بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 107

وعلى أيّة حال فقد ندم قابيل بشدة ولكن ندمه لم يكن مستقراً ومن موقع التوبة والانابة إلى اللَّه تعالى حتّى يكون من شأنه تطهيره من الذنوب.

وهنا يطرح سؤالان، الأوّل: ما المقصود من‌«القربان»في قوله تعالى‌«إذ قرّبا قرباناً»؟والآخر: هو انه من اين عَلِما أنّ اللَّه تعالى تقبل قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل؟

ولم يرد في القرآن الكريم ما يشير إلى جواب عن هذين السؤالين، واما الروايات فهي مختلفة على مستوى السند أو المتن والدلالة، ولكن ما يتطابق مع المنطق والعقل ويتلائم مع القرائن الموجودة هو ما ورد في الرواية عن سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام جعلت فداك إن الناس يزعمون أنّ آدم زوج ابنته من ابنه؟ فقال أبو عبداللَّه عليه السلام:«قد قال الناس في ذلك ولكن يا سليمان أما علمت أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله قال: لو علمت أنّ آدم زوج ابنته من ابنه لزوجت زينب من القاسم، وما كنت لارغب عن دين آدم.

فقلت جعلت فداك إنهم يزعمون أنّ قابيل إنما قتل هابيل لأنهما تغايرا على اختهما، فقال له:

يا سليمان تقول هذا! أما تستحيي أنّ تروي هذا على نبي اللَّه آدم؟فقلت: جعلت فداك فبم قتل قابيل هابيل؟ فقال:في الوصيةثم قال لي:يا سليمان أنّ اللَّه تبارك وتعالى أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية واسم اللَّه الأعظم إلى هابيل، وكان قابيل أكبر منه، فبلغ ذلك قابيل، فغضب فقال: أنا أولى بالكرامة والوصية. فأمرهما أن يقربا قرباناً بوحي من اللَّه إليه، ففعلا فقبل اللَّه قربان هابيل فحسده قابيل فقتله»[1].

وعلى أيّة حال فإنّ قابيل وجد نفسه في مفترق طريقين لإنهاء حالة القلق والإضطراب الّتي يعيش فيها: أحدهما التوبة إلى اللَّه تعالى والسعي لجبران ما صدر منه من الاثم بالعمل الصالح والخالص والتحرك في خط التقوى والاستقامة والانفتاح على اللَّه (وهو العمل الّذي يسمّيه علماء الأخلاق ب«الغبطة»وهي حالة ممدوحة وبناءة) ولكن قابيل اختار الطريق الآخر، أي السعي لإزالة النعمة من أخيه، وبذلك أوقع نفسه في أسوء طريق وانتخب أشنع وسيلة بذلك وتلوثت يده بدم أخيه البري‌ء ليطفى‌ء نار الحسد في قلبه.

[1]. نور الثقلين، ج 1 ص 610، ح 125.


صفحه 108

إذا تسبب‌«تكبر»إبليس لأن يقع طريد رحمة اللَّه إلى الأبد، وتسبب‌«الحرص»في أن يحرم آدم من الجنّة، فإنّ‌«الحسد»قد جعل قابيل ملعوناً ومطروداً من رحمة اللَّه إلى الأبد بسبب قتله لأخيه، وكلّ قتل يقع في الدنيا فإنّ قابيل له سهم من تلك الجناية باعتباره المؤسس لها.

فالتاريخ البشري ملي‌ء بالجنايات والفجائع المختلفة الّتي تنطلق بدافع من‌(الحسد).

«الطائفة الثانية»من الآيات الكريمة التي تحدثت عن جانب آخر من هذه الصفة الذميمة في حالات الإنسان وهي‌«الحسد»وآثارها المدمرة في حياة الفرد والمجتمع، وتستعرض في ذلك قصة النبي يوسف واخوته.

