وعنه عليه السلام[388]قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن الملك يصعد بعمل العبد مبتهجاً[389]به، فإذا صعد بحسناته يقول الله[390]: bاجعلوها في سجين[391]، إنه ليس إياي أراد بهv[392].
[388]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[389]بهج به، أي: فرح به وسر.
الصحاح، الجوهري: 1/ 300، مادة "بهج".
[390]في المنية والبحار: "الله عزّوجل".
[391]سجين (فيه كتاب الفجار) وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ودواوينهم كما في الصحاح، قال أبو عبيدة: وهو فعيل من السجن، كالفسيق من الفسق، ومنه قوله تعالى: ((كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ)) (سورة المطففين/7) وقال ابن عرفة: هو من سجنت، أي: هو محبوس عليهم كي يجازوا بما فيه (و) قيل (واد في جهنم أعاذنا الله تعالى منها) وجزم البيضاوي في هود، أنه: جهنم نفسها. وقال ابن الأثير: هو اسم علم للنار. وقال الراغب: هو اسم لجهنم بإزاء عليين، وزيد لفظه تنبيها على زيادة معناه. (أو حجر في الأرض السابعة) و به فسرت الآية أيضا. وقال مجاهد: هو اسم الأرض السابعة. وقيل في سجين، أي: في حساب. وقيل معنى الآية: كتابهم في حبس لخساسة منزلتهم عند الله عزّوجل، وأما قول الخفاجي: سجين كتاب جامع لأعمال الكفرة، فذكر الراغب: أن كل شئ ذكره الله عزّوجل بقوله: وما أدراك. فسره، وكل ما ذكره بقوله وما يدريك تركه مبهما. وفى هذا الموضع ذكر: ((وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ)) (سورة المطففين/ 8) وكذا في قوله عزّوجل: ((وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ)) (سورة المطففين/ 19) ثم فسر الكتاب لا السجين والعليين، قال: وفى هذه لطيفة موضعها الكتب المطولات (و) السجين (العلانية) يقال فعل ذلك سجينا، أي: علانية.
تاج العروس، الزبيدي: 9/ 231، فصل السين.
[392]منية المريد، الشهيد الثاني: 318، الباب الثالث في المناظرة وشروطها، الفصل الثاني في آفات المناظرة. بحار الأنوار، المجلسي: 69/ 303، كتاب الإيمان والكفر، باب 116 الرياء/ ح50.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ثلاث علامات للمرائي: ينشط إذا رأى الناس، ويكسل إذا كان وحده، ويحب أن يحمد في كل أموره[393][394].
وقال عليه السلام[395]: أخشوا الله خشية ليست بتقدير[396]، واعملوا في غير رياء[397]ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله وكّله الله إلى عمله[398].
وقال الصادق عليه السلام: اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فلا يصعد إلى الله[399].
وعنه عليه السلام[400]: كل رياء شرك، إنه من عمل للناس كان ثوابه على الناس، ومن عمل لله كان ثوابه على الله[401].
وعنه عليه السلام[402]في قول الله عزّوجل ((فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً))[403]قال: الرجل يعمل شيئاً من الثواب لا يطلب به وجه الله، إنما يطلب تزكية الناس يشتهي أن يسمع به الناس، فهذا الذي
[393]في الكافي: "في جميع أموره".
[394]الكافي، الكليني: 2/ 295، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح8.
[395]أي: "أمير المؤمنين عليه السلام".
[396]في الكافي: "ليست بتعذير".
[397]في الكافي: "واعملوا لله في غير رياء".
[398]الكافي، الكليني: 2/ 297، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح17.
[399]الكافي، الكليني: 2/ 293، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح2.
[400]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[401]مشكاة الأنوار، الطبرسي: 311، الفصل الثالث في الرياء.
[402]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[403]سورة الكهف/ 110.
أشرك بعبادة ربه. ثم قال: ما من عبد سرّ[404]خيراً فذهبت الأيام أبداً حتى يظهر الله له خيراً، وما من عبد يسر شراً فذهبت الأيام حتى يظهر الله له شراً[405].
وعنه عليه السلام[406]: ما يصنع أحدكم إن يظهر حسناً ويسر سيئاً، أليس يرجع إلى نفسه فيعلم أن ذلك ليس كذلك، والله تعالى[407]يقول: ((بَلِ الإِْنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ))[408]إن السريرة إذا صحت قويت العلانية[409].
الفصل الثاني: في حقيقة الرياء والفرق بينه وبين السمعة وأقسام الرياء
أصل الرياء من الرؤية:وهي طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير. والسمعة من السماع: وهي طلب المنزلة في قلوب الناس بإسماعهم ما يوجب ذلك[410].
وحدّ الرياء:هو إرادة المنزلة بطاعة الله تعالى. والمرئي هو العابد. والرائي هو الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم. والمراءى به هي الخصال التي قصد المرائي إظهارها. والرياء هو قصده إظهار ذلك.
[404]في الكافي: "أسر".
[405]الكافي، الكليني: 2/ 293 ــ 294، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح4.
[406]أي: "الإمام الصادق عليه السلام".
[407]في الكافي: "والله عزّوجل".
[408]سورة القيامة/ 14.
[409]الكافي، الكليني: 2/ 295، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح11.
[410]أنظر: بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 69/ 266، كتاب الإيمان والكفر، باب 116 الرياء/ بيان الحديث 1.
والمراءى به كثير وتجمعه خمسة أقسام، وهي: مجامع ما يتزين به العبد للناس البدن والزي، والقول، والعمل، والأتباع، والأشياء الخارجة.
وأهل الدنيا يراؤون بهذه الأسباب الخمسة، إلا أن طلب الجاه وقصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون الرياء بالطاعات.
القسم الأول:الرياء في الدين بالبدن بإظهار النحول والصفار، ليوهم بذلك شدة الاجتهاد وعظم الحزن على أمر الدين وغلبة خوف الآخرة وقلة الأكل وسهر الليل، ويقرب منه خفض الصوت وإغارة العينين وذبول الشفتين ليوهم أنه مواظب على الصوم، ولهذا قال عيسى عليه السلام: إذا صام أحدكم فليدهن رأسه ويرجل شعره ويكحل عينيه[411]. وذلك لخوف الرياء.
القسم الثاني:الرياء بالزي والهيئة، كتشعث[412]شعر الرأس وحلق الشارب وإطراق الرأس في المشي والهدوء في الحركة وإبقاء أثر السجود على الوجه وغلظ الثياب وتشميرها وترقيع الثوب لإظهار أنه متابع للسنة غير مقبل على الدنيا.
القسم الثالث:الرياء بالقول، كالوعظ والتذكير والنطق بالحكمة وحفظ الأخبار والآثار وتحريك الشفتين بمحضر الناس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق ونحو ذلك.
[411]إحياء علوم الدين،الغزالي:3/263،كتاب ذم الجاه والرياء،بيان حقيقة الرياء وما يراءى به.
[412]رجل أشعث شعث شعثان الرأس، وقد شعث شعثا وشعاثا وشعوثة وشعثته أنا تشعيثا، وهو المغبر الرأس، المتلبد الشعر جافا غير دهين.
كتاب العين، الفراهيدي: 1/ 244، مادة "شعث".
الرابع:الرياء بالأعمال، كمراءاة المصلي بطول القيام والركوع والسجود وإطراق الرأس وترك الالتفات ونحو ذلك.
الخامس:المراءاة بالأصحاب والزائرين والمخالطين، بأن يكثر التردد إلى العلماء والعباد والزهاد والفقراء والمساكين، أو يصير سبباً لكثرة ترددهم إليه ليقال إنه عظيم الرتبة في الدين[413].
الفصل الثالث: في درجات الرياء
إعلم أن الرياء يتفاوت فبعضه أشد وأغلظ من بعض، ويختلف باختلاف أركانه، وأركانه ثلاثة: المراءى به، والمراءى لأجله، ونفس قصد الرياء:
الركن الأول: نفس قصد الرياء
وله درجات أربع:
«الأولى» ــ وهي أغلظها ــ أن لا يكون مراده الثواب أصلاً، كالذي يصلي بين أظهر الناس الفرض أو النفل ولو انفرد لم يصلِ.
«الثانية» أن يكون له قصد الثواب أيضاً قصداً ضعيفاً.
«الثالثة» أن يكون قصد الثواب وقصد الرياء متساويين، بحيث لو كان كل منهما خالياً من الآخر لم يبعثه على العمل.
«الرابعة» أن يكون اطلاع الناس مرجحاً ومقوياً لنشاطه، ولو لم يكن لكان لا يترك العبادة. والكل حرام ومبطل للعمل لما تقدم من قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا أغنى الأغنياء عن الشرك»[414]، وقوله تعالى: ((وَلا
[413]أنظر: إحياء علوم الدين، الغزالي: 3/ 263 ــ 264، كتاب ذم الجاه والرياء، بيان حقيقة الرياء وما يراءى به.
[414]شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: 2/ 180، بيان الخطبة 32.
يُشْرِكْ بِعِباادَةِ رَبِّهِ أَحَداً))[415]. وقوله عليه السلام[416]في علامة المرائي: يكسل في الخلوة وينشط عند الناس[417].
