والخائفون من القسم الثاني منهم من يغلب عليه خوف الموت قبل التوبة، أو خوف نقض التوبة، أو خوف ضعف القوة عن الوفاء بتمام حقوق الله، أو خوف زوال رقة القلب وتبديلها بالقساوة، أو خوف الميل عن الاستقامة، أو خوف استيلاء العادة في اتباع الشهوات المألوفة، أو خوف أن يكله الله إلى حسناته التي اتكل عليها وتعزز بها في عباد الله، أو خوف البطر بكثرة نعم الله عليه، أو خوف الاشتغال عن الله بغير الله، أو خوف الاستدراج بتواتر النعم، أو خوف انكشاف غوائل[1250]طاعاته حتى يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب،أو خوف تبعات الناس عنده في الغيبة والخيانة والغش وإضمار السوء، أو خوف ما لا يدري أن يحدث في بقية عمره، أو خوف تعجيل العقوبة في الدنيا والافتضاح قبل الموت، أو خوف الاغترار بزخارف[1251]الدنيا، أو خوف خاتمة السوء، أو خوف اطلاع الله على سريرته في حال غفلته، أو خوف السابقة التي سبقت له في الأزل.
وهذه كلها مخاوف العارفين، ولكل منها خصوص فائدة، وهو سلوك سبيل الحذر عما يفضي إلى المخوف فمن يخاف استيلاء العادة عليه فليواظب على الفطام عن العادة، والذي يخاف من اطلاع الله على سريرته يشتغل بتطهير قلبه... وهكذا.
وأما الخائفون من المكروه لذاته فمنهم من يغلب عليهم سكرات الموت[1252]
[1250]الغوائل: الدواهي. وأتى غولا غائلة: أمرا داهيا منكرا. والغائلة الحقد الباطن والشر كالمغالة.
القاموس المحيط، الفيروز آبادي: 4/27، مادة "غول".
[1251]الزخرف: الزينة، وبيت مزخرف. وتزخرف الرجل: تزين.
كتاب العين، الفراهيدي: 4/ 338، مادة "زخرف".
[1252]إشارة إلى قوله تعالى:((وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)) سورة ق/19.
وشدته أو سؤال منكر ونكير[1253]أو عذاب القبر أو هول المطلع[1254]أو هيبة الموقف بين يدي الله تعالى أو الحياء من كشف الستر أو السؤال عن النقير[1255]والقطمير[1256]أو الخوف من الصراط وحدته وكيفية العبور عليه أو الخوف من النار وأغلالها[1257]وأهوالها أو الخوف من الحرمان عن الجنة أو النعيم في الملك المقيم أو من نقصان الدرجات أو الخوف من الحجاب عن الله، وهو أعلاها رتبة، وهو خوف العارفين من الأنبياء والعلماء والصالحين[1258].
[1253]عن الإمام الصادق عليه السلام قال: «يَجِيءُ الْمَلَكَانِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ إِلَى الْمَيِّتِ حِينَ يُدْفَنُ أَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ وَأَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ يَخُطَّانِ الأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا وَيَطَئَانِ فِي شُعُورِهِمَا فَيَسْأَلانِ الْمَيِّتَ مَنْ رَبُّكَ ... الحديث».
الكافي، الكليني: 3/236 ــ 237، كتاب الجنائز، باب المسألة في القبر ومن يسأل/ ح7.
[1254]عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا تتمنوا الموت فإن هول المطلع شديد وإن من سعادة المرء أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة إلى دار الخلود».
الدعوات، الراوندي: 122، فصل في فنون شتى من حالات العافية/ ح297.
[1255]النقير: النكتة في ظهر النواة.
تاج العروس، الزبيدي: 3/580.
[1256]القطمير: وهي القشرة الدقيقة التي على النواة، بين النواة والتمر.
لسان العرب، ابن منظور: 5/108، مادة "قطمر".
[1257]الأصفاد: الأغلال.
غريب الحديث، الحربي: 2/707، باب صفد.
[1258]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 168 ــ 170، الباب الثالث في الرجاء والخوف، الفصل الخامس في الخائفين. جامع السعادات، النراقي: 1 / 254 ــ 257، فصل بم يتحقق الخوف. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 138 ـ 140، كتاب الخوف والرجاء، بيان أقسام الخوف بالإضافة إلى ما يخاف منه.
