بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 102

الدنيا، هذا طلب الآخرة»[1].

ونختم هذا البحث بكلام لأميرالمؤمنين في الخطبة 209 من نهج البلاغة حيث يقول عندما دخل مع جماعة لعيادة«العلاء بن زياد الحارثي»وهو من الشخصيات المعروفة في البصره ومن أصحاب الإمام حيث كان قد اشترى‌ داراً وسيعة فقال له الإمام‌«مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هَذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا وَانْتَ الَيْهَا فِي الْآخِرَةِ كُنْتَ احْوَجُ».

ثمّ إنّ الإمام أكمل كلامه بهذه العبارة«وَبَلَى انْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ تُقْرِىَ فِيهَا الضَّيْفَ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإذَا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الْآخِرَةَ»[2]

النتيجة:هي أنّ المواهب المادية والدنيوية متى ما أصبحت وسيلة للوصول إلى الكمال المعنوي وبناء الآخرة ومساعدة الضعفاء وحماية المحرومين وترويج وتقوية دعائم الحقّ والعدالة فليس هناك أفضل منها، وإذا سلك بها الإنسان في مسير الذنوب والحرص والتكاثر بدون ملاحظة الحلال والحرام فليس هناك شي‌ء أسوء منها، أجل فمثل هؤلاء الناس من أتباع الدنيا الّذين يتحركون في استخدام هذه النعم والمواهب في طريق اشباع الغرائز المادية فإنّهم يجمعون في واقعهم النفساني مجموعة من الصفات الرذيلة والرغبات القبيحة والدنيئة.

ويروي أحد أصحاب الإمام علي بن موسى‌ الرضا ويُدعى‌ محمّد بن إسماعيل بن بزيغ حيث يقول: سمعت من الإمام الرضا أنّه قال:«لَا يَجْتَمِعُ الْمَالُ الّا بِخِصَالٍ خَمْسٍ بِبُخْلٍ شَدِيدٍ وَامَلٍ طَوِيلٍ وَحِرْصٍ غالبٍ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَايثَارِ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ»[3].

[1]. وسائل الشيعة، ج 12، ص 19، باب استحباب جمع المال من الحلال ...، ح 3.

[2]. نهج البلاغة، الخطبة 209.

[3]. وسائل الشيعة، ج 12، ص 19، ح 4.


صفحه 103

6- الحسد

تنويه:

إن أحد الرذائل الأخلاقية الاخرى الّتي اقترنت مع نتائج سلبية كبيرة في حياة الفرد والمجتمع هي صفة(الحسد)ويعني كما ذكر علماء الأخلاق (الحزن على رؤية النعمة لدى‌ الآخرين وتمني زوالها بل السعي في طريق رفعها عن الطرف الآخر).

إن الحسد يملأ أجواء الروح الإنسانية بالظلمة ويشوّه معالم النفس ويثير في المجتمع البشري عدم الأمن والقلق والتوتر الناشي‌ء من حالات الصراع النفسي بسبب دوافع الحسد.

إنّ الحسود ليس له راحة في الدنيا ولا يتنعم في الآخرة، وبما أنّ سعيه في حركة الحياة هو إزالة آثار النعمة عن الطرف المحسود فسوف يتلوث بأنواع الجرائم النفسية والعملية ومن بين ذلك: الكذب، الغيبة، ارتكاب أنواع الظلم والعدوان بل قد يؤدي به الأمر في حالات الحسد الشديدة إلى القتل وسفك الدماء أيضاً.

وفي الحقيقة يمكن القول إن الحسد هو أحد الجذور الأصلية لجميع أنواع الفساد والسيّئات ومن أشنع فخاخ الشيطان وأخطر شراكه وهو المصيدة الّتي وقع فيها الإنسان الأوّل المتمثل بابن آدم (قابيل) حيث تلوثت يده بدم أخيه (هابيل) بدافع من الحسد، ولهذا


صفحه 104

السبب نجد في الروايات الإسلامية والمفاهيم الدينية أنّ الحسد يُعد أحد الاصول الثلاثة للكفر أي (التكبر، الحرص، الحسد).

إنّ الشخص الحسود في الواقع يعترض على حكمة اللَّه تعالى، ولهذا السبب فالحسد نوع من الكفر والشرك الخفي.

