وعن الصادق عليه السلام:من ائتمنك بأمانة فأدها إليه،ومن خانك فلا تخنه[1497].
واعلم أن الصدق يكون في الأقوال وفي الأعمال وفي الأحوال، وأدنى مراتب الصدق الصدق في القول في كل حال، وكماله بترك المعاريض من غير ضرورة حذراً عن تفهيم الخلاف، وكسب القلب صورة كاذبة.
وينبغي أن يصدق في القول مع الحق ومع الخلق، فمن قال «وجهت وجهي لله»[1498]وفي قلبه سواه، أو ((إِيّاكَ نَعْبُدُ))[1499]وهو يعبد الدنيا وهواه أو ((إِيّاكَ نَسْتَعِينُ))[1500]وهو بغير الله يستعين، فهو كاذب.
كما قال الفريد الوحيد رحمه الله.
إيــــــــــاك مــــــــن قــــــول به تــــفــــنــــد *** *** فـــأنـــت عـــــبــــــد لــــهــــواك تــــعـــبـد
تلـهـج فـــــي «إيـــــــــاك نــــســتـــعــيــن» *** *** وأنـــت غـيــر الله تــســـتــــعــــيــــــــن[1501]
ثم الصدق في النية، بأن يخلصها من الشوائب كما تقدم.
ثم في العزم، وهو الجزم القوي على الخير، فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل، فيقول في نفسه «إن رزقني الله مالاً تصدقت بجميعه أو شطره» و«إذا لقيت عدواً في سبيل الله قاتلته ولم أبال وإن قتلت». وقد يكون في عزمه نوع ميل وتردد، وضعف يضاد الصدق في العزيمة.
[1497]من لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق: 3/ 186، باب الدين والقرض/ ح20.
[1498]الكافي،الكليني:3/310،كتاب الصلاة،باب افتتاح الصلاة والحد في التكبير/ح7.
[1499]سورة الفاتحة / 5.
[1500]سورى الفاتحة/ 5.
[1501]يقول النمازي في مستدرك سفينة البحار قبل ذكر الأبيات، يناسب في هذا المقام نقل هذه الأشعار من الدرة. وقد أوضحنا سابقا أن الدرة للسيد مهدي بحر العلوم الطباطبائي (قدس سره). مستدرك سفينة البحار، النمازي: 7/ 65.
ثم في الوفاء بالعزم، فالنفس قد تسخو بالعزم في الحال، إذا لا مشقة في الوعد، فإذا حقت الحقائق وحصل التمكن وهاجت الشهوات انحلت العزيمة، وهذا يضاد الصدق فيه، ولذلك قال تعالى: ((رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللّهَ عَلَيْهِ))[1502].
ثم في الأعمال، بأن يبذل جهده، بحيث لا يكون ظاهره مخالفاً لباطنه لا بأن يترك العمل بالمرة، بل بأن يسخر الباطن الى تصديق الظاهر، وهذا غير ريائي، لأن المرائي هو الذي يقصد ذلك لأجل الخلق، وربّ واقف على هيئة الخشوع في صلاته ليس يقصد به مشاهدة غيره، ولكن قلبه غافل عن الصلاة، فمن نظر إليه رآه قائماً بين يدي الله، وهو بالباطن قائمفي السوق بين يدي شهوة من شهواته.وكذلك قد يمشي على هيئة السكون والوقار، وليس باطنه موصوفاً بذلك، فهذا غير صادق في عمله وإن لم يكن ملتفتاً إلى الخلق ولا مرائياً إياهم، ولا ينجو من هذا إلا باستواء السر والعلانية، بأن يكون باطنه مثل ظاهره أو خيراً من ظاهره، وهذا كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: إني والله ما أحثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلا وأتناهى قبلكم عنها[1503]).
ثم في مقامات الدين، وهو أعلى درجات الصدق وأعزها، كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والحب والتوكل وسائر المكارم، فإن هذه الأمور لها مبادئ ينطلق الاسم بظهورها، ثم لها غايات وحقائق، والصادق المحقق من نال حقيقتها، قال الله تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِوَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا)) الى قوله: ((أُوْلئِكَهُمُ الصّادِقُونَ))[1504]وقال عزّوجل: ((وَلكِنَّ
[1502]سورة الأحزاب/ 23.
[1503]نهج البلاغة، الشريف الرضي: 1/ 250، خطب أمير المؤمنين عليه السلام، الخطبة 175 له عليه السلام في الموعظة وبيان قرباه من رسول الله.
[1504]سورة الحجرات/ 15.
الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ))[1505]ثم قال: ((وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساء والضَّرّاء))[1506]الى قوله: ((أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا))[1507].
