الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ))[1505]ثم قال: ((وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْساء والضَّرّاء))[1506]الى قوله: ((أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا))[1507].
وسئل أبو ذر[1508])رضي الله عنهعن الإيمان فقرأ هذه الآية[1509])، فقيل له: سألناك عن الإيمان فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان فقرأ هذه الآية[1510]).[1511]
وإن أردت أيضاً أن تعرف معنى الصدق في الخوف فاعلم أنه ما من عبد يؤمن بالله إلا وهو خائف خوفاً ينطبق عليه هذا الاسم، ولكنه خوف غير بالغ درجة الصدق والحقيقة، ولذا تراه إذا خاف سلطاناً أو قاطع طريق في سفر كيف يصفر لونه فترتعد فرائصه ويتنغص عليه عيشه ويتعذر عليه أكله ونومه، وينقسم عليه فكره حتى لا ينتفع به أهلهوولده، وقد ينزعج عن الوطن فيستبدل بالأنس الوحشة وبالراحة التعب والمشقة والتعرض للأخطار،كل ذلك خوفاً من درك المحظور، فما بال من يدعي الخوف من الله ومن عذابه وعقابه وناره لا يظهر عليه شيء من ذلك
[1505]سورة البقرة/ 177.
[1506]سورة البقرة/ 177.
[1507]سورة البقرة/ 177.
[1508]جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد، من بني غفار، من كنانة بن خزيمة، أبو ذر: صحابي، من كبارهم. يقال أسلم بعد أربعة وكان خامسا. يضرب به المثل في الصدق. هاجر بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بادية الشام. فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر وولي عثمان، فسكن دمشق وجعل ديدنه تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم. فشكاه معاوية إلى عثمان فاستقدمه عثمان إلى المدينة، فقدمها و استأنف نشر رأيه في تقبيح منع الأغنياء أموالهم عن الفقراء، فعلت الشكوى منه فأمره عثمان بالرحلة إلى الربذة فسكنها إلى أن مات (سنة 32 هـ). وكان كريما لا يخزن من المال قليلا ولا كثيرا.
الأعلام، الزركلي: 2/140، أبو ذر الغفاري.
[1509]سورة الحجرات/ 15.
[1510]سورة الحجرات/ 15.
[1511]إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 340، كتاب النية والإخلاص والصدق، الباب الثالث في الصدق وفضيلته وحقيقته، بيان حقيقة الصدق ومعناه ومراتبه.
عند جريان معصيته عليه، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لم أر مثل النار نام هاربها، ولم أر مثل الجنة نام طالبها[1512]. وهكذا الصدق في الرجاء كما تقدم في محله.
وقد يكون العبد صادقاً في جميع الأمور، فيسمى صديقاً، وقد يكون في بعض دون بعض فيضاف الى ذلك البعض، بأن يسمى صادق القول أو العمل[1513].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: إذا أردت أن تعلم أصادق أنت أم كاذب فانظر في قصد معناك وغور[1514]دعواك وغيرها بقسطاس[1515]من الله عزّوجل كأنك في القيامة، قال الله: ((وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ))[1516]، فإذا اعتدل معناك بدعواك ثبت لك الصدق.
وأدنى حد الصدق أن لا يخاف اللسان القلب ولا القلب اللسان. ومثل الصادق الموصوف بما ذكرنا كمثل النازع روحه إن لم ينزع، فماذا يصنع؟![1517].
الباب الحادي عشر
المحاسبة والمراقبة
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
في المحاسبة والمراقبة
وفيه فصلان
الفصل الأول: في المحاسبة
قال الله تعالى: ((وكَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ حَسِيبًا))[1518]وقال تعالى: ((وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ))[1519]وقال تعالى: ((وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَىَ الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا))[1520]وقال تعالى: ((يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللّهُ وَنَسُوهُ وَاللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))[1521]وقال تعالى: ((يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (6) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ))[1522].
[1518]سورة الإسراء/ 17. ونصها: ((إقرأ كتابك كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً)).
[1519]سورة الأنبياء/ 47.
[1520]سورة الكهف/ 49.
[1521]سورة المجادلة/ 36.
[1522]سورة الزلزلة/ 6 ــ 8.
فعلم أرباب البصائر أن العليم بالسرائر والمطلع على الضمائر سيحاسبهم على الصغير والكبير والجليل والحقير والنقير والقطمير، وعلى مثاقيل الذر من اللحظات والخطرات والغفلات والالتفاتات، ولا ينجيهم من هذه الأخطار العظيمة والأهوال الجسيمة إلا محاسبة أنفسهم في الدنيا قبل أن يحاسبوا في القيامة.
قال الصادق عليه السلام: إذ أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئاً إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم، ولا يكون له رجاء إلا من عند الله[1523]، فإذا علم الله ذلك من قلبه لم يسأله شيئاً إلا أعطاه، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها، فإن للقيامة خمسين موقفاً كل موقف مقام ألف سنة، ثم تلا عليه السلام[1524]: ((فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ))([1525]).[1526]
وفي رواية أخرى: ينبغي أن يكون للعاقل أربع ساعات: ساعة يحاسب بها نفسه...[1527].
