الفصل الثالث: في أقسام الزهد ومراتبه
إعلم أن الزهد في نفسه على ثلاث درجات:
الأولى:وهي السفلى أن يزهد في الدنيا وهو لها مشتهٍ وقلبه إليها مائل ونفسه إليها ملتفتة ولكنه يجاهدها ويكفها، وهي الدرجة الأولى من الزهد.
الثانية:أن يترك الدنيا طوعاً لاستحقاره إياها بالإضافة الى الآخرة المرغوب فيها، كالذي يترك درهماً لأجل درهمين، فإنه لا يشق عليه ذلك، وهو يظن بنفسه أنه ترك شيئاً له قدر لما هو أعظم قدراً منه.
الثالثة:وهي العليا أن يزهد طوعاً ويزهد في زهده فلا يرى زهده، إذ لا يرى أنه ترك شيئاً، حيث عرف أن الدنيا لا شيء، فيكون كمن ترك نواة وأخذ جوهرة، فلا يرى ذلك معاوضة[1299]، وهذا كمال الزهد.
ومثله مثل من منعه من باب الملك كلب على بابه، فألقى إليه لقمة خبز فشغله بنفسه ودخل الباب ونال القرب عند الملك حتى نفذ أمره في جميع مملكته، أفترى أنه يرى لنفسه يداً عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى الكلب في مقابلة ما ناله، فالشيطان كلب على باب الله يمنع الناس من الدخول والدنيا كلقمة خبز يأكلها، فلذتها حال المضغ وتنقضي على القرب بالابتلاع، ثم يبقى ثفله[1300]في المعدة، ثم ينتهي إلى النتن والقذر ويحتاج إلى إخراج الثفل، فمن يتركها لينال قرب الملك كيف يلتفت إليها؟!.
وينقسم الزهد قسمة أخرى بالإضافة إلى المرغوب فيه إلى ثلاث درجات:
[1299]العوض كعنب واحد الأعواض كأعناب،وأعاضني،العوض وهو البدل.وإعتاض:أخذ العوض. مجمع البحرين، الطريحي: 3/278، مادة "عوض".
[1300]الثفل: ما رسب خثارته وعلا صفوه من الأشياء كلها.
لسان العرب، ابن منظور: 11/84، مادة "ثفل".
أسفلها:أن يكون المرغوب فيه النجاة من النار وسائر الآلام، كعذاب القبر ومناقشة الحساب وخطر الصراط، وهذا زهد الخائفين.
وأوسطها:أن يزهد رغبة في ثواب الله ونعمته واللذات الموعودة في جنته، وهذا زهد الراجين.
وأعلاها:أن لا يكون له رغبة إلا في الله ولقائه، فلا يلتفت قلبه إلى الآلام ليقصد الخلاص منها ولا إلى اللذات ليقصد نيلها والظفر بها بل هو مستغرق الهم بالله، وهو الذي أصبح وهمه هم واحد، فهو لا يطلب غير الله لأن من طلب غير الله فقد عبده، وكل مطلوب معبود وكل عبد بالإضافة إلى مطلوبه، وهذا زهد المحبين والعارفين.
وينقسم أيضاً الى فرض ونفل وسلامة: فالفرض هو الزهد في الحرام، والنفل هو الزهد في الحلال، والسلامة هو الزهد في الشبهات.
واعلم أن للزاهد الحقيقي ثلاث علامات:
الأولى:أن لا يفرح بموجود ولا يحزن على مفقود، كما أشار إليه أمير المؤمنين في الاستنباط من قوله تعالى: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ))[1301]وهذا علامة الزهد في المال[1302].
والثانية:أن يستوي عنده مادحه وذامه، وهو علامة الزهد في الجاه.
والثالثة:أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة.
[1301]سورة الحديد/ 23.
[1302]قال الباقر عليه السلام في حديث: «ألا وإن الزهد في آية من كتاب الله عزّوجل: ((لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ))» سورة الحديد/ 23.
معاني الأخبار، الشيخ الصدوق: 252، باب معنى الزهد/ ح4.
الفصل الرابع
ليعلم أن من ثمرة الزهد السخاء ومن ثمرة الرغبة في الدنيا البخل، فالمال إن كان مفقوداً فالأليق بحال الإنسان القناعة، وإن كان موجوداً فالأليق بحال صاحبه السخاء والبذل لأهله واصطناع المعروف.
والسخاء من أخلاق الأنبياء وأصول النجاة، والسخي حبيب الله.
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: السخاء شجرة من شجر الجنة أغصانها متدلية على الأرض[1303]، فمن أخذ منها غصناً قاده ذلك الغصن إلى الجنة[1304].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: قال جبرئيل: قال الله تعالى: bإن هذا دين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلاّ السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما استطعتمv[1305].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن من موجبات المغفرة بذل الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام[1306].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: تجافوا عن ذنب السخي، فإن الله أخذ بيده كلما عثر أقاله[1307].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: طعام الجواد دواء، وطعام البخيل داء[1308].