والنقطة المقابلة للحسد هو(حب الخير)للآخرين، أي أن يحب الإنسان أن يرى نعمة اللَّه تصيب الآخرين من أفراد المجتمع ويلتذ بذلك ويسعى‌ لحفظها ويرى أنّ سعادته مقرونة بسعادة الآخرين ومصالحه في خط واحد مع مصالح الآخرين ومنافعهم.

وبهذه الإشارة نعود إلى آيات القرآن الكريم لنقرأ في أجوائها معطيات هذه المسألة:

1- «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْأَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ ا لْمُتَّقِينَ* لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآأَ نَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ ا لْعلَمِينَ* إِنّى أُرِيدُ أَن تَبُوأَ بِإِثْمِى وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَا لِكَ جَزَا ؤُاْ ا لْظلِمِينَ* فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ا لْخَاسِرِينَ»[1].

2- «إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا ابَتِ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سجِدِينَ* قَالَ يَابُنَىَّ لَاتَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى‌ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ».[2]

3- «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى‌ مَآءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ا لْكِتَابَ وَا لْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيًما»[3].

4- «وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ا لْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مّن بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ لَهُمُ ا لْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى‌ يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى‌ كُلّ شَىْ‌ءٍ قَدِيرٌ»[4].

[1]. سورة المائدة، الآيات 27 و 28 و 30.

[2]. سورة يوسف، الآية 4 و 5.

[3]. سورة النساء، الآية 54.

[4]. سورة البقرة، الآية 109.


صفحه 105

5- «وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ»[1]

6- «وَالَّذِينَ جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَا نِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًاّ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ»[2]

7- «وَنَزَعْنَا مَافِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَا نًا عَلَى‌ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ»[3].

تفسير واستنتاج:

نار الحسد المحرقة

«الطائفة الاولى‌»من الآيات محل البحث تتحدّث عن قصة ابني آدم وأنّ أحدهما قد ملكه الحسد على الآخر بحيث أدّى‌ به إلى أن يقتل أخاه، وبذلك وقعت أوّل جريمة قتل على الأرض وكانت في الحقيقة بداية للجرائم البشرية الاخرى.

تقول الآية الكريمة «وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَىْ آدَمَ بِالْحَقّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْأَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ ا لْمُتَّقِينَ»[4].

أي انني لم أقصد أن اسي‌ء إليك لتصمّم على قتلي فإنّ مشكلتك هي من باطنك لأنّ عملك غير خالص ولم يقترب بالتقوى، ولذلك لم يتقبل اللَّه منك لأن اللَّه تعالى لا يتقبل إلّا ما كان طاهراً نقياً.

ثمّ تقول الآية «لَئِن بَسَطتَ إِلَىَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِى مَآأَ نَا بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ ا لْعلَمِينَ»[5].

ثمّ إن قابيل وبسبب نار الحقد والحسد المتأججة في قلبه صمّم على قتل أخيه هابيل وتمزيق أواصر الاخوّة بينهما بحيث إنّ الحقد والحسد حجبا عن عينه كلّ القيم الأخلاقية

[1]. سورة الفلق، الآية 5.

[2]. سورة الحشر، الآية 10.

[3]. سورة الحجر، الآية 47.

[4]. سورة المائدة، الآية 27.

[5]. سورة المائدة، الآية 28.


صفحه 106

والمثل الإنسانية وارتكب تلك الجناية الشنيعة كما تقول الآية «فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ ا لْخَاسِرِينَ»[1].

أجل لقد أصبح من الخاسرين في الدنيا والآخرة، فقد خسر اخوه وخسر نعمة الأمن والاستقرار النفسي والهدوء الروحي، لأن القاتل لو بقيت له ذرة من الوجدان فسوف يعيش عذاب الوجدان باستمرار ولا يجد طعم الهدوء والراحة في الدنيا، وكذلك حاله في الآخرة حيث يستقر في جهنم وبئس المصير.

وقد ورد في الروايات انه قتل أخاه وهو نائم‌[2]، وتُعد هذه جناية مضاعفة تدلّ على أنّ الحسد إذا ما استعر في قلب الإنسان فسوف يحول كلّ نعيم إلى رماد تذروه الرياح.