الفصل السابع
قد عرفت توارد الأخبار في فضيلة الخوف والرجاء، وربما يعتري الناظر الشك في كون أيهما أفضل؟
فاعلم أن ذلك يضاهي قول القائل bالخبز أفضل أم الماءv[1259].
وجوابه: إن الخبز أفضل للجائع والماء أفضل للعطشان، وإن اجتمعا نظر إلى الأغلب: فإن كان الجوع أغلب فالخبز أفضل، وإن كان العطش أغلب فالماء أفضل، وإن استويا فهما متساويان.
وكذا إن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر الله والاغترار به فالخوف أفضل، وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة الله فالرجاء أفضل.
وأما بالنسبة إلى المؤمن المتقي الذي ترك ظاهر الإثم وباطنه وخفيه وجليه[1260]فالأصلح به أن يعتدل خوفه ورجاؤه، كما ورد في الأخبار، ففي الكافي عن الصادق عليه السلام وقد قيل له: ما كان في وصية لقمان؟ فقال: كان فيها الأعاجيب وكان أعجب ما كان فيها أن قال لابنه: خف الله خيفة لو جئته ببر الثقلين لعذبك، وارج الله رجاءً لو جئته بذنوب الثقلين لرحمك. ثم قال عليه السلام[1261]: كان أبي يقول: إنه ليس من عبد مؤمن إلا وفي قلبه نوران نور خيفة ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا[1262].
[1259]أنظر: بحار الأنوار، مجلسي: 84 / 10، كتاب الصلاة، باب 47: ما ينبغي أن يقرأ كل يوم وليلة / بيان الحديث 16.
[1260]أمر جلي: واضح. أجل لنا هذا الأمر، أي: أوضحه.
كتاب العين، الفراهيدي: 6/180، مادة "جلو".
[1261]الإمام الصادق عليه السلام.
[1262]أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 67، كتاب الإيمان والكفر، باب الخوف والرجاء/ ح1.
ويرشد إلى ذلك أيضاً قوله تعالى في وصف من أثنى عليهم: ((وَيَدْعُونَنا رَهَبًا وَرَغَبًا))[1263]وقوله تعالى: ((يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا))[1264].
وغلبة الرجاء في غالب الناس مستندها الاغترار وقلة المعرفة، والأصلح لهم قبل الإشراف على الموت غلبة الخوف، وعند الموت غلبة الرجاء وحسن الظن كما ورد في الأخبار[1265]، والسر في ذلك أن الخوف جار مجرى السوط الباعث على العمل، وقد انقضى وقت العمل، وهو لا يطيق هناك أسباب الخوف لأنها تقطع نياط[1266]قلبه وتعين على تعجيل موته. وروح الرجاء يقوي قلبه ويحبب إليه ربه الذي إليه رجاؤه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه[1267].
واعلم أن الرجاء محمود إلى حد، فإن تجاوز إلى الأمن فهو خسران، قال تعالى: ((وَلا يَأْمَنُ[1268]مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ))[1269]، وكذا الخوف محمود إلى حد فإن جاوز إلى القنوط فهو ضلال ((وَمَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّآلُّونَ))[1270]، أو إلى اليأس فهو كفر و((لايَيْأَسُ مِن رَوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ))[1271].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب السادس
الزهد
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في الزهد
والكلام فيه في فصول
الفصل الأول
قال تعالى: ((مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ))[1272]وقال تعالى: ((وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى))[1273].
وفي الحديث: أوحى الله إلى الدنيا أن اخدمي من خدمني، ونغصي وكدري عيش من خدمك[1274].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم[1275]: من أصبح وهمه الدنيا شتت[1276]الله عليه أمره، وفرق
[1272]سورة الشورى/ 20.
[1273]سورة طه/ 131.
[1274]أنظر:العدد القوية،رضي الدين الحلي:150،اليوم السابع عشر،نبذة من أحوال الإمام الصادقعليه السلام.
[1275]في الزهد: "عن الإمام الصادق عليه السلام".
[1276]شتت الأمر شتا وشتاتا: تفرق.
الصحاح، الجوهري: 1/254، مادة "شتت".