[1303]في المحجة: "إلى الأرض".
[1304]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 6/59، كتاب ذم المال، بيان فضيلة السخاء.
[1305]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/170، بيان فضيلة السخاء.
[1306]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/217، كتاب ذم البخل وذم حب المال، بيان فضيلة السخاء.
[1307]أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/171، بيان فضيلة السخاء.
[1308]طب النبي، المستغفري: 21.
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن السخي قريب من الله قريب من الناس قريب من الجنة بعيد من النار، وإن البخيل بعيد من الله بعيد من الناس بعيد من الجنة قريب من النار، وجاهل سخي أحب إلى الله من عابد بخيل، وأدوى الداء البخل[1309].[1310]
واعلم أن أرفع درجات السخاء الإيثار، وهو أن يجود بالمال مع الحاجة إليه، قال الله تعالى في معرض المدح: ((وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ))[1311]. وقال تعالى: ((وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا))[1312].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أيما امرئ اشتهى شهوة فردّ شهوته وآثر على نفسه غفر له[1313].
وينبغي للفقير أن لا يمنع بذل قليل ما يفضل عنه، فإن ذلك جهد المقل، وفضله أكثر من أموال كثيرة تبذل عن ظهر غني[1314].
الباب السابع
محبة الله تعالى
والأنس به
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في محبة الله تعالى والأنس به
وفيه فصول
الفصل الأول: في حقيقتها
إعلم أن الحب للشيء عبارة عن الميل إليه والالتذاذ به، وهو فرع معرفة ذلك الشيء، ومعرفته قد تكون بالحواس وقد تكون بالقلب، وكلما كانت المعرفة به أقوى واللذة أشد وأكثر كان الحب أقوى.
ولا ريب أن البصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشد إدراكاً من العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار، فتكون لا محالة لذة القلوب بما تدركه من الأمور الشريفة الإلهية التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ، فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، فلا ينكر إذاً حب الله تعالى إلا من قعد به القصور في درجة البهائم فلم يتجاوز إدراكه الحواس.
وكما أن الإنسان يحب نفسه وكمال نفسه وبقاء نفسه كذلك قد يحب غيره لذاته لا لحظ يناله منه وراء ذاته، بل تكون ذاته عين حظه، وهذا هو الحب الحقيقي البالغ الذي يوثق به.
وإن احتجت إلى شاهد على ذلك في عالم الدنيا فانظر إلى الطباع السليمة كيف تراها تستلذ بالنظر إلى الأنوار والأزهار والأطيار الحسنة والألوان المليحة، حتى إن الإنسان لتنفرج عنه الغموم بالنظر إليها لا لطلب حظ وراء النظر.
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه النظر إلى الخضرة والماء الجاري[1315]، فالخضرة والماء الجاري محبوبان لا لشرب الماء وأكل الخضرة.
ثم الحسن والجمال ليسا مقصورين على مدركات البصر ولا على تناسب الخلقة، إذ يقال: هذا صوت حسن، وهذا خلق حسن، وهذا علم حسن، وهذه سيرة حسنة، وليس شيء من هذه الصفات يدرك بالبصر. بل ليس الحسن والجمال مقصوراً على مدركات الحواس، إذ كثير منها يدرك بالبصيرة الباطنة، ولذا ترى الطباع السليمة مجبولة[1316]على حب الأنبياء والأئمة عليهم السلام مع أنهم لم يشاهدوهم.
ولما تواتر وصف أمير المؤمنين بالشجاعة وحاتماً بالسخاء أحبتهما القلوب حباً ضرورياً بدون نظر إلى صورة محسوسة ولا عن حظ يناله المحب منهما.
ومن كانت البصيرة الباطنة أغلب عليه من الحواس الظاهرة كان حبه للمعاني الباطنة أكثر من حبة للمعاني الظاهرة.
ثم كل محب إما أن يحب نفسه أو يحب غيره، ومحبة الغير إما لحسنه وجماله أو لإحسانه وكماله أو لمجانسة[1317]بينه وبين المحب:
[1315]كنز العمال، المتقي الهندي: 7/150، أخلاق متفرقة/ ح18461.
[1316]الجبل: الخلق، جبلهم الله، فهم مجبولون. جبلة الإنسان على هذا الأمر، أي: طبع عليه.
كتاب العين، الفراهيدي: 6/137، مادة "جبل".
[1317]الجنس: الضرب من كل شيء. والجنس اعم من النوع، ومنه المجانسة والتجنيس. ويقال: هذا يجانس هذا، أي: يشاكله.
لسان العرب، ابن منظور: 6/43، مادة "جنس".