ولكنّ قابيل ندم بسرعة على فعلته الشنيعة وملكهُ الحزن العميق، وكلّما نظر إلى جسد أخيه الدامي سرت في نفسه قشعريرة وتملكه الخوف والقلق، فما كان منه إلّاأن حمل جسد أخيه ولم يعلم ما يصنع به واين يذهب به بحيث يغطي على آثار جنايته؟ مضافاً إلى أنّ هذا المنظر الموحش يقلقه ويزعجه فلم يكن يدري ما يصنع في هذه اللحظة، وعلى رغم جنايته العظيمة وذنبه الكبير فإنّ لطف اللَّه قد شمله كما تقول الآية «فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَا رِى سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَى‌ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا ا لْغُرَابِ فَأُوَا رِىَ سَوْءَةَ أَخِى فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ»[3].

وقد جاء في بعض الروايات أنّ قابيل رأى أمام عينه غرابين يتقاتلان فقتل أحدهما الآخر ثمّ حفر له حفرة في الأرض ودفن فيها جسد الغراب المقتول.

وقال بعض إن غراباً جاء بجسد غراب ميت ودفنه، وقيل أيضاً أنّ قابيل رأى غراباً يدفن بعض المواد الغذائية ليحفظها كما هو ديدن الغربان فتعلم من ذلك دفن الموتى‌[4].

[1]. سورة المائدة، الآية 30.

[2]. تفسير القرطبي، ج 3، ص 2133.

[3]. سورة المائدة، الآية 31.

[4]. نور الثقلين، ج 1، ص 616.


صفحه 107

وعلى أيّة حال فقد ندم قابيل بشدة ولكن ندمه لم يكن مستقراً ومن موقع التوبة والانابة إلى اللَّه تعالى حتّى يكون من شأنه تطهيره من الذنوب.

وهنا يطرح سؤالان، الأوّل: ما المقصود من‌«القربان»في قوله تعالى‌«إذ قرّبا قرباناً»؟والآخر: هو انه من اين عَلِما أنّ اللَّه تعالى تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل؟

ولم يرد في القرآن الكريم ما يشير إلى جواب عن هذين السؤالين، واما الروايات فهي مختلفة على مستوى السند أو المتن والدلالة، ولكن ما يتطابق مع المنطق والعقل ويتلائم مع القرائن الموجودة هو ما ورد في الرواية عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام جعلت فداك إن الناس يزعمون أنّ آدم زوج ابنته من ابنه؟ فقال أبو عبداللَّه عليه السلام:«قد قال الناس في ذلك ولكن يا سليمان أما علمت أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: لو علمت أنّ آدم زوج ابنته من ابنه لزوجت زينب من القاسم، وما كنت لارغب عن دين آدم.

فقلت جعلت فداك إنهم يزعمون أنّ قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا على اختهما، فقال له:

يا سليمان تقول هذا! أما تستحيي أنّ تروي هذا على نبي اللَّه آدم؟فقلت: جعلت فداك فبم قتل قابيل هابيل؟ فقال:في الوصيةثم قال لي:يا سليمان أنّ اللَّه تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم اللَّه الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل، فغضب فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية. فأمرهما أن يقربا قرباناً بوحي من اللَّه إليه، ففعلا فقبل اللَّه قربان هابيل فحسده قابيل فقتله»[1].

وعلى أيّة حال فإنّ قابيل وجد نفسه في مفترق طريقين لإنهاء حالة القلق والإضطراب الّتي يعيش فيها: أحدهما التوبة إلى اللَّه تعالى والسعي لجبران ما صدر منه من الاثم بالعمل الصالح والخالص والتحرك في خط التقوى والاستقامة والانفتاح على اللَّه (وهو العمل الّذي يسمّيه علماء الأخلاق ب«الغبطة»وهي حالة ممدوحة وبناءة) ولكن قابيل اختار الطريق الآخر، أي السعي لإزالة النعمة من أخيه، وبذلك أوقع نفسه في أسوء طريق وانتخب أشنع وسيلة بذلك وتلوثت يده بدم أخيه البري‌ء ليطفى‌ء نار الحسد في قلبه.

[1]. نور الثقلين، ج 1 ص 610، ح 125.


