وقد روي عن الصادق عليه السلام ما يصلح للجمع بين الأقوال والأخبار. قالعليه السلام[226]: إن اغتبت فبلغ المغتاب فاستحل منه، وإن لم يلحقه فاستغفر الله[227]وذلك لأن في الاستحلال مع عدم البلوغ إليه إثارة للغيبة وجلباً للضغائن، وفي حكم من لم يبلغه من لم يقدر على الوصول إليه بموت أو غيبة.
الرابع عشر:النميمة
قال تعالى:((هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ))[228]وقال تعالى:((وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ))[229]. قيل الهمزة: النمام، واللمزة: المغتاب[230].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل الجنة نمام[231].
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: شراركم المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الأحبة، المبتغون للبراء المعايب[232].
وقال الباقر عليه السلام: الجنة محرمة على المغتابين والمشائين بالنميمة[233].
[226]الإمام الصادق عليه السلام.
[227]أنظر: مصباح الشريعة، الإمام الصادق عليه السلام: 205، الباب المائة في الغيبة.
[228]سورة القلم/ 11 ــ 13.
[229]سورة الهمزة/ 1.
[230]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 275، كتاب آفات اللسان، الآفة السادسة عشر النميمة.
[231]كشف الريبة، الشهيد الثاني: 41، الفصل الرابع فيما يلحق بالغيبة عند التدبر.
[232]الكافي، الكليني: 2/ 369، باب الإيمان والكفر، باب النميمة/ ح3.
[233]الكافي، الكليني: 2/ 369، كتاب الإيمان والكفر، باب النميمة / ح2. ونصه: «مُحَرَّمَةٌ الْجَنَّةُ عَلى الْقَتّاتِينَ الْمَشّاءِينَ بِالنَّمِيمَةِ».
والنمام هو من ينم قول الغير إلى المقول فيه ويكشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه: أو كرهه ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو بالكتابة أو بالرمز أو الإيماء، وسواء كان المنقول من الأعمال أو الأقوال، وسواء كان ذلك عيباً ونقصاناً على المنقول عنه أو لا. فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر وكشفه.
ومن حملت إليه النميمة فعليه بأمور ستة.
الأول:عدم تصديقه لأنه فاسق وقد قال تعالى:((إِن جااءكُمْ فاسِقٌ بِنَبأٍ فَتَبَيَّنُوا))[234].
الثاني:أن ينهره عن ذلك لقوله تعالى: ((وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ))[235].
الثالث:أن يبغضه لأنه بغيض الله.
الرابع:أن لا يظن المنقول عنه السوء، لقوله تعالى: ((اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ))[236].
الخامس:أن لا يحمله ذلك على التجسس[237]والبحث ليتحقق حقيقة الحال، قال تعالى: ((وَلا تَجَسَّسُوا))[238].
[234]سورة الحجرات/ 6.
[235]سورة لقمان/ 17.
[236]سورة الحجرات/ 12.
[237]التجسس: التفتيش عن بواطن الأمور وأكثر ما يقال في السر.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 1/263، مادة "جسس".
[238]سورة الحجرات/ 12.
السادس:أن لا يرضى لنفسه ما نهي عنه النمام فلا يحكي نميمته ويقول قال فلان فيك كذا. وقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أن رجلاً أتاه يسعى إليه برجل فقال: يا هذا نحن نسأل عما قلت فإن كنت صادقاً مقتناك[239]وإن كنت كاذباً عاقبناك. وإن شئت أن نقيلك[240]أقلناك. قال: أقلني يا أمير المؤمنين[241].
الخامس عشر:كلام ذي اللسانين
وهو الذي يتردد بين المتعادين ويكلم كل واحد بكلام يوافقه وذلك عين النفاق. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يجيء يوم القيامة ذو الوجهين دالعاً[242]لسانه في قفاه وآخر من قدامه يلتهبان ناراً حتى يلتهبا خده[243]، ثم يقال: هذا[244]الذي كان في الدنيا ذا وجهين وذا لسانين يعرف بذلك يوم القيامة.[245]
وقال الباقر عليه السلام: بئس العبد عبداً يكون ذا وجهين وذا لسانين يطري أخاه شاهداً ويأكله غائباً، إن أعطي حسده وإن أبتلي خذله.[246]
[239]المقت:بغض من أمر قبيح ركبه،فهو مقيت،وقد مقت إلى الناس مقاتة،ومقته الناس مقتا.
كتاب العين، الفراهيدي: 5/ 132، مادة "مقت".
[240]أقال الله عثرتك و أقالكها، أي: صفح عنك.
تاج العروس، الزبيدي: 8/ 92.
[241]كشف الريبة، الشهيد الثاني: 45، الفصل الرابع فيما يلحق بالغيبة عند التدبر.
[242]دلع لسانه يدلع دلعا ودلوعا، أي: خرج من الفم، واسترخى وسقط على عنفقته.
كتاب العين، الفراهيدي: 2/ 41، مادة "دلع".
[243]في الخصال: "حتى يلهبا جسده".
[244]في الخصال: "ثم يقال له هذا".
[245]الخصال، الشيخ الصدوق: 1/ 38، باب الاثنين، ما جاء في ذي وجهين/ ح16.
[246]إرشاد القلوب، الديلمي: 1/ 178، الباب الحادي والخمسون في أخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار.
السادس عشر:المدح
وفيه ست آفات أربع في المادح:
الأولى:إنه قد يفرط فينتهي به الإفراط[247]إلى الكذب.
الثانية:إنه قد يدخله الرياء[248]، فإنه بالمدح مظهر للحب وقد لا يكون مضمراً[249]له ولا معتقداً لما يقوله، فيكون مرائياً[250]منافقاً.
الثالثة:إنه قد يقول ما لا يتحققه ولا سبيل له للاطلاع عليه.
الرابعة:إنه قد يفرح الممدوح وهو ظالم فاسق وذلك غير جائز. قال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق[251].
واثنتان في الممدوح: إحداهما أنه قد يحدث فيه كبر أو إعجاب وهما مهلكان. الثانية أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه.
[247]الإفراط: إعجال الشيء في الأمر قبل التثبت. يقال: أفرط فلان في أمره، أي: عجل فيه.
لسان العرب، ابن منظور: 7/ 369، مادة "فرط".
[248]الرياء نفاق إلا أن المنافق يظهر غير ما يسر، وذو الريا يبدي للناس خلاف ما يضمر.
غريب الحديث، ابن قتيبة: 1/ 185، ألفاظ من أحاديث المولد والمبعث.
[249]أضمرت الشيء: أخفيته.
لسان العرب، ابن منظور: 4/ 493، مادة "ضمر".
[250]مرائيا يرائي الناس بقوله وعمله، لا يكون وعظه وكلامه حقيقة.
النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير: 4/ 70.
[251]المحجة البيضاء، الفيض الكاشاني: 5/ 283، كتاب آفات اللسان، الآفة الثامنة عشر المدح. كشف الخفاء، العجلوني: 2/ 248، حرف اللام والألف/ ح2474.
فإذا سلم المدح من هذه الآفات فلا بأس به[252]. وروي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أحثوا التراب في وجوه المداحين[253]. وقال أمير المؤمنين عليه السلام لما أثني عليه: اللهم اغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤخذني بما يقولون واجعلني خيراً مما يظنون[254].
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الباب الرابع
الغضب
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة