وعن الرضا عليه السلام قال: كان في الكنز الذي قال الله عزّوجل: ((وَكانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُما))[1395]فيه بسم الله الرحمن الرحيم: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها كيف يركن إليها، وينبغي لمن عقل عن الله أن لا يتهمه في قضائه ولا يستبطئه في رزقه[1396].
وعن الصادق عليه السلام قال: كان قنبر[1397]غلام علي يحب علياً عليه السلام حباً شديداً، فإذا خرج علي خرج على أثره بالسيف، فرآه ذات ليلة فقال له: يا قنبير ما لك؟ فقال: جئت لأمشي خلفك يا أمير المؤمنين. فقال: ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟ فقال: لا بل من أهل الأرض. فقال: إن أهل الأرض لا يستطيعون لي شيئاً إلا بإذن الله فارجع، فرجع[1398].
وروي عنه[1399]أنه قيل للرضا عليه السلام: إنك تتكلم بهذا الكلام والسيف يقطر دماً؟ فقال عليه السلام: إن لله وادياً من ذهب حماه بأضعف خلقه وهو النمل، فلو رامه النجاشي لم يصله إليه[1400].
[1395]سورة الكهف/ 82.
[1396]أنظر: الكافي، الكليني: 2/ 59، كتاب الإيمان والكفر، باب فضل اليقين/ ح9.
[1397]قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السلام، قتله الحجاج على حبه.
رجال ابن داود، ابن داود الحلي: 278، باب القاف/الرقم 1206.
[1398]أنظر: مشكاة الأنوار، الطبرسي: 13، الباب الأول في الإيمان والإسلام وما يتعلق بهما، الفصل الثالث في اليقين.
[1399]أنظر: سند الحديث ونصه في الهامش الآتي.
[1400]الكافي، الكليني: 2/ 59، كتاب الإيمان والكفر، باب فضل اليقين/ ح11. وفيه النص: «عَلِيُّ بْنُ إِبْراهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ، قالَ: قِيلَ لِلرِّضا عليه السلام:إِنَّكَ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا الْكَلامِ وَالسَّيْفُ يَقْطُرُ دَماً، فَقَالَ:إِنَّ لِلَّهِ وَادِياً مِنْ ذَهَبٍ حَمَاهُ بِأَضْعَفِ خَلْقِهِ النَّمْلِ فَلَوْ رَامَهُ الْبَخَاتِيُّ لَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ».
الفصل الثاني: في حقيقة اليقين
اليقين أن يرى الأشياء كلها بقضها وقضيضها من مسبب الأسباب ومالك الرقاب، ولا يلتفت إلى الوسائط بل يرى الوسائط كلها مسخرة لأمر الله وحكمه، وإذا علم ذلك وتحقق ما هنالك حصل له الوثوق بضمان الله للرزق فيقطع طمع قلبه عما في أيدي الناس، ويعلم أن ما قدر له سيساق إليه ثم أن يغلب على قلبه أن من ((يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ(7)وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))[1401]، ثم المعرفة بأن الله مطلع عليه في كل حال عالم بسرائره وخبير بضمائره، ومشاهد لهواجس[1402]ضميره وخفايا خواطره، فيكون متأدباً في جميع أحواله وأعماله مع الله تعالى، ويعبد الله كأنه يراه ويعلم بأنه يراه[1403]، وتكون مبالغته في عمارة باطنه وتطهيره وتزيينه لعين الله الكالئة[1404]اشد من مبالغته في تزيين ظاهره لسائر الناس[1405].
[1401]سورة الزلزلة/ 7 ــ 8.
[1402]الهجس: أن يحدث نفسه في صدره مثل الوسواس. وهجس في صدري شيء يهجس، أي: حدس.
تاج العروس، الزبيدي: 4/271، مادة "الهجس".
[1403]قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصية له لأبي ذر: «يا أبا ذر أعبد الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنه عزوجل يراك».
الأمالي، الطوسي: 526، المجلس 19.
[1404]كلأه يكلؤه كلأ وكلاء و كلاءة، بالكسر: حرسه وحفظه.
لسان العرب، ابن منظور: 1/ 146، مادة "كلأ".
[1405]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 193، الباب الخامس في اليقين والتوكل، الفصل الأول عظم شأن اليقين ودرجاته.
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: اليقين يوصل العبد إلى كل حال سنيٍّ ومقام عجيب، كذلك أخبر رسول الله عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده أن عيسى بن مريم عليه السلام كان يمشي على الماء، فقال: لو زاد يقينه لمشى في الهواء، فدل بهذا على أن الأنبياء مع جلالة محلهم من الله كانوا يتفاضلون على حقيقة اليقين لا غير، ولا نهاية لزيادة اليقين على الأبد.
والمؤمنون أيضاً متفاوتون في قوة اليقين وضعفه: فمن قوي منهم يقينه فعلامته التبري من الحول والقوة إلا بالله، والاستقامة على أمر الله، وعبادته ظاهراً وباطناً، قد استوت عنده حالتا العدم والوجود والزيادة والنقصان والمدح والذم والعز والذل، لأنه يرى كلها من عين واحدة.
ومن ضعف يقينه تعلق بالأسباب، ورخص لنفسه بذلك، واتبع العادات وأقاويل الناس لغير حقيقة، والسعي في أمور الدنيا وجمعها وإمساكها مقراً باللسان أنه لا مانع ولا معطي إلا الله، وأن العبد لا يصيبه إلا ما رزق وقسم له، والجهد لا يزيد في الرزق وينكر ذلك بفعله وقلبه[1406]، قال الله تعالى: ((يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِم ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ))[1407].
وإنما عطف الله لعباده حيث أذن لهم في الكسب والحركات في باب العيش ما لم يتعدوا حدوده ولا يتركوا من فرائضه وسنن نبيه في جميع حركاتهم ولا يعدلوا عن محجة التوكل ولا يقفوا في ميدان الحرص، وأما إذا أبوا ذلك فارتبطوا بخلاف ما حدّ لهم كانوا من الهالكين الذين ليس معهم في الحاصل إلا الدعاوى الكاذبة.
[1406]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 193 ــ 194، الباب الخامس في اليقين والتوكل، الفصل الأول عظم شأن اليقين ودرجاته.
[1407]سورة آل عمران/ 167.
وكل مكتسب لا يكون متوكلاً فلا يستجلب من كسبه إلى نفسه إلا حراماً وشبهة، وعلامته أن يؤثر ما يحصل من كسبه ويجوع وينفق في سبيل الدين ولا يمسك، والمأذون بالكسب من كان بنفسه مكتسباً وبقلبه متوكلاً، وإن كثر المال عنده قام فيه كالأمين عالماً بأن كون ذلك وفوته سواء، وإن أمسك أمسك لله وإن أنفق أنفق في ما أمره الله عزّوجل، ويكون منعه وعطاؤه في الله[1408].
الباب التاسع
التوكل
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في التوكل
والكلام فيه في فصول
الفصل الأول: في فضله
قال الله تعالى: ((وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ))[1409]وقال: ((وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ))[1410]وقال تعالى: ((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ))[1411]. فأعظم بمقام موسوم بمحبة الله صاحبه ومضمون بكفاية الله لا بسه، فإن المحبوب لا يعذب ولا يبعد ولا يحجب[1412].
وقال تعالى: ((أَلَيْسَ اللّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ))[1413]فطالب الكفاية من غيره هو التارك للتوكل وهو المكذب[1414]بهذه الآية[1415].[1416]
[1409]سورة المائدة/ 23.
[1410]سورة الطلاق/ 3.
[1411]سورة آل عمران/ 159.
[1412]أنظر: إرشاد القلوب، الديلمي: 1/ 120، في الحكم والمواعظ، الباب الخامس والثلاثون في التوكل على الله.
[1413]سورة الزمر/ 36.
[1414]في مجموعة ورام: "مكذب".
[1415]سورة الزمر/ 36.
[1416]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 221، بيان فضيلة التوكل.
وقال تعالى: ((وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))[1417]أي عزيز لا يذل من استجار به ولا يضيع من لاذ به والتجأ إلى حماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره[1418].
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً[1419].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم: من انقطع الى الله كفاه الله كل مؤونة ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع الى الدنيا وكله الله إليها[1420].
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:من سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده[1421].[1422]
وعن الصادق عليه السلام:إن الغنى والعز يجولان،فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا[1423].[1424]
وعن الكاظم عليه السلام في قوله تعالى: ((وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ))[1425]قال: للتوكل على الله درجات: منها أن تتوكل على الله في أمورك كلها، فما فعل
[1417]سورة الأنفال/ 49.
[1418]أنظر: مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 221، بيان فضيلة التوكل.
[1419]جامع الأخبار، الشعيري: 117، الفصل الثالث والسبعون في التوكل.
[1420]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 1/ 222، بيان فضيلة التوكل.
[1421]في المشكاة: "أوثق منه في يديه".
[1422]مشكاة الأنوار، الطبرسي: 18، الباب الأول في الإيمان والإسلام وما يتعلق بهما، الفصل الرابع في التوكل على الله والتفويض إليه والتسليم له/ ذيل الحديث.
[1423]في التحف: "أوطناه".
[1424]تحف العقول، الحراني: 373، روي عن الإمام الصادق أبي عبد الله جعفر بن محمد صلوات الله عليه في طوال هذه المعاني، وروي عنه عليه السلام في قصار هذه المعاني.
[1425]سورة الطلاق/ 3.