وسئل أبو ذر[1508])رضي الله عنهعن الإيمان فقرأ هذه الآية[1509])، فقيل له: سألناك عن الإيمان فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان فقرأ هذه الآية[1510]).[1511]
وإن أردت أيضاً أن تعرف معنى الصدق في الخوف فاعلم أنه ما من عبد يؤمن بالله إلا وهو خائف خوفاً ينطبق عليه هذا الاسم، ولكنه خوف غير بالغ درجة الصدق والحقيقة، ولذا تراه إذا خاف سلطاناً أو قاطع طريق في سفر كيف يصفر لونه فترتعد فرائصه ويتنغص عليه عيشه ويتعذر عليه أكله ونومه، وينقسم عليه فكره حتى لا ينتفع به أهلهوولده، وقد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة وبالراحة التعب والمشقة والتعرض للأخطار،كل ذلك خوفاً من درك المحظور، فما بال من يدعي الخوف من الله ومن عذابه وعقابه وناره لا يظهر عليه شيء من ذلك
[1505]سورة البقرة/ 177.
[1506]سورة البقرة/ 177.
[1507]سورة البقرة/ 177.
[1508]جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، أبو ذر: صحابي، من كبارهم. يقال أسلم بعد أربعة وكان خامسا. يضرب به المثل في الصدق. هاجر بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بادية الشام. فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر وولي عثمان، فسكن دمشق وجعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم. فشكاه معاوية إلى عثمان فاستقدمه عثمان إلى المدينة، فقدمها و استأنف نشر رأيه في تقبيح منع الأغنياء أموالهم عن الفقراء، فعلت الشكوى منه فأمره عثمان بالرحلة إلى الربذة فسكنها إلى أن مات (سنة 32 هـ). وكان كريما لا يخزن من المال قليلا ولا كثيرا.
الأعلام، الزركلي: 2/140، أبو ذر الغفاري.
[1509]سورة الحجرات/ 15.
[1510]سورة الحجرات/ 15.
[1511]إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 340، كتاب النية والإخلاص والصدق، الباب الثالث في الصدق وفضيلته وحقيقته، بيان حقيقة الصدق ومعناه ومراتبه.
عند جريان معصيته عليه، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لم أر مثل النار نام هاربها، ولم أر مثل الجنة نام طالبها[1512]. وهكذا الصدق في الرجاء كما تقدم في محله.
وقد يكون العبد صادقاً في جميع الأمور، فيسمى صديقاً، وقد يكون في بعض دون بعض فيضاف الى ذلك البعض، بأن يسمى صادق القول أو العمل[1513].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: إذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب فانظر في قصد معناك وغور[1514]دعواك وغيرها بقسطاس[1515]من الله عزّوجل كأنك في القيامة، قال الله: ((وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ))[1516]، فإذا اعتدل معناك بدعواك ثبت لك الصدق.
وأدنى حد الصدق أن لا يخاف اللسان القلب ولا القلب اللسان. ومثل الصادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع روحه إن لم ينزع، فماذا يصنع؟![1517].
الباب الحادي عشر
المحاسبة والمراقبة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في المحاسبة والمراقبة
وفيه فصلان
الفصل الأول: في المحاسبة
قال الله تعالى: ((وكَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ حَسِيبًا))[1518]وقال تعالى: ((وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ))[1519]وقال تعالى: ((وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَىَ الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا))[1520]وقال تعالى: ((يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))[1521]وقال تعالى: ((يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))[1522].
[1518]سورة الإسراء/ 17. ونصها: ((إقرأ كتابك كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)).
[1519]سورة الأنبياء/ 47.
[1520]سورة الكهف/ 49.
[1521]سورة المجادلة/ 36.
[1522]سورة الزلزلة/ 6 ــ 8.
فعلم أرباب البصائر أن العليم بالسرائر والمطلع على الضمائر سيحاسبهم على الصغير والكبير والجليل والحقير والنقير والقطمير، وعلى مثاقيل الذر من اللحظات والخطرات والغفلات والالتفاتات، ولا ينجيهم من هذه الأخطار العظيمة والأهوال الجسيمة إلا محاسبة أنفسهم في الدنيا قبل أن يحاسبوا في القيامة.
قال الصادق عليه السلام: إذ أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله[1523]، فإذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأله شيئاً إلا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفاً كل موقف مقام ألف سنة، ثم تلا عليه السلام[1524]: ((فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))([1525]).[1526]
وفي رواية أخرى: ينبغي أن يكون للعاقل أربع ساعات: ساعة يحاسب بها نفسه...[1527].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: لو لم يكن للحساب مهولة إلا حياء العرض على الله عزّوجل وفضيحة هتك الستر على المخفيات يحق للمرء أن لا يهبط من رؤوس الجبال ولا يأوي الى عمران، ولا يشرب ولا ينام إلا عن اضطرار، ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها وشدائدها قائمة في كل نفس، ويعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبار، حينئذ يأخذ نفسه بالمحاسبة، كأنه الى
[1523]في مجموعة ورام: "الله عزّوجل".
[1524]ليس في مجموعة ورام: "عليه السلام".
[1525]سورة المعارج/ 4.
[1526]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 145 ــ 146.
[1527]أنظر: روضة الواعظين، الفتال النيسابوري:1/4، مجلس في ماهية العقول وفصولها.