بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 153

الحسنات كما ورد في الحديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال‌«غَرُورُ الْامَلِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ»[1].

5- إن الغرور يمنع من التفكّر في عواقب الامور كما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام قوله‌«لَمْ يُفَكِّرْ فِي عَوَاقِبِ الْامُورِ مَنْ وَثِقَ بِزُورِ الْغُرُورِ»[2].

6- انّ الغرور غالباً ما يتسبّب في الندم وذلك لأن الإنسان المغرور لا يستطيع التقييم الصحيح للحوادث بالنسبة له وللآخرين وسيقع في محاسباته الفردية والإجتماعية في الخطأ والاشتباه، وهذا الأمر يُفضي به إلى الندم، وفي هذا المجال يقول أميرالمؤمنين عليه السلام:

«الدنيا حلم والأغترار بها ندمٌ»[3].

7- ويمكن القول في جملة واحدة: إن الأشخاص الّذين يعيشون حالة الغرور هُم في الواقع فقراء ومساكين في الدنيا والآخرة كما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام‌«الْمَغْرُورُ فِي الدُّنْيَا مِسْكِينٌ وفِي الْآخِرَةِ، مَغْبُونٌ لِانَّهُ بَاعَ الْافْضلَ بِالْادْنَى»[4].

5- طرق علاج الغرور

بما أنّ الغرور ينشأ غالباً من الجهل وعدم المعرفة بالنفس وعدم تقييم الذات بشكل صحيح فإنّ أوّل خطوة لعلاج هذا المرض الأخلاقي هو معرفة النفس ومعرفة اللَّه تعالى‌ وكذلك معرفة الاستعدادات والقابليات لدى‌ الأشخاص الآخرين.

إذا رجع الإنسان في ذكرياته إلى مرحلة الطفولة وجد نفسه عاجزاً عن كلّ شي‌ء، وإذا تفكّر الإنسان في المراحل المتقدّمة من عمره وجد نفسه عاجزاً أيضاً عن عمل أيّ شي‌ء، وإذا تفكّر فيما لديه من القدرة والمال والثروة والشباب والجمال، لوجد انّ جميع هذه الامور

[1]. غرر الحكم، ح 6390.

[2]. غرر الحكم، ح 7566.

[3]. غرر الحكم، ح 1384.

[4]. ميزان الحكمة، ج 3، ص 2237 (مادّة غرور).


صفحه 154

تتعرض للتلف والزوال وتصيبها الآفات المختلفة.

وكذلك إذا عاد لينظر في تاريخ الأقوام السالفة والمجتمعات البشريه الماضية وسرعة زوال قدراتها وتلف أموالها وثرواتها وإندثار ما تبقى‌ من امكاناتها وحضارتها وشموخها، لما أصابه الغرور.

كيف يغتر الإنسان بعلمه والحال انه من المحتمل أن يُصاب بضربة على رأسه فينسى‌ جميع علومه بل ينسى‌ حتّى اسمه؟

وكيف يغتر الإنسان بأمواله في حين أنّ تغييراً بسيطاً في السوق أو وقوع حادثة مهمة اجتماعية أو سياسية أو عسكرية بامكانها أن تُبيد جميع أمواله بل قد يغرق في الدين والقرض أيضاً.

وعلى أيّة حال فإنّ ممّا يزيل عن الإنسان حالة الغرور والفخر والسكر بزخارف الدنيا وبريقها هو معرفة النفس وأوضاع العالم الدنيوي المتحركة وعدم ثباتها وكثرة تغيرها وتبدلّها.

والقرآن الكريم يخاطب هؤلاء المغرورين من موقع التحذير والإنذار ويقول: «أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»[1].

وشبيه هذا المعنى ورد في سورة غافر الآية 21 و 82 أيضاً إذا تفكر الإنسان جيداً في معالم وأعضاء جسمه وكوامن روحه ونفسه لوجد الضعف مهيمناً على أجواء كيانه وكيف أنّ الحوادث الجزئية والتوافة بإمكانها أن تهدم حياته وتشل حركته فسوف لا يصاب بسكر الغرور أبداً كما يقول أميرالمؤمنين عليه السلام‌«مِسْكِينُ بْنُ آدَمَ مَكْتُومُ الْاجَلِ، مَكْنُونُ الْعِلَلِ مَحْفُوظُ الْعَمَلِ، تُؤْلِمُهُ الْبَقَّةُ وَتَقْتُلُهُ الشَّرْقَةُ وتُنْتِنُهُ الْعَرْقَةُ»[2].

[1]. سورة الروم، الآية 9.

[2]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 419.


صفحه 155

ونقرأ في حالات (عيّاض) الوزير المعروف والمقتدر للسلطان محمود الغزنوي حيث ورد انه كان يدخل كلّ يوم في غرفة خاصّة ويغلق الباب من ورائه وبعد لحظات يخرج منها، فلفت هذا السلوك نظر البعض وتعجّبوا من هذا السلوك وتصوروا أن سرّاً خطيراً كامناً في هذه الغرفة، وبعد التحقيق اتّضح لهم انه اخفى‌ ملابسه الّتي كان يلبسها أيّام كان راعياً للغنم في هذه الغرفة، وكلّ يوم يدخل إلى هذه الغرفة لينظر إلى تلك الملابس الرثّة ويقول لنفسه: لقد كنتَ يا عياض راعياً للغنم والآن سلّمك اللَّه مقام الوزارة، فلا تغتر بذلك وعليك أن تخشى‌ غداً عندما تفقد هذا المقام وعليك دينٌ ولا تستطيع الوفاء به.

ولو أنّ جميع أرباب القدرة والسلطة سلكوا هذا المسلك في تربية نفوسهم فإنّ الغرور لا يجد طريقاً للنفوذ إلى قلوبهم، ولكن مع الأسف فإنّ كلّ إنسان لا يكون مثل عيّاض.


صفحه 156

8- طول الأمل‌

تنويه:

إن‌(طول الأمل)يُعد من أهم الرذائل الأخلاقية الّتي تجر الإنسان إلى ارتكاب أنواع الذنوب والخطايا وتبعده عن اللَّه تعالى وتسلك به في خط الشيطان وبالتالي يترتب على ذلك الكثير من العواقب الوخيمة.

وبالطبع فإنّ أصل‌(الأمل)ليس فقط غير مذموم بل له دور مهم في إدامة حركة الحياة والتطور البشري في الأبعاد المادية والمعنوية.

إذا سُلب الأمل من قلب‌(الامّ)فإنّها لا تجد دافعاً لإرضاع طفلها وتحمل أنواع المشقة والألم بتربيته وتنشئته كما ورد هذا المعنى في الحديث النبوي الشريف‌«الْامَلُ رَحْمَةٌ لِامَّتِي وَلَوْلَا الْامَلُ مَارَضِعَتْ وَالِدَةٌ وَلَدَهَا وَلَا غَرَسَ غَارِسٌ شَجَرَهَا»[1].

إن من يعلم مثلًا بأن هذا اليوم هو آخر يوم من حياته أو أنّه سيموت بعد أيّام قليلة ويغادر الدنيا فإنه سيترك جميع ما في يده من أعمال ونشاطات في دائرة المعيشة والعلاقات الإجتماعية، وفي الحقيقة فإنّ ذلك يعني انطفاء شعلة الحياة ولعلّ أحد الأسباب لخفاء الأجل هو أن يبقى الإنسان في حالة الأمل والرجاء ويعيش الحركة الطبيعية في امور المعيشة.

[1]. بحار الأنوار، ج 74، ص 173.


صفحه 157

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 158

كما نقرأ هذا المعنى في ما ورد عن المسيح عليه السلام (انه كان جالساً يوماً في مكان وشاهد شيخاً كبيراً يحرث الأرض بمسحاته ويعمل على سقي الأرض وزراعتها، فطلب المسيح عليه السلام من اللَّه تعالى أن يسلب منه الأمل في الحياة: اللهم انزع منه الأمل فوضع الشيخ المسحاة واضطجع فلبث ساعة فقال عيسى‌ اللّهم أردد إليه الأمل فقام وجعل يعمل فسأله عيسى‌ عن ذلك فقال بينما أنا أعمل إذ قالت لي نفسي إلى‌ متى‌ تعمل وأنت شيخ كبير فألقيت المسحاة واضطجعت ثمّ قالت لي نفسي واللَّه لابدّ لك من عيشٍ ما بقيت فقمت إلى‌ مسحاتي‌[1].

ولهذا السبب فإنّ الأمل ضروريٌ في ايجاد التحرّك أكثر لدى أفراد المجتمع من موقع النظر إلى المستقبل في حركة الحياة.

ولكنّ نفس هذا الأمل الّذي يُعدّ رمز حركة الإنسان وسعيه في حياته الدنيوية والماء الّذي يسقي أرض حياته الميّتة ويُنعش احساساته وعواطفه بغدٍ أفضل، نفس هذا الأمل إذا تجاوز عن حدّه المرسوم أصبح على شكل سيل مدمّر يأتي على الأخضر واليابس ويُغرق الإنسان في وحل حبّ الدنيا والظلم والجريمة والإثم.