الركن الثاني: المراءى به
وهو الطاعات، وهو ينقسم إلى: الرياء بأصول العبادات، وإلى الرياء بأوصافها:
القسم الأول:له درجات ثلاث:
«الأولى» الرياء بأصل الإيمان وهو أغلظ أبواب الرياء، وأصحابه من المنافقين المخلدين في النار، وربما كان حال هذا أشد من الكافر حيث جمع بين كفر الباطن ونفاق الظاهر.
[415]سورة الكهف/ 110.
[416]أمير المؤمنين عليه السلام.
[417]الكافي، الكليني: 2/ 295، كتاب الإيمان والكفر، باب الرياء/ ح8. وفيه النص: «ثَلاثُ عَلاماتٍ لِلْمُرائِي: يَنْشَطُ إِذَا رَأى النّاسَ، وَيَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَيُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ».
«الثانية» الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصول الدين. كالرياء بالصلاة والزكاة والحج والجهاد، وهذا أهون من الأول.
«الثالثة» الرياء بالنوافل والسنن التي لو تركها لا يعصي ولكن يكسل عنها في الخلوة وينشط عند الناس.
القسم الثاني:الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها، وهي أيضاً على ثلاث درجات:
«الأولى» أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة، كالذي يكون غرضه تخفيف القراءة والركوع والسجود فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود والقيام.
«الثانية» أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه ولكن فعله في حكم التتمة والتكملة للعبادة، كالتطويل في الركوع والسجود ومدّ القيام وتحسين الاعتدال وطول القراءة والتأني فيها وفي الأذكار.
«الثالثة» أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل، كحضوره الجماعة قبل القوم وقصده الصف الأول ويمين الإمام[418]ونحو ذلك.
الركن الثالث: المراءى لأجله
وله درجات ثلاث:
«الأولى» وهي أشدها ــ أن يكون مقصده التمكن من معصية، كالذي يرائي بعباداته ويظهر التقوى والورع بكثرة النوافل والامتناع من أكل الشبهات، وغرضه أن يعرف بالأمانة فيولى القضاء والأوقاف والوصايا أو مال الأيتام فيأخذها أو يودع الودائع فيجحدها.
«الثانية» أن يكون غرضه نيل حظ مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة.
«الثالثة» أن يكون غرضه أن لا ينظر إليه بعين النقص وأن يعدّ من الخاصة والزهاد، كالذي يمشي مستعجلاً فيطلع عليه الناس فيحسن المشي ويترك العجلة كي لا يقال إنه من أهل اللهو والسهو لا من أهل الوقار، أو يبدر منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار وتنفس الصعداء وإظهار الحزن.
[418]انظر: بحار الأنوار، المجلسي: 69/ 273، كتاب الإيمان والكفر، باب 116 الرياء/ بيان الحديث 1.
تقسيم آخر
الرياء منه: جلي، وخفي، وأجلى، وأخفى:
فالجلي الذي يبعث على العمل ويحمل عليه.
وأخفى منه ما لا يحمل على العمل بمجرده إلا أنه يخفف العمل، كالذي يعتاد التهجد كل ليلة ويثقل عليه، فإذا دخل عليه الضيوف نشط.
وأخفى من ذلك أن يعرض بإظهار العمل بالشمائل، كإظهار النحول والصفار وخفض الصوت وجفاف الريق وآثار الدموع وغلبة النعاس الدال على طول التهجد.
وأخفى من ذلك أن يختفي بحيث لا يريد الإطلاع ولا يسر بظهور طاعته، ولكنه إذا رأى الناس أحب أن يبدأوه بالسلام، وأن يقابلوه بالبشاشة والتوقير، وأن يثنوا عليه وينبسطوا في قضاء حوائجه، ويوسعوا له في المكان، وإن قصر فيه مقصر ثقل على قلبه، ولو لم تسبق منه تلك الطاعات والعبادات لما توقع ذلك.
وقد يكون العمل مخفياً قد قصد به وجه الله تعالى ولكن لما اتفق اطلاع غيره عليه استرّ بذلك، فإن كان قصده إخفاء الطاعة والإخلاص لله ولكن لما اطلع عليه الخلق علم أن الله أطلعهم عليه وأظهر الجميل من أحواله فيستدل به على حسن صنيع الله به ونظره له وإلطافه به، فيكون فرحه بجميل نظر الله لا بحمد الناس وقيام المنزلة في قلوبهم، ولا بأس بذلك، قال تعالى: ((قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذالِكَ فَلْيَفْرَحُوا))[419]، وكذا إذا استدل بإظهار الله الجميل وستره القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعل به في الآخرة، إذ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ما ستر الله على عبد في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرة[420]فيكون الأول فرحاً بالقبول في الحال.
[419]سورة يونس/ 58.
[420]عدة الداعي، ابن فهد الحلي: 224، الباب الرابع في كيفية الدعاء، القسم الثالث في الآداب المتأخرة عن الدعاء.