 استحباب الدعاء في القنوت بالمأثور/ ح8.

[126]أنظر دعاء صنمي قريش: مصباح الكفعمي، الكفعمي: 552 ــ 553، الفصل الرابع والأربعون فيما يتعلق فيما يعمل في شعبان.

[127]سورة الحج/ 30.

[128]أنظر: الكافي، الكليني: 6/ 431، كتاب الأشربة والأطعمة، باب الغناء/ ح1.

[129]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[130]سورة الفرقان/ 72.

[131]أنظر: دعائم الإسلام، المغربي: 2/ 208، كتاب النكاح، فصل 4 ذكر الدخول بالنساء ومعاشرتهن/ ح18.

[132]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".

[133]قي ثواب الأعمال: "عش".

[134]ثواب الأعمال، الشيخ الصدوق: 244، عقاب الخيانة والسرقة وشرب الخمر والزنا.

[135]في النص القرآني: "من يشتري".

[136]سورة لقمان/ 6.

[137]الكافي، الكليني: 6/ 431، كتاب الأشربة، باب الغناء/ ح4.


صفحه 35

وأما الشعر فيطلق على معنيين:

أحدهما:الكلام الموزون المقفى، سواء كان حقاً أو باطلاً، وعلى حقه يحمل حديث:bإن من الشعر لحكمة[138]v[139])وما ورد في مدح الشعر، فإن المراد به ما كان حقاً من الموزون المقفى الذي ليس فيه تمويه[140])ولا كذب.

والثاني:الكلام المشتمل على التخيلات الكاذبة والتمويهات المزخرفة التي لا أصل ولا حقيقة لها، سواء كان لها وزن وقافية أم لا، وعليه يحمل ما ورد في ذمه، وهو المراد من نسبة قريش القرآن إلى الشعر[141])، وقولهم للنبيصلى الله عليه وآله وسلم: إنه شاعر[142]). وقال تعالى:((وَماا عَلَّمْنااهُ الشِّعْرَ وَماا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ))[143])، فإن القرآن ليس بموزون[144]).

وقال الباقر عليه السلام في قوله تعالى:((وَالشُّعَراء يَتَّبِعُهُمُالْغااوُونَ))[145]هل رأيت شاعراً يتبعه أحد، إنما هم قوم تفقهوا لغير الله فضلوا وأضلوا[146].

[138]في الفقيه: "إن من الشعر لحكمة وإن من البيان لسحرا".

[139]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 4/379، باب النوادر، ومن ألفاظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الموجزة التي لم يسبق إليها/ح43.

[140]التمويه: اسم لكل حيلة لا تأثير لها. ولا يقال تمويه إلا وقد عرف معناه والمقصد منه. ولهذا قيل التمويه ما لا يثبت، وقيل التمويه أن ترى شيئا مجوزا بغيره كما يفعل مموه الحديد فيجوزه بالذهب. الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري: 144/ الرقم 555 الفرق بين التمويه والسحر.

[141]إشارة إلى قوله تعالى:((وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ)) سورة الحاقة/ 41.

[142]أنظر: متشابه القرآن، ابن شهر آشوب: 2/ 23.

[143]سورة يس/ 69.

[144]الخرائج والجرائح، الراوندي: 3/ 1003، باب في أن إعجاز القران المعاني التي اشتمل عليها من الفصاحة.

[145]سورة الشعراء/ 224.

[146]معاني الأخبار، الشيخ الصدوق: 385، باب نوادر المعاني/ ح19. ونص الحديث: "في قول الله عزوجل ((الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ)) سورة الشعراء/ 224. قال: هل رأيت شاعرا يتبعه أحد، إنما هم قوم تفقهوا لغير الدين فضلوا و أضلوا".


صفحه 36

الثامن:المزاح، وأصله مذموم منهي عنه إلا القدر اليسير في غير معصية الله.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا تمار أخاك ولا تمازحه[147]. والمراد النهي عن الإفراط منه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: bإني لأمزح ولا أقول إلا حقاًv[148].

وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أتت عجوز إليه فقال لها: لا تدخل الجنة عجوز. فبكت فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنك لست يومئذ بعجوز، قال الله تعالى:((إِنّا أَنشَأْناهُنَّ إِنشااء (35) فَجَعَلْنااهُنَّ أَبْكارًا (36) عُرُبًا أَتْراابًا))[149].[150]

وروي أنه جاءت إليه صلى الله عليه وآله وسلم امرأة يقال لها أم أيمن[151]فقالت: إن زوجي يدعوك. فقال: ومن هذا هو الذي بعينه بياض؟ فقالت: لا والله ما بعينه بياض. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بلى إن بعينه بياضاً. قالت: لا والله. فقال: ما من أحد إلا بعينه بياض[152].

[147]مجموعة ورام، وارم ابن أبي فراس: 1/ 111، باب ما جاء في المراء والمزاح والسخرية.

[148]كشف الغمة، الأربلي: 1/ 9، ذكر أسمائه صلى الله عليه وآله وسلم.

[149]سورة الواقعة/ 35 ــ 37.

[150]أنظر:مجموعة ورام،وارم ابن أبي فراس:1/112،باب ما جاء في المراء والمزاح والسخرية.

[151]أم ايمن: حاضنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، واسمها بركة الحبشية ورثها النبي من أبيه. كانت وصيفة لعبد المطلب، وقيل كانت لآمنة أم رسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت تحضنه حتى كبر، فأعتقها حين تزوج خديجة، وتزوجها عبيدة بن زيد بن الحارث الحبشي فولدت له أيمن وكنيت به.

الدرجات الرفيعة، ابن معصوم: 439.

[152]أنظر: المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 234، كتاب آفات اللسان، الآفة العاشرة: المزاح.