صفحه 108

إذا تسبب‌«تكبر»إبليس لأن يقع طريد رحمة اللَّه إلى الأبد، وتسبب‌«الحرص»في أن يحرم آدم من الجنّة، فإنّ‌«الحسد»قد جعل قابيل ملعوناً ومطروداً من رحمة اللَّه إلى الأبد بسبب قتله لأخيه، وكلّ قتل يقع في الدنيا فإنّ قابيل له سهم من تلك الجناية باعتباره المؤسس لها.

فالتاريخ البشري ملي‌ء بالجنايات والفجائع المختلفة الّتي تنطلق بدافع من‌(الحسد).

«الطائفة الثانية»من الآيات الكريمة التي تحدثت عن جانب آخر من هذه الصفة الذميمة في حالات الإنسان وهي‌«الحسد»وآثارها المدمرة في حياة الفرد والمجتمع، وتستعرض في ذلك قصة النبي يوسف واخوته.

«النبي يوسف»لم يكن صاحب الجمال في وجهه وملامحه البدنية فحسب بل كان يتمتع بمنتهى‌ الجمال في أخلاقه وسيرته الحميدة، وهذا الأمر هو الّذي اخبر عن مستقبله العظيم كما توقع له أبوه يعقوب وأحبه ذلك الحبّ الشديد، وكان هو السبب في غرس عامل (الحسد) في قلوب أخوته الّذين كانوا أكبر منه سناً.

وهذا الموضوع تجلّى بوضوح عندما حكى يوسف لأبيه حلماً كان قد رآه حيث تقول الآية: «إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا ابَتِ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سجِدِينَ»[1].

وكان النبي يعقوب يعلم أنّ مثل هذه الرؤيا ليست رؤيا عادية ومن افرازات الخيال للأطفال بل هي علامة على مستقبل مشرق ينتظر ابنه يوسف فقال له كما تتحدث الآية:

«قَالَ يَابُنَىَّ لَاتَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى‌ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ»[2].

ولكن هل أنّ اخوة يوسف علموا بمضمون رؤيا يوسف العجيبة الّتي تتحدّث عن‌

[1]. سورة يوسف، الآية 4.

[2]. المصدر السابق.


صفحه 109

مستقبله الزاهر أم لا؟

لا نعلم بذلك على وجه الدقة، ولو أنّهم كانوا قد علموا بذلك لكانت هذه بمثابة البذرة الثانية لحالة (الحسد) الّتي اعتمرت قلوبهم، ولكن على أيّة حال فإنّ الأب كان يعلم انه إذا علم الاخوة بمضمون هذه الرؤيا العجيبة فانهم سوف يتحركون ضد أخيهم يوسف من موقع العداوة والخصومة، ولهذا أصرّ عليه بكتمان هذا الخبر عنهم.

وجاء في بعض الروايات أنّ يعقوب ومن فرط فرحه وسروره بهذه الرؤيا قد أخبر زوجته بذلك على أساس انها تكتم الخبر، ولكن بما أنّ السر إذا تجاوز الاثنين فشا، فإنّ هذه الحكاية انتشرت وعلم بها اخوة يوسف، وجاء في رواية اخرى أنّ يوسف لم يستطع كتمان خبر هذه الرؤيا، (فتصوّر أن نهي أبيه هو نهي ارشادي لا نهي تحريمي) فعندما علم اخوته بخبر الرؤيا قالوا أنّ يوسف يطمح أن يكون ملكاً[1].

ولكن إذا لم يعلم الاخوة بخبر الرؤيا فانهم على الأقل كانوا يرون تعامل أبيهم مع يوسف وسلوكه الّذي ينبى‌ء عن عظيم حبّه له وخاصة انه كان بقية امّه راحيل الّتي ماتت وهو في طفولته.

القرآن الكريم يقول في هذا الصدد «إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى‌ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ»[2].

وبهذه الصورة اصدروا حكمهم بضلالة أبيهم، وبعد ذلك صمّموا على رفع هذا المانع الكبير، أي يوسف، من طريقهم ليبقى لهم حبّ أبيهم ومودّته، وضمن البحث في (جلسة شيطانية) قرروا ما يلي «اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ»[3].

وكما نعلم انه لم يتم لهم قتل أخيهم يوسف بل قد توسّط أحد الاخوة في ذلك وتم القرار

[1]. تفسير البرهان، ج 2، ص 2433، تفسير أبو الفتوح الرازي، ج 6، ص 341.

[2]. سورة يوسف، الآية 8.

[3]. سورة يوسف، الآية 9.