ولهذا نجد أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يرى في‌(طول الأمل)أحد العدوّين الشرسين للإنسان ويقول:«إنّ أشد ما أخاف عليكم خِصْلَتَانٌ اتِّبَاعُ الْهَوى‌ وَطُولُ الْامَلِ، فَامَّا اتِّبَاعُ الْهَوى‌ فَانَّهُ يَعْدِلُ عَنِ الْحَقِّ، امَّا طُولُ الْامَلِ فَانَّهُ يُحبب الدُّنْيَا»[2].

وشبيه هذا المعنى بتفاوت يسير ورد أيضاً عن أميرالمؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة.

وبهذه الإشارة نعود إلى آيات القرآن الكريم لنستوحي منها نتيجة طول الأمل وأثره في مصير الأقوام السالفة والمجتمعات البشريه بشكل عام:

1- «وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا

[1]. بحار الأنوار، ج 14 ص 329 مع التوضيح.

[2]. المحجّة البيضاء، ج 8، ص 245.


صفحه 159

قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ا لْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءَالَا ءَ اللَّهِ وَلَاتَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»[1].

2- «أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ»[2].

3- «يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَى‌ وَلكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ ا لْأَمَانِىُّ حَتَّى‌ جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ ا لْغَرُورُ»[3].

4- «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ا لْحَقّ وَلَا يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ ا لْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ ا لْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فَاسِقُونَ»[4]

5- «ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ»[5].

6- «أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى‌* فَلِلَّهِ ا لْأَخِرَةُ وَا لْأُولَى‌»[6].

7- «وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ* الّذي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ* يَحْسَبُ انَّ مَالَهُ اخْلَدَه»[7].

8- «إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّواْ عَلَى‌ أَدْبَارِهِم مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ا لْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى‌ لَهُمْ»[8].

تفسير واستنتاج:

منابع طول الأمل‌

«الآية الاولى والثانية»تتحدّثان عن قوم عادٍ وثمود حيث بعث اللَّه لهم‌(هود)و(صالح)وكانوا يعيشون الوضع الاقتصادي المزدهر في زراعتهم وصناعتهم وبالتالي تسبب ذلك في‌

[1]. سورة الأعراف، الآية 74.

[2]. سورة الشعراء، الآية 128 و 129.

[3]. سورة الحديد، الآية 14.

[4]. سورة الحديد، الآية 16.

[5]. سورة الحجر، الآية 3.

[6]. سورة النجم، الآية 24 و 25.

[7]. سورة الهمزة، الآية، 1- 3.

[8]. سورة محمّد، الآية 25.


صفحه 160

تعلّقهم الشديد بالدنيا وعاشوا طول الأمل فيها ممّا أورثهم ذلك الغرور والكبر والفخر إلى درجة أنّهم ليس فقط لم يهتمّوا لدعوة أنبيائهم هود وصالح، بل إنّهم تصدوا لهم بالمخالفة والعدوان.

القرآن الكريم يذكر في الآيات الاولى على لسان النبي صالح عليه السلام مخاطباً لقومه «وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ ا لْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ ءَالَا ءَ اللَّهِ وَلَاتَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»[1].

وفي‌«الآية الثانية»يستعرض القرآن حالة قوم‌(عاد)والّذي سبقت الإشارة إليها في الآية السابقة في الحديث عن قوم ثمود.

وتتحّدث الآية الكريمة على لسان النبي هود عليه السلام مخاطباً قومه «أَتَبْنُونَ بِكُلّ رِيعٍ ءَايَةً تَعْبَثُونَ* وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ»[2].

وهنا أراد هو بهذا الكلام أن يُفهم قومه أنّ أحد العلل المهمّة لإنحرافهم عن جادة الصواب وسلوكهم في خطّ الباطل هو اتباعهم للأهواء واعتمادهم على الآمال العريضة والطويلة والّتي أدّت بهم إلى الغفلة عن اللَّه تعالى والفرق في زخارف الدنيا والإبتلاء بزبارجها.

(مصانع)جمع مصنع، بمعنى‌ البناء العظيم والقصر الشامخ والمستحكم، والأصل لهذه المفردة هي مادّة(صَنَعَ)والّتي تأتي بمعنى‌ أداء العمل الحسن، وعليه فإنّ‌(صنع)لا يقال لكلّ عمل، بل يُطلق على الأعمال الّتي لها امتياز خاص.

إن قوم عاد وثمود تصوّروا بأنّهم وبسبب هذه الأبنية القوية والمجلّلة والقصور الفخمة الّتي أوجدوها في قلب الجبال أنّهم بإمكانهم أن يصونوا أنفسهم من الآفات والحوادث الطبيعية ويخلدوا فيها لسنوات متمادية بعيداً عن كلّ اشكال الشقاء والبؤس.

[1]. سورة الأعراف، الآية 74.

[2]. سورة الشعراء، الآية 128 و 129.