«النبي يوسف»لم يكن صاحب الجمال في وجهه وملامحه البدنية فحسب بل كان يتمتع بمنتهى‌ الجمال في أخلاقه وسيرته الحميدة، وهذا الأمر هو الّذي اخبر عن مستقبله العظيم كما توقع له أبوه يعقوب وأحبه ذلك الحبّ الشديد، وكان هو السبب في غرس عامل (الحسد) في قلوب أخوته الّذين كانوا أكبر منه سناً.

وهذا الموضوع تجلّى بوضوح عندما حكى يوسف لأبيه حلماً كان قد رآه حيث تقول الآية: «إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا ابَتِ إِنّى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سجِدِينَ»[1].

وكان النبي يعقوب يعلم أنّ مثل هذه الرؤيا ليست رؤيا عادية ومن افرازات الخيال للأطفال بل هي علامة على مستقبل مشرق ينتظر ابنه يوسف فقال له كما تتحدث الآية:

«قَالَ يَابُنَىَّ لَاتَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى‌ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ»[2].

ولكن هل أنّ اخوة يوسف علموا بمضمون رؤيا يوسف العجيبة الّتي تتحدّث عن‌

[1]. سورة يوسف، الآية 4.

[2]. المصدر السابق.


صفحه 109

مستقبله الزاهر أم لا؟

لا نعلم بذلك على وجه الدقة، ولو أنّهم كانوا قد علموا بذلك لكانت هذه بمثابة البذرة الثانية لحالة (الحسد) الّتي اعتمرت قلوبهم، ولكن على أيّة حال فإنّ الأب كان يعلم انه إذا علم الاخوة بمضمون هذه الرؤيا العجيبة فانهم سوف يتحركون ضد أخيهم يوسف من موقع العداوة والخصومة، ولهذا أصرّ عليه بكتمان هذا الخبر عنهم.

وجاء في بعض الروايات أنّ يعقوب ومن فرط فرحه وسروره بهذه الرؤيا قد أخبر زوجته بذلك على أساس انها تكتم الخبر، ولكن بما أنّ السر إذا تجاوز الاثنين فشا، فإنّ هذه الحكاية انتشرت وعلم بها اخوة يوسف، وجاء في رواية اخرى أنّ يوسف لم يستطع كتمان خبر هذه الرؤيا، (فتصوّر أن نهي أبيه هو نهي ارشادي لا نهي تحريمي) فعندما علم اخوته بخبر الرؤيا قالوا أنّ يوسف يطمح أن يكون ملكاً[1].

ولكن إذا لم يعلم الاخوة بخبر الرؤيا فانهم على الأقل كانوا يرون تعامل أبيهم مع يوسف وسلوكه الّذي ينبى‌ء عن عظيم حبّه له وخاصة انه كان بقية امّه راحيل الّتي ماتت وهو في طفولته.

القرآن الكريم يقول في هذا الصدد «إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى‌ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ»[2].

وبهذه الصورة اصدروا حكمهم بضلالة أبيهم، وبعد ذلك صمّموا على رفع هذا المانع الكبير، أي يوسف، من طريقهم ليبقى لهم حبّ أبيهم ومودّته، وضمن البحث في (جلسة شيطانية) قرروا ما يلي «اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ»[3].

وكما نعلم انه لم يتم لهم قتل أخيهم يوسف بل قد توسّط أحد الاخوة في ذلك وتم القرار

[1]. تفسير البرهان، ج 2، ص 2433، تفسير أبو الفتوح الرازي، ج 6، ص 341.

[2]. سورة يوسف، الآية 8.

[3]. سورة يوسف، الآية 9.


صفحه 110

بإبعاده إلى أرض بعيدة ومنطقة نائية، وبالرغم من أنّ هذا النفي والتبعيد ليوسف قد سبّب الحزن الشديد لأبيه يعقوب بحيث ابيضّت عيناه من الحزن وصار بصيراً من كثرة البكاء، ولكن هذا العمل وعلى خلاف توقع الاخوة اصبح مقدمة لينال يوسف مقام القدرة والسلطنة على بلاد مصر الّتي كانت تعتبر من أعظم البلدان في ذلك الزمان وكذلك لم يحظوا بحبّ أبيهم أيضاً.

أجل فإنّ الامواج الخطيرة للحسد قوية وعظيمة إلى درجة أنّها دفعت الاخوة إلى قتل أخيهم وتسبّبت في أن يحملوا أوزاراً كبيرة اخرى منها الكذب وكتمان الجريمة ونسبت أبيهم إلى الضلالة واهانة نبي من الأنبياء وأمثال ذلك.

«الآية الثالثة»تشير إلى قصة اليهود وتتحدث عن سلوكياتهم الذميمة، ونعلم أنّ طائفة عظيمة من بني إسرائيل قد قرأوا علامات النبي في آخر الزمان ومنطقة ظهوره، فرحلوا من (الشامات) إلى (المدينة) ليحظوا بصحبة ذلك النبي ويؤمنوا به، ولذلك كانوا ينتظرونه دائماً.

ولكن بعد ظهور هذا النبي فإنّ الكثير منهم لم يبقوا على تعهدهم والتزامهم المسبق بحمايته ونصرته والإيمان به، بل أصبحوا في صف المخالفين له والمحاربين لدعوته، والسبب الأهم في ذلك هو عنصر«الحسد»والآخر هو ماتوهموا من وقوع منافعهم ومصالحهم في الخطر.

القرآن الكريم يتحدّث لنا عن هذه الحالة لليهود فيقول «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى‌ مَآءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ ا لْكِتَابَ وَا لْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيًما»[1].

أجل فإنّ المشيئة الإلهية قد تعلقت في أن يملك آل إبراهيم والّذين كان اليهود من ذريتهم وأن تكون لهم النبوة والعلم، ولكن المشيئة الإلهية قررت في زمان لاحق أن تتعلق النبوة والعلم بمحمّد وآله الكرام وكلّ ذلك وفقاً للمصالح الّتي تتعلق بها المشيئة الإلهية، فهل أنّ اليهود كانوا يقبلون أن يحسدهم الناس على ما آتاهم اللَّه من فضله في الزمان السالف؟

[1]. سورة النساء، الآية 54.


صفحه 111

إذن فلماذا استعرت في قلوبهم نيران الحسد عندما يرون أنّ نعمة اللَّه قد صارت من نصيب آخرين وبذلك تحركوا في خط الباطل.

«الآية الرابعة»تتحدّث عن طائفة من أهل الكتاب الّذين يتعاملون مع المسلمين من موقع الحسد، والظاهر انها ناظرة إلى اليهود وتقول «وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ا لْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مّن بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ لَهُمُ ا لْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى‌ يَأْتِىَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى‌ كُلّ شَىْ‌ءٍ قَدِيرٌ»[1].

إن الحسد قد يصل بالإنسان إلى درجة أن لا ينحصر تأثيره في الامور المادية مورد التنازع بين الناس عادة فحسب بل قد يتجاوز ذلك إلى الامور المعنوية الّتي لا تتزاحم بطبعها في تواجدها بين أفراد البشر كافة بخلاف حال الامور المادية الّتي تتزاحم بالذات بين الأفراد، وهؤلاء يحسدون المؤمنين من موقع العناد والاصرار ويسحقون على سعادتهم ويديرون ظهورهم للحقّ بسبب امور موهومة، ونفس هذا الحسد يتسبّب أن يضعف في الآخرين أيضاً الدافع لسلوك طريق السعادة والتحرّك في خط الإيمان والتقوى، وهذا من عجائب الحسد.

وقد ذكر الكثير من المفسّرين أنّ جملة«حَسَداً مِنْ عِنْدِ انْفُسِهِمْ»إشارة إلى أنّ العامل لهذه الحالة في نفوسهم هو عنصر الحسد المتجذر في باطنهم والّذي يتفرع من جهلهم وعدم اطلاعهم على حقائق الامور بل حتّى بعد اطلاعهم على الحقيقة يسلكون هذا المسلك المنحرف كما تقول الآية بعد ذلك‌«مّن بَعْدِ مَاتَبَيَّنَ لَهُمُ ا لْحَقُّ».

ولكنّ القرآن الكريم يخاطب المسلمين من موقع الأمر إلى أن يتركوا هؤلاء الحسّاد لحالهم (لأن نار الحسد المستعرة في قلوبهم هي أفضل جزاء لهم) ولكن لا يتصوروا أنّ هذا العفو والصفح من قِبل المسلمين يستمر إلى ما لا نهاية وأنّهم أحرار في سلوك أيّ عدوان واضرار بالآخرين، كلّا.

[1]. سورة البقرة، الآية 109.


صفحه 112

إنّ الزمان سوف يُثبت على انّ العذاب الإلهي سوف يُحيط بهؤلاء المنحرفين والظالمين إما في الدنيا بواسطة جيش الحقّ فيعذبهم اللَّه ويريهم جزاء مؤامراتهم الخبيثة وممارساتهم المنحرفة تجاه أصحاب الحقّ، أو يذيقهم العذاب في الآخرة.

وعلى أيّة حال فهذه الآية تشير إلى أنّ المسلمين الّذين اعتنقوا الإسلام حديثاً عليهم أن لا يستسلموا لوساوس اليهود وغيرهم من المنحرفين وقوى‌ الضلال لأنهم ينطلقون في تعاملهم مع المسلمين من موقع الحسد ولا يريدون سعادتهم بل يتألمون لما يروا من سعادة المسلمين في ظلّ التقوى والإيمان.

«الآية الخامسة»وهي الآية الخامسة من سورة الفلق تشير إلى شرّ الحاسدين وتخاطب النبي بأن يتعوذ باللَّه تعالى من شرّ كلّ حاسد وتقول «وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ»[1].

وفي بداية هذه السورة تخاطب النبي بالقول «قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ا لْفَلَقِ* مِن شَرّ مَا خَلَقَ».

ثمّ تقسم المخلوقات الشريرة إلى ثلاثة أقسام وتقرر أنّ أساس الشرّ والعامل الأصلي له في العالم هي هذه الامور الثلاثة:

الأوّل:المخلوقات الشريرة الّتي تستغل ظلمة الليل وتهجم على الإنسان في حال نومه ويقظته، والتعبير بكلمة(غاسق)(ويعني الموجود الشرير الّذي يهجم في الليل) وذلك لأن الحيوانات الوحشية والحشرات المؤذية تخرج ليلًا من آجامها وجحورها بل إنّ الأشخاص من أهل الشرّ والخبث والدنائة يستغلّون ظلمة الليل غالباً للوصول إلى مقاصدهم الشريرة.

ولكن الظلام هنا يمكن أن يكون له معنىً واسع بحيث يشمل كلّ أنواع الجهل والغفلة والمؤامرات الخبيثة وأمثال ذلك لأن قطّاع طريق الحقّ يستغلون جهل الناس عادة ويهجمون على المؤمنين واصفياء القلوب من موقع التآمر عليهم.

[1]. سورة الفلق، الآية 5.


صفحه 113

ثمّ تشير السورة إلى الأشرار الّذين ينفخون في العقد، وهو تعبير يشير إلى النساء اللواتي يسلكن طريق الإنحراف كما هو حال الساحرات الّذين يقرأن بعض الأوراد والتماتم في حال عملية السحر ثمّ ينفخن في العُقد ويقرأن على البسطاء والسذّج من الناس مطالب وكلمات غير مفهومة، وبهذه الوساوس يسعين إلى ايجاد عنصر الخذلان في إرادتهم ويجرّونهم إلى حال الترديد والتشكيك، فعندما تضعف الإرادة في الإنسان يتسنّى‌ حينئذٍ لجيش الشيطان أن يهجم ويتسلط عليه.

ثمّ تشير الآيات إلى الطائفة الثالثة والأخيرة من طوائف الشرّ وتقول «وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ».

وهنا يتضح أنّ أحد عوامل التخريب والفساد في العالم هو عامل الحسد والتخريب الّذي ينشأ من فعل الحسّاد، وعليه فالآية في حديثها عن المنابع الثلاثة للشرّ والفساد (وهي: المهاجمون في ظلمة الليل، والموسوسون الّذين يتحركون من خلال الإعلام لهدف تضعيف عقائد الناس وايمانهم وايجاد الخلل في العلاقات الاجتماعية، والحاسدون الّذين يتحركون بين الناس من موقع التخريب) فهذه الآيات شاهد ناطق على المراد أي الأضرار الوخيمة للحسد.

أمّا ما ورد في الآية من هذه السورة من الصفة الإلهية(بِرَبِّ الْفَلَقِ)يمكن أن يكون إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ هذه الطوائف الشريرة الثلاثة تستغل دائماً الظلمة والجهل والاختلاف والكفر، فلو أنّ هذه الظلمات تبدّلت إلى نور العلم والاتحاد والايمان فإنّ قوى‌ الانحراف هذه سوف لا تستطيع أن تعمل شيئاً.

«الآية السادسة»من الآيات مورد البحث بعد أن مدحت الأنصار مدحاً بليغاً (وهم الّذين دعوا نبي الإسلام إلى يثرب ونصروه واستقبلوه أحسن استقبال وجعلوا جميع ما لديهم من امكانات تحت اختياره) تحدّثت عن‌(التابعين)وهم الّذين جاءوا بعد المهاجرين والأنصار والتزموا خطّ الايمان واعتنقوا الإسلام واستمروا في خط الايمان، تقول الآية «وَالَّذِينَ‌


صفحه 114

جَآءُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَا نِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًاّ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ»[1].

وعلى هذا الأساس يقول هؤلاء بعد طلبهم المغفرة لهم ولمن تقدّمهم في الإيمان‌(المهاجرين والأنصار)حيث يطلبون من اللَّه تعالى أن يُزيل أي شكل من أشكال‌(الغِل والحقد والحسد)في قلوبهم بالنسبة إلى المؤمنين، لأنهم يعلمون انّه مادامت هذه الامور تعيش في قلب الإنسان فإنّ روابط المحبّة والاخوّة والإتحاد لا يمكن أن تؤثر أثراً وبالتالي لا ينال الفرد التوفيق في حركته الدينية والاجتماعية.

كلمة(غِل)المأخوذة من مادّة(غلل)وكما يقول الراغب في كتابه‌(المفردات)هي في الأصل بمعنى الشي‌ء الخفي الّذي ينفذ تدريجياً وبخفاء، ولهذا يُقال للماء الجاري‌(غلل)لأنّه ينفذ إلى الأشجار تدريجياً.

ثمّ استُعمل الغلول في‌(الخيانة)لأنها تنفذ بخفاء وتدرّج، وكذلك استُعملت في‌(الحقد والحسد)حيث ينفذان إلى القلب بشكل خفي وتدريجي.

وجاء في‌(لسان العرب)أنّ الحسد نوع من‌(الغلّ)كما أنّ من مصاديقه هو الحقد والعداوة أيضاً.

والكثير من المفسّرين يرون في تفسير الغِل بمعنى‌ الحسد كالفخر الرازي في‌(التفسير الكبير)والمراغي في تفسيره والقرطبي في‌(الجامع لأحكام القرآن)في ذيل هذه الآية محل البحث.

«الآية السابعة»والأخيرة من الآيات مورد البحث تتحدّث عن صفات أهل الجنّة وتقول بعد تصريحها باستقبال الملائكة لهم في القيامة ودعائهم لهم بالسلامة والأمن «وَنَزَعْنَا مَافِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَا نًا عَلَى‌ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ»[2].

[1]. سورة الحشر، الآية 10.

[2]. سورة الحجر، الآية 47.