وفي مصباح الشريعة: قال الصادق عليه السلام: لو لم يكن للحساب مهولة إلا حياء العرض على الله عزّوجل وفضيحة هتك الستر على المخفيات يحق للمرء أن لا يهبط من رؤوس الجبال ولا يأوي الى عمران، ولا يشرب ولا ينام إلا عن اضطرار، ومثل ذلك يفعل من يرى القيامة بأهوالها وشدائدها قائمة في كل نفس، ويعاين بالقلب الوقوف بين يدي الجبار، حينئذ يأخذ نفسه بالمحاسبة، كأنه الى
[1523]في مجموعة ورام: "الله عزّوجل".
[1524]ليس في مجموعة ورام: "عليه السلام".
[1525]سورة المعارج/ 4.
[1526]مجموعة ورام، ورام بن أبي فراس: 2/ 145 ــ 146.
[1527]أنظر: روضة الواعظين، الفتال النيسابوري:1/4، مجلس في ماهية العقول وفصولها.
عرصاتها[1528]مدعو وفي غمراتها[1529]مسؤول، قال الله عزّوجل: ((وَإِن كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ))[1530].[1531]
واعلم أن معنى المحاسبة أن يطالب نفسه أولاً بالفرائض التي هي بمنزلة رأس ماله، فإن أدتها على وجهها شكر الله عليه ورغبها ومثلها، وإن فوتتها من أصلها طالبها بالقضاء، فإن أدتها ناقصة كلفها الجبران بالنوافل، وإن ارتكبت معصية اشتغل بعتابها وتعذيبها ومعاقبتها، واستوفى منها ما يتدارك به ما فرط، كما يصنع التاجر بشريكه، فكما أنه يفتش في حساب الدنيا عن الحبة والقيراط[1532]فيحفظ مداخل الزيادة والنقصان حتى لا يغبن بشيء منها، فينبغي أن يتقي غائلة[1533]النفس ومكرها، فإنها خداعة ملبسة مكارة، فليطالبها أولاً بتصحيح الجواب عن جميع ما يتكلم به طول نهاره، وليتكفل بنفسه من الحساب ما سيتولى غيره في صعيد القيامة.
وهكذا عن نظره، بل عن خواطره وأفكاره وقيامه وقعوده وأكله وشربه ونومه، حتى عن سكوته لم سكت وعن سكونه لم سكن، فإذا عرف مجموع
[1528]العرصة: كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء. العرصات: جمع عرصة، وقيل: هي كل موضع واسع لا بناء فيه.
لسان العرب، ابن منظور: 7/ 52 ــ 53، مادة "عرص".
[1529]الغمرة: الشدة. وغمرة كل شيء: منهمكه وشدته كغمرة الهم والموت و نحوهما.
لسان العرب، ابن منظور: 5/ 29، مادة "غمر".
[1530]سورة الأنبياء/ 47.
[1531]أنظر:مصباح الشريعة،الإمام الصادق عليه السلام:85، الباب الثامن والثلاثون في الحساب.
[1532]القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشر في أكثر البلاد.
مجمع البحرين، الطريحي: 3/ 489، مادة "قرط".
[1533]كل ما اغتال الإنسان فأهلكه فهو غول. يقال: غالته غول، إذا وقع في مهلكة.
الصحاح، الجوهري: 5/ 1786، مادة "غول".
الواجب على النفس وصح عنده قدر ما أدى الحق منه كان ذلك القدر محسوباً له، فيظهر له الباقي عليها، فليثبته عليها وليكتبه على صحيفة قلبه كما يكتب الباقي الذي على شريكه على قلبه وعلى جريدته.
ثم النفس غريم[1534]يمكن أن يستوفى منه الديون، أما بعضها فبالغرامة والضمان وبعضها برد عينه، وبعضها بالعقوبة له على ذلك، ولا يمكن شيء من ذلك إلا بعد تحقيق الحساب وتمييز الباقي من الحق الواجب عليه، فإذا حصل ذلك اشتغل بعده بالمطالب والاستيفاء[1535].
قال الكاظم عليه السلام: ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنة استزاد الله[1536]وإن عمل سيئة استغفر الله منها وتاب إليه[1537].
وقال الباقر عليه السلام: لا يغرنك الناس[1538]من نفسك، فإن الأمر يصل إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكذا وكذا فإن معك من يحفظ عليك عملك فأحسن[1539]فإني لم أر شيئاً أحسن دركاً ولا أسرع طلباً من حسنة محدثة لذنب قديم[1540].
[1534]الغرم: الدين. رجل غرم: عليه دين.
لسان العرب، ابن منظور: 12/ 436، مادة "غرم".
[1535]أنظر: الحقايق في محاسن الأخلاق، الفيض الكاشاني: 303 ــ 305، الباب الثاني المحاسبة والمراقبة. جامع السعادات، النراقي: 3/ 101 ــ 102، مقامات مرابطة العقل للنفس. إحياء علوم الدين، الغزالي: 4/ 351 ــ 353، كتاب المراقبة والمحاسبة.
[1536]في إرشاد القلوب: "الله عزّوجل".
[1537]إرشاد القلوب، الديلمي: 1/ 182، في الحكم والمواعظ، الباب الحادي والخمسون في أخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار.
[1538]في الكافي: "يا أبا النعمان لا يغرنك الناس".
[1539]في الكافي: "وأحسن".
[1540]الكافي، الكليني: 2/ 454، كتاب الإيمان والكفر، باب محاسبة العمل/ ح3.