لدعوات الأنبياء السماوية وجود هذه الصفة الذميمة في واقعهم وأنفسهم.
إن الفراعنة والنماردة ابتعدوا عن اللَّه تعالى بسبب غرورهم وبالتالي أصبح مصيرهم الأسود عِبرة للبشرية.
(الغرور)أحياناً يتجلّى في فرد معين، واخرى في قوم ومجتمع أو عِرقٍ بشري، ولا شكّ أنّ القِسم الثاني اخطر على واقع الإنسان والمجتمع لأنّه قد يدمّر بلد كامل أو يُحرق العالم بناره، كما حصل في الحرب العالمية الاولى والثانية حيث كان الغرور والتعصّب العِرقي للألمان على الأقل أحد العوامل المهمّة لنشوب هذين الحربين
وبهذه الإشارة نستعرض أوّلًا تفسير مفردة(الغرور)ومفهومها في منابع اللغة وكتب علماء الأخلاق، ثمّ نعود إلى الآيات والروايات الشريفة لإستجلاء أسباب الغرور وآثاره وافرازاته وطرق علاجه والوقاية منه.
1- مفهوم الغرور
إن هذه المفردة وردت بشكل واسع في كلمات العرب ولاسيّما في الآيات القرآنية الكريمة والروايات الإسلامية.
يقول الراغب في مفرداته عن هذه الكلمة: فالغرور (بفتح الغين ليتضمن معنىً وصفياً) كلّ ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وقد فسّر بالشيطان إذ هو أخبث الغارّين.
وفي (صحاح اللغة) عن كلمة(غُرور)انها بمعنى الامور الّتي تجعل الإنسان غافلًا (سواءاً المال والثروة أو الجاه والمقام أو العلم والمعرفة).
ويقول بعض أرباب اللغة كما يذكر الطريحي في (مجمع البحرين): إن الغُرور هو ما كان جذاباً وجميلًا في ظاهره ولكنه مظلم ومجهول في باطنه.
وجاء في كتاب (التحقيق في كلمات القرآن الكريم) بعد نقل كلمات أرباب اللغة: أنّ الجذر الأصلي لهذه المفردة هي بمعنى اصول الغفلة بسبب التأثر بشيء آخر لدى الإنسان ومن لوازمها وآثارها الجهل والغفلة والنقصان والإنخداع و ...
وجاء في (المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء) الّذي يُعتبر من أفضل كتب الأخلاق وعبارة عن تهذيب لكتاب (إحياء العلوم) للغزالي: «فالغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى ويميل إليه الطبع عن شبهة فاسدة فهو مغرور، وأكثر الناس يظنون بأنفسهم الخير وهم مخطئون فيه، فأكثر الناس إذاً مغرورون وإن اختلفت أصناف غرورهم واختلفت درجاتهم»[1].
وجاء في (التفسير الأمثل) في معنى هذه المفردة أنّ(غَرور)على وزن(جسور)، صيغة مبالغة بمعنى الموجود الشديد الخُداع والحيلة والمكر ولذلك سُمّي الشيطان ب(غَرور)حيث يوسوس للإنسان ويخدعه ويستغفله، وفي الحقيقة هو من قبيل بيان المصداق الواضح، وإلّا فإنّ كلّ إنسان أو كتاب يمكن أن يقع في مقام الوسوسة وكلّ موجود إذا عمل على إضلال الإنسان فإنه يدخل في مصاديق كلمة(غَرور).
الغَرور في القرآن الكريم:
لقد وردت هذه المفردة في القرآن الكريم مرّات عديدة، وكذلك ورد مضمونها في آيات اخرى أيضاً:
1- «قَالَ أَنَا خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ»[2]. 2- «فَقَالَ ا لْمَلَأُ ا لَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَانَريكَ إِلَّا بَشَرًا مّثْلَنَا وَمَا نَرَيكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ وَمَانَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ .... قَالُواْ يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَا لَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ»[3]. 3- «قَالُواْ يَاشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَلكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
[1]المحجّة البيضاء، ج 6، ص 293.
[2]سورة الأعراف، الآية 12.
[3]سورة هود، الآية 27- 32.
لَرَجَمْنَاكَ وَمَآأَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ»[1]. 4- «وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ ا لْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفلَا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ»[2]. 5- «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّاكَانُواْ يَفْتَرُونَ»[3]. 6- «فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ ا لْمُرْسَلِينَ»[4]. 7- «يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ا لْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ ا لْغَرُورُ»[5]. 8- «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَاتُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئنُ السَّمَاوَا تِ وَا لْأَرْضِ وَلكِنَّ ا لْمُنَافِقِينَ لَايَفْقَهُونَ* يَقُولُونَ لَئن رّجَعْنَآ إِلَى ا لْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ ا لْأَعَزُّ مِنْهَا ا لْأَذَلَّ وَلِلَّهِ ا لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ ا لْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ»[6]. 9- «فَأَمَّا ا لْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَليهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ»[7]. 10- «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ* سَيُهْزَمُ ا لْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ».[8]11- «وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ ا لْحَيَاةُ الدُّنْيَا ...»[9].
[1]سورة هود، الآية 91.
[2]سورة الزخرف، الآية 51 و 52.
[3]سورة آل عمران، الآية 24.
[4]سورة الأعراف، الآية 77.
[5]سورة الحديد، الآية 14.
[6]سورة المنافقون، الآية 7 و 8.
[7]سورة الفجر، الآية 15.
[8]سورة القمر، الآية 44 و 45.
[9]سورة الأنعام، الآية 70.
12- «يأَيُّهَا النَّاسُ .... إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ»[1].
تفسير واستنتاج:
إن أوّل شرارة للغرور كما أشرنا إلى ذلك سابقاً كانت في بداية خلق الإنسان وتجلّت في إبليس كما تتحدّث عن هذه الواقعة«الآية الاولى»من الآيات مورد البحث عندما سَأل اللَّه تعالى إبليس عن السبب في امتناعه عن السجود لآدم «قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلّا تَسْجُدَ اذْ امَرْتُكَ ...»[2].
قال الشيطان الّذي تملّكه الغرور والعُجب «قَالَ أَنَا خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ»[3].
أجل فإنّ حجاب الغرور والعجب قد أسدل على عين بصيرته حجاباً سميكاً إلى درجة أنّه لم يسوّغ له سلوك طريق السعادة وامتثال الأمر الإلهي الصريح، فسقط في هُوَّة العصيان والتمرد وأصبح مطروداً وملعوناً إلى الأبد، وعلى هذا يمكن القول انه كما أنّ قائد المستكبرين في العالم هو إبليس، فكذلك قائد المغرورين في العالم إبليس أيضاً، وهذان المفهومان أيّ الغرور والإستكبار بمثابة اللازم والملزوم.
إن إبليس وبسبب الغرور والإستكبار لم يستطع أن يرى حقيقة كرامة التراب على النار وأفضلية التوبة على العناد والإصرار على الذنب، فكان من ذلك أن سلك في خط الضلال والتيْه وبقي كذلك إلى الأبد.
«الآية الثانية»تتحدّث عن قصة نوح أيْ أوّل أنبياء اولو العزم وتوضح جيداً أنّ أحد العوامل المهمّة في عناد قومه ووقوفهم ضد دعوته وارشاداته المخلصة من موقع الغرور هو
[1]سورة لقمان، الآية 33.
[2]سورة الأعراف، الآية 12.
[3]سورة الأعراف، الآية 12.
هذه الصفة الرذيلة (الغرور) حيث تقول الآية «فَقَالَ ا لْمَلَأُ ا لَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَانَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ وَمَانَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ»[1].
وبعد عدّة آيات يستعرض القرآن الكريم حالة الغرور والعُجب أكثر لدى هؤلاء الضالين حيث قالوا لنوح بصراحة «قَالُواْ يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَا لَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ»[2].
عادّة يتخذ الإنسان طريقاً يُبعده عن الأضرار المحتملة بحكم العقل ويتجنب عن سلوك الطريق الّذي يُحتمل أن يواجه الخطر فيه، ولكن هؤلاء القوم المغرورين وبالرغم من مشاهدتهم لآثار حقّانية دعوة هذا النبي الكريم من خلال معجزاته ووجود احتمال نزول العذاب الإلهي فإنّهم لم يكتفوا بعدم الإهتمام والإعتناء بدعوته بل تحرّكوا مع دعوة نوح من موقع طلبهم لنزول العذاب الإلهي.
أجل فإنّ ذلك الغرور الّذي صار حجاباً على بصيرة الشيطان قد أصبح حجاباً لقوم نوح عن رؤية الحقيقة، وبالتالي ذاقوا العذاب الإلهي الشديد وهلكوا عن آخرهم، وهذا هو مصير المغرورين على طول التاريخ.
وتأتي«الآية الثالثة»لتتحدّث عن قوم شعيب الّذين جاءوا بعد قوم نوح وتورطوا في الغرور والعُجب أيضاً فكان مصيرهم هو نفس ذلك المصير المؤلم حيث تقول الآية «قَالُواْ يَاشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآأَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ»[3].
هؤلاء في الحقيقة لن يجدوا جواباً منطقياً أمام البراهين العقلية والدعوة السماوية الحكيمة والمعجزات الإلهية الّتي جاء بها شعيب، ولكنّ غرورهم وأنفتهم لم تبح لهم
[1]. سورة هود، الآية 27.
[2]. سورة هود، الآية 32.
[3]. سورة هود، الآية 91.
الإستسلام أمام دعوة الحقّ وبالتالي غشيهم العذاب الإلهي وأصابتهم الصاعقة السماوية والصيحة المهولة، فدمّرت كلّ ما لديهم في طرفة عين، ولم تبق لهم سوى أجساد متمزقة وآثار خاوية.
«الآية الرابعة»ناظرة إلى قصة فرعون وتستعرض بُعداً آخر من أبعاد هذه الصفة الرذيلة، وتشير إلى أنّ الغرور والعُجب قد يمتد إلى باطن الإنسان ويستولي على عقله وروحه بحيث انه ليس فقط لا يهتم بالأدلة الواضحة على نبوة موسى عليه السلام بل يواجهها بكلمات طفولية تنطلق من موقع العناد والغرور حيث تقول الآية «وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ ا لْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفلَا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ»[1].
ثمّ تمادى فرعون في مواجهته لموسى وتمسّك بكلمات واهية وغير منطقية من قبيل أنّ موسى إذا كان صادقاً فلماذا لا يلبس الأسورة من الذهب؟ ولماذا لم تنزل الملائكة معه؟
وهكذا نجد أنّ الأشخاص المغرورين كالفراعنة والنمروديين وبسبب إهمالهم لدعوة الحقّ وغرورهم لا يدركون جيداً ماذا يقولون ولا يهتمون لذلك حيث نجد كثيراً أنّ مثل هؤلاء يتكلمون بكلمات سخيفة بحيث يسخر منها حتّى المقربون منهم في أنفسهم، ومن المعلوم أنّ هذه الحالة تتسبّب في غلق جميع نوافذ المعرفة الإلهية أمام الإنسان، وايصاد جميع الطرق لسلوك سبيل الكمال المعنوي والتعالي الأخلاقي.
واللطيف أنّ موسى الّذي كان يشكو من لُكنة في لسانه تتعلق بمرحلة الطفولة ولكنه عندما بُعث إلى النبوة وطلب من اللَّه تعالى أن يحلُل عقدةً من لسانه فإنّ اللَّه تعالى استجاب له ذلك ولكنّ فرعون لم يهتم لهذه الظاهرة العجيبة وبقي مصراً على وضعه السابق حيث أشار في كلامه إلى تلك اللكنة الّتي كانت لدى موسى في الصِغر.
«الآية الخامسة»تشير إلى اليهود الّذين كانوا يرون في أنفسهم حالة من التشخّص
[1]. سورة الزخرف، الآية 51 و 52.
والغرور والعُجب بتصورهم مميزات مختصة بهم تجعلهم يتفوقون ويمتازون على غيرهم من أفراد البشر، وهذا التفكير الخاطيء هو السبب في ضلالهم وطغيانهم حيث تقول الآية «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَا تٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّاكَانُواْ يَفْتَرُونَ»[1].
أي أنّ اللَّه إذا أراد أن يعذبنا فإنّ عذابه سيكون خفيفاً ولأيّام معدودة وذلك بسبب اننا قوم ممتازون.
إن تاريخ بني إسرائيل يشير إلى انّ هؤلاء القوم كانوا أكثر الأقوام والشعوب طغياناً وذنوباً، وأحد العوامل والأسباب المهمة في سلوكهم الخاطيء هذا هو الغرور والعُجب لديهم.
ومع الأسف إننا نجد أنّ طائفة منهم باسم (الصهاينة) يرتكبون كلّ يوم جرائم بشعة ضدّ الشعوب البشرية بسبب ما دخلهم من الغرور الكبير بعرقهم وامتيازاتهم الزائفة، وفي ذلك شوّهوا تاريخهم السيّء أكثر من السابق.
هؤلاء يريدون كلّ شيء لهم ولا يرون للآخرين الحقّ في أيّ شيء، فهم يرون أنّهم قوم متميزون على سائر البشر وينظرون إلى الآخرين نظر الاحتقار والدونية.
«الآية السادسة»ناظرة إلى قوم صالح، الّذين قد أسكرهم الغرور إلى درجة أنّهم طلبوا من نبيّهم نزول العذاب الإلهي عليهم، بالرغم من رؤيتهم المعجزات الإلهية على يد نبيّهم صالح فتقول الآية «فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ ا لْمُرْسَلِينَ»[2].
ويتابع القرآن الكريم ما حدث لهؤلاء القوم الظالمين ويتحدّث عن مصيرهم المأساوي ويقول: «فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين» وهكذا كانت عاقبة القوم المغرورين.
[1]. سورة آل عمران، الآية 24.
[2]. سورة الأعراف، الآية 77.
«الآية السابعة»تتحدّث عن أهل النار الّذين يعيشون العذاب والظلمة الشديدة يوم القيامة في حين يعيش المؤمنون بنور الإيمان ويردون عرصات المحشر مسرعين، فيناديهم هؤلاء المنافقون وأهل النار: «يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ا لْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ ا لْغَرُورُ»[1].
ثمّ تقول الآية الّتي بعدها بصراحة انه يُقال لهم «فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الّذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير».
وهنا يتجلّى بصورة واضحة أنّ أحد الصفات البارزة لهؤلاء المنافقين من أهل النار هي الغرور والإبتلاء بحبال الأماني الطويلة والتوهمات الزائفة في حركة الحياة الدنيوية.
وكما ذكرنا في بداية البحث أنّ كلمة(غَرور)تتضمن معنى الخداع والمكر، ولكن أحياناً يخدع الإنسان نفسه أيضاً ويكون مغروراً بذلك، وأحياناً اخرى ينخدع بوساوس الشيطان أو الأفراد الّذين يعيشون حالة الشيطنة والمكر.
«الآية الثامنة»تتحدّث عن المنافقين المغرورين في هذه الدنيا وكيف أنّهم ينظرون إلى فقراء المؤمنين الحقيقيين من موقع الحقارة والإزدراء ويتظاهرون أمامهم بالثروة والمال حيث تقول الآية متحدّثة عنهم وعن حالة الغرور المسيطرة عليهم «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئنُ السَّمَاوَا تِ وَا لْأَرْضِ وَلكِنَّ ا لْمُنَافِقِينَ لَايَفْقَهُونَ»[2].
ثمّ يصل بهم الغرور إلى ذروته بحيث يصرّحون بأنه إذا رجعنا من ميدان الحرب إلى المدينة فسوف نُثبت لهؤلاء الفقراء والمعدمين مَن نحنُ «يَقُولُونَ لَئن رّجَعْنَآ إِلَى ا لْمَدِينَةِ
[1]. سورة الحديد، الآية 14.
[2]. سورة المنافقون، الآية 7.