12- «يأَيُّهَا النَّاسُ .... إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ»[1].
تفسير واستنتاج:
إن أوّل شرارة للغرور كما أشرنا إلى ذلك سابقاً كانت في بداية خلق الإنسان وتجلّت في إبليس كما تتحدّث عن هذه الواقعة«الآية الاولى»من الآيات مورد البحث عندما سَأل اللَّه تعالى إبليس عن السبب في امتناعه عن السجود لآدم «قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلّا تَسْجُدَ اذْ امَرْتُكَ ...»[2].
قال الشيطان الّذي تملّكه الغرور والعُجب «قَالَ أَنَا خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِى مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ»[3].
أجل فإنّ حجاب الغرور والعجب قد أسدل على عين بصيرته حجاباً سميكاً إلى درجة أنّه لم يسوّغ له سلوك طريق السعادة وامتثال الأمر الإلهي الصريح، فسقط في هُوَّة العصيان والتمرد وأصبح مطروداً وملعوناً إلى الأبد، وعلى هذا يمكن القول انه كما أنّ قائد المستكبرين في العالم هو إبليس، فكذلك قائد المغرورين في العالم إبليس أيضاً، وهذان المفهومان أيّ الغرور والإستكبار بمثابة اللازم والملزوم.
إن إبليس وبسبب الغرور والإستكبار لم يستطع أن يرى حقيقة كرامة التراب على النار وأفضلية التوبة على العناد والإصرار على الذنب، فكان من ذلك أن سلك في خط الضلال والتيْه وبقي كذلك إلى الأبد.
«الآية الثانية»تتحدّث عن قصة نوح أيْ أوّل أنبياء اولو العزم وتوضح جيداً أنّ أحد العوامل المهمّة في عناد قومه ووقوفهم ضد دعوته وارشاداته المخلصة من موقع الغرور هو
[1]سورة لقمان، الآية 33.
[2]سورة الأعراف، الآية 12.
[3]سورة الأعراف، الآية 12.
هذه الصفة الرذيلة (الغرور) حيث تقول الآية «فَقَالَ ا لْمَلَأُ ا لَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَانَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْىِ وَمَانَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ»[1].
وبعد عدّة آيات يستعرض القرآن الكريم حالة الغرور والعُجب أكثر لدى هؤلاء الضالين حيث قالوا لنوح بصراحة «قَالُواْ يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَا لَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ»[2].
عادّة يتخذ الإنسان طريقاً يُبعده عن الأضرار المحتملة بحكم العقل ويتجنب عن سلوك الطريق الّذي يُحتمل أن يواجه الخطر فيه، ولكن هؤلاء القوم المغرورين وبالرغم من مشاهدتهم لآثار حقّانية دعوة هذا النبي الكريم من خلال معجزاته ووجود احتمال نزول العذاب الإلهي فإنّهم لم يكتفوا بعدم الإهتمام والإعتناء بدعوته بل تحرّكوا مع دعوة نوح من موقع طلبهم لنزول العذاب الإلهي.
أجل فإنّ ذلك الغرور الّذي صار حجاباً على بصيرة الشيطان قد أصبح حجاباً لقوم نوح عن رؤية الحقيقة، وبالتالي ذاقوا العذاب الإلهي الشديد وهلكوا عن آخرهم، وهذا هو مصير المغرورين على طول التاريخ.
وتأتي«الآية الثالثة»لتتحدّث عن قوم شعيب الّذين جاءوا بعد قوم نوح وتورطوا في الغرور والعُجب أيضاً فكان مصيرهم هو نفس ذلك المصير المؤلم حيث تقول الآية «قَالُواْ يَاشُعَيْبُ مَانَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآأَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ»[3].
هؤلاء في الحقيقة لن يجدوا جواباً منطقياً أمام البراهين العقلية والدعوة السماوية الحكيمة والمعجزات الإلهية الّتي جاء بها شعيب، ولكنّ غرورهم وأنفتهم لم تبح لهم
[1]. سورة هود، الآية 27.
[2]. سورة هود، الآية 32.
[3]. سورة هود، الآية 91.
الإستسلام أمام دعوة الحقّ وبالتالي غشيهم العذاب الإلهي وأصابتهم الصاعقة السماوية والصيحة المهولة، فدمّرت كلّ ما لديهم في طرفة عين، ولم تبق لهم سوى أجساد متمزقة وآثار خاوية.
«الآية الرابعة»ناظرة إلى قصة فرعون وتستعرض بُعداً آخر من أبعاد هذه الصفة الرذيلة، وتشير إلى أنّ الغرور والعُجب قد يمتد إلى باطن الإنسان ويستولي على عقله وروحه بحيث انه ليس فقط لا يهتم بالأدلة الواضحة على نبوة موسى عليه السلام بل يواجهها بكلمات طفولية تنطلق من موقع العناد والغرور حيث تقول الآية «وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ ا لْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفلَا تُبْصِرُونَ* أَمْ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ»[1].
ثمّ تمادى فرعون في مواجهته لموسى وتمسّك بكلمات واهية وغير منطقية من قبيل أنّ موسى إذا كان صادقاً فلماذا لا يلبس الأسورة من الذهب؟ ولماذا لم تنزل الملائكة معه؟
وهكذا نجد أنّ الأشخاص المغرورين كالفراعنة والنمروديين وبسبب إهمالهم لدعوة الحقّ وغرورهم لا يدركون جيداً ماذا يقولون ولا يهتمون لذلك حيث نجد كثيراً أنّ مثل هؤلاء يتكلمون بكلمات سخيفة بحيث يسخر منها حتّى المقربون منهم في أنفسهم، ومن المعلوم أنّ هذه الحالة تتسبّب في غلق جميع نوافذ المعرفة الإلهية أمام الإنسان، وايصاد جميع الطرق لسلوك سبيل الكمال المعنوي والتعالي الأخلاقي.
واللطيف أنّ موسى الّذي كان يشكو من لُكنة في لسانه تتعلق بمرحلة الطفولة ولكنه عندما بُعث إلى النبوة وطلب من اللَّه تعالى أن يحلُل عقدةً من لسانه فإنّ اللَّه تعالى استجاب له ذلك ولكنّ فرعون لم يهتم لهذه الظاهرة العجيبة وبقي مصراً على وضعه السابق حيث أشار في كلامه إلى تلك اللكنة الّتي كانت لدى موسى في الصِغر.
«الآية الخامسة»تشير إلى اليهود الّذين كانوا يرون في أنفسهم حالة من التشخّص
[1]. سورة الزخرف، الآية 51 و 52.
والغرور والعُجب بتصورهم مميزات مختصة بهم تجعلهم يتفوقون ويمتازون على غيرهم من أفراد البشر، وهذا التفكير الخاطيء هو السبب في ضلالهم وطغيانهم حيث تقول الآية «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَا تٍ وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّاكَانُواْ يَفْتَرُونَ»[1].
أي أنّ اللَّه إذا أراد أن يعذبنا فإنّ عذابه سيكون خفيفاً ولأيّام معدودة وذلك بسبب اننا قوم ممتازون.
إن تاريخ بني إسرائيل يشير إلى انّ هؤلاء القوم كانوا أكثر الأقوام والشعوب طغياناً وذنوباً، وأحد العوامل والأسباب المهمة في سلوكهم الخاطيء هذا هو الغرور والعُجب لديهم.
ومع الأسف إننا نجد أنّ طائفة منهم باسم (الصهاينة) يرتكبون كلّ يوم جرائم بشعة ضدّ الشعوب البشرية بسبب ما دخلهم من الغرور الكبير بعرقهم وامتيازاتهم الزائفة، وفي ذلك شوّهوا تاريخهم السيّء أكثر من السابق.
هؤلاء يريدون كلّ شيء لهم ولا يرون للآخرين الحقّ في أيّ شيء، فهم يرون أنّهم قوم متميزون على سائر البشر وينظرون إلى الآخرين نظر الاحتقار والدونية.
«الآية السادسة»ناظرة إلى قوم صالح، الّذين قد أسكرهم الغرور إلى درجة أنّهم طلبوا من نبيّهم نزول العذاب الإلهي عليهم، بالرغم من رؤيتهم المعجزات الإلهية على يد نبيّهم صالح فتقول الآية «فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ وَقَالُواْ يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِنْ كُنتَ مِنَ ا لْمُرْسَلِينَ»[2].
ويتابع القرآن الكريم ما حدث لهؤلاء القوم الظالمين ويتحدّث عن مصيرهم المأساوي ويقول: «فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين» وهكذا كانت عاقبة القوم المغرورين.
[1]. سورة آل عمران، الآية 24.
[2]. سورة الأعراف، الآية 77.
«الآية السابعة»تتحدّث عن أهل النار الّذين يعيشون العذاب والظلمة الشديدة يوم القيامة في حين يعيش المؤمنون بنور الإيمان ويردون عرصات المحشر مسرعين، فيناديهم هؤلاء المنافقون وأهل النار: «يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى وَلكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ا لْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ ا لْغَرُورُ»[1].
ثمّ تقول الآية الّتي بعدها بصراحة انه يُقال لهم «فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الّذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير».
وهنا يتجلّى بصورة واضحة أنّ أحد الصفات البارزة لهؤلاء المنافقين من أهل النار هي الغرور والإبتلاء بحبال الأماني الطويلة والتوهمات الزائفة في حركة الحياة الدنيوية.
وكما ذكرنا في بداية البحث أنّ كلمة(غَرور)تتضمن معنى الخداع والمكر، ولكن أحياناً يخدع الإنسان نفسه أيضاً ويكون مغروراً بذلك، وأحياناً اخرى ينخدع بوساوس الشيطان أو الأفراد الّذين يعيشون حالة الشيطنة والمكر.
«الآية الثامنة»تتحدّث عن المنافقين المغرورين في هذه الدنيا وكيف أنّهم ينظرون إلى فقراء المؤمنين الحقيقيين من موقع الحقارة والإزدراء ويتظاهرون أمامهم بالثروة والمال حيث تقول الآية متحدّثة عنهم وعن حالة الغرور المسيطرة عليهم «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ وَلِلَّهِ خَزَآئنُ السَّمَاوَا تِ وَا لْأَرْضِ وَلكِنَّ ا لْمُنَافِقِينَ لَايَفْقَهُونَ»[2].
ثمّ يصل بهم الغرور إلى ذروته بحيث يصرّحون بأنه إذا رجعنا من ميدان الحرب إلى المدينة فسوف نُثبت لهؤلاء الفقراء والمعدمين مَن نحنُ «يَقُولُونَ لَئن رّجَعْنَآ إِلَى ا لْمَدِينَةِ
[1]. سورة الحديد، الآية 14.
[2]. سورة المنافقون، الآية 7.
لَيُخْرِجَنَّ ا لْأَعَزُّ مِنْهَا ا لْأَذَلَّ وَلِلَّهِ ا لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ ا لْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ»[1].
إذا لم يكن المنافقون يعيشون حالة(الغرور)فلا داعي لأن يتبجّحوا بثروتهم وأموالهم أمام المؤمنين وينظروا إليهم نظر الاحتقار والإزدراء وبالتالي ينزلقون في وادي الكفر والنفاق والضلال.
«الآية التاسعة»تتحدّث عن طبيعة الإنسان، أو بعبارة اخرى: طبيعة الإنسان الّذي لم يتكامل في مدارج الكمال الأخلاقي بل بقي في حالة عدم النُضج النفسي والروحي، فمثل هذا الإنسان عندما يجد اللَّه قد أنعم عليه نعمة فإنه يتملكه الغرور والطغيان بسبب ضيق افقه وتفكيره فتقول الآية «فَأَمَّا ا لْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَيهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ»[2].
إذا كان هذا الكلام صادراً من موقع الشكر والثناء للَّهتعالى فإنه يدلّ على التواضع قطعاً ويدفع الإنسان بالتالي إلى مساعدة الأيتام والمساكين، ولكن كما هو الظاهر من جوّ الآيات أنّ هذا الإنسان بعد ذلك يتحدّث من موقع الغرور والعجب، وبهذا فإنّ هذا الكلام ليس فقط لا يترتب عليه أثراً إيجابياً ومطلوباً بل سيكون مصدراً لطغيانه وتكبره على الحقّ.
«الآية العاشرة»تتحدّث عن المشركين الأنانيين والمغرورين في مكّة وتقول «أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ»[3].
ولكن اللَّه تعالى بعد ذلك يحذر هؤلاء المغرورين وينذرهم بالعذاب القريب ويقول «سَيُهْزَمُ ا لْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ»[4].
وفي جميع هذه الموارد نلاحظ جيداً أنّ الغرور يمثل عاملًا مهماً في تورط الإنسان في
[1]. سورة المنافقون، الآية 8.
[2]. سورة الفجر، الآية 15.
[3]. سورة القمر، الآية 44.
[4]. سورة القمر، الآية 45.
دوّامة الذنوب والشقاء والتعاسة، والقرآن الكريم يُخبرنا بخبر إعجازي عن إنهزام هؤلاء المغرورين وسرعان ما تلحق بهم الهزيمة والدمار ويكونون عبرة للآخرين.
«الآية الحادي عشر»تتحدّث عن المشركين الّذين اتخذوا الدين السماوي لعباً ولهواً بسبب الغرور الّذي أصابهم والّذي ادّى بهم إلى الكفر والعناد مع الحقّ فتقول الآية «وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ ا لْحَيَاةُ الدُّنْيَا ...»[1].
ولعلّ هذا التعبير يشير إلى أنّ هؤلاء لا يقبلون الهداية وغير جديرين بها، لأن الغرور قد اسكرهم إلى درجة أنّهم خُدعوا بزخارف الدنيا وبريقها المادي، فهم لا يجدون في أنفسهم استعداداً للتسليم والإذعان للحقّ ولا يواجهون الحقّ إلّاعلى مستوى السخرية والاستهزاء، وهذا يعني عمق الفاجعة الّتي تورطوا فيها بسبب غرورهم وعُجبهم.
وعبارة(دينهم)هي إشارة إلى فطرية الدين الإلهي حيث يشترك فيه جميع أفراد البشر حتّى المشركين، أو هو إشارة إلى الأشخاص الّذين اتخذوا دينهم الوثني سخرية بسبب الغرور، فلا يجدون في أنفسهم إلتزاماً بأحكام الوثنية ولا يتحركون مع الأوثان من موقع الانضباط والإلتزام، أو إشارة إلى الدين الإسلامي الّذي أنزله اللَّه تعالى من أجلهم ولمصلحتهم.
«الآية الثانية عشر»تتحرّك من موقع التحذير لجميع الناس بأن لا ينخدعوا بالحياة الدنيا وبزخارفها ولا يغتروا بجمالها المادي ولا يقعوا في مصائد الشيطان وتقول «يأَيُّهَا النَّاسُ .... إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ»[2].
واللطيف أنّ هذه الآية ذكرت من أسباب الغرور سببين: أحدهما زخارف الدنيا، والثاني الشيطان، وهذا التعبير يدلّ على أنّ الإنسان أحياناً يغتر بالأوهام وبالتصورات الواهية بدون
[1]. سورة الأنعام، الآية 70.
[2]. سورة لقمان، الآية 33.
أن يحظى بشيء من الحياة المادية المرفهة ويتصور لنفسه مقاماً ومنزلة غير واقعية، وبذلك يطغى أمام الحقّ ويواجه اللَّه والدين من موقع الطغيان والتكبّر ويقع في شراك الشيطان، وصحيح أنّ زخارف الدنيا وجمالها وبريقها هو أحد مصائد الشيطان، ولكن أحياناً يكون الخيال والتصوّرات الذهنية نافذة يعبر منها الشيطان ويستقر في فكره ويوسوس له ما يغتر به.
النتيجة النهائية:
ومن مجموع ما تقدّم من الآيات الكريمة وتفسيرها تتبيّن لنا هذه الحقيقة، وهي أنّ مسألة الغرور والعُجب والأنفة كانت من العوامل الأصلية للفساد والإنحراف والكفر والنفاق منذ أن وضع آدم قدمه على هذه الكرة الأرضيه وحتّى في جميع أدوار التاريخ البشري وعصور الأنبياء والأقوام السالفة وإلى هذا اليوم، وقراءة هذه الشواهد ومطالعة هذه الآيات يشير إلى أيّة درجة كانت هذه الصفة الرذيلة مصدر شقاء طائفه عظيمة من الشعوب والمجتمعات البشرية، ولو لم يكن دليلًا على قبح هذه الرذيلة الأخلاقية سوى هذه الآيات لكفى ذلك.
1- الغرور في الروايات الإسلامية
إنّ الموقف السلبي والشديد من الغرور في الروايات الإسلامية ينعكس في أبواب كثيرة وطوائف متعددة من الروايات:
1- ففي حديث عن الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام يقول:«سُكْرُ الْغَفْلَةِ وَالْغُرُورِ ابْعَدُ افَاقَةً مِنْ سُكْرِ الْخَمُورِ»[1].
2- وفي حديث آخر عن هذا الإمام أنّه قال:«جِمَاعُ الشَّرِّ فِي الْاغرَارِ بِالْمَهَل وَالْاتِّكَالِ
[1]. غرر الحكم